بابٌ من
الفاعل
الاسمُ الذي يكونُ فاعلًا، بالوصفِ الذي ذكر في كتاب الإيضاح على ضربين: مظهر، ومضمر.
فالمظهر المسند إليه الفعلُ على ضربين، أحدهما: أن يسندَ الفعلُ إليه بغير حرفِ جرٍّ، يدخل عليه، والآخرُ: أن يسندَ الفاعل، وفيه حرفُ جرٍّ.
فما أسند إليه الفعلُ من الفاعلين، وقد جرَّ بحرفٍ، فهو في موضعين، أحدهما: أن يكون إيجابًا، وهو قليلٌ، والآخرُ: أن يكون غير إيجاب، فالإيجابُ كقولك: كفى بالله، وفي التنزيل: (قلْ كفى باللهِ شهيدًا بيني وبينكمْ)، وتقول: كفى الله، فلا تلحقُ الحرفَ، قال:
عميرةَ ودِّعْ إن تجهَّزتَ غاديا كفى الشَّيبُ والإسلامُ للمرءِ ناهيا
وقالوا: أحسنْ بزيدٍ، وأكرمْ بعمروٍ، وفي التنزيل: (أسمعْ بهمْ وأبصرْ)،
[ ٤٣٧ ]
فحذفَ الباءَ، كما حذفتْ من: كفى باللهِ، لمَّا قيل: كفى اللهُ، فاستتر الضَّميرُ في الفعل، وعلى هذا قولُ أوسٍ:
تردَّدَ فيها ضوءها وشعاعها فاحصنْ وأزينْ لامرئٍ إنْ تسربلاَ
ولا يجوزُ حذفُ الجارِّ والمجرور، من حيث لم يجز حذفُ الفاعل.
فإن قلتَ: فكيف القولُ في قوله: (أسمعْ بهمْ وأبصرْ) ولم يذكرِ الجارَّ والمجرور بعد (أبصرْ)، كما ذكرا بعد (أسمع بهمْ)؟
فالقولُ في ذلك: أنَّ حذفَ الفاعلِ قد جازَ في قولِ ناسٍ من أهلِ النَّظر في العربيّة، وقد ذهب أبو الحسن، في بعض الأشياء، إلى ذلك، ومن لم يجزْ حذف الفاعل - وهو قول سيبويه - جعل في قوله: (أبصرْ) ضميرًا، كما كان في قولِ أوسٍ.
فإن قلت: فهلاَّ جمع الضَّميرَ لمَّا حذفَ الجارَّ، فاتَّصلَ الفاعلُ بالفعلِ، كما تقولُ: القومُ كفوا، إذا لم تلحقِ الجارَّ، فتقول: القومُ كفى بهمْ.
فالقولُ في ذلك: أنه يجوزُ أن يكونَ أضمرَ على لفظِ المفرد، دونَ الجميع، لأنَّ هذا الفعلَ بمنزلةِ نعمَ وبئس، فكما لم يلحقوا علامةَ الجميع، هذين الفعلين،
[ ٤٣٨ ]
كذلك لم يلحقْ هذا، وجعل الفاعلَ على لفظ المفرد، وإن كان في المعنى جميعًا، وأيضًا فإنه يجوز أن يكون أجري مجرى أفعلَ، الذي في قولهم: ما أحسنَ زيدًا، فكما لم يجمع الضَّميرُ في أحسنَ، كذلك لم يجمع في: أسمعْ، وأحسنْ، من حيثُ اتَّفقا في المعنى، وأيضًا فإنَّ هذا الفعلَ قد جرى مجرى الاسم، في تصحيحهم له، ألا تراهم قالوا: أقول به، وأطيبْ براحِ الشامِ صرفا.
فكما لم تظهرْ علامة الضَّمير، في اسم الفاعل، كذلك لم تظهر في هذا الفعل.
وإن شئت قلت: إنَّ هذا الحذفَ اللاحق في اللفظ، حكمه حكمُ الإثبات، لأنَّ ما تقدَّم قد دلَّ عليه، كما كان كلٌ في قوله:
أكلَّ امرئٍ تحسبينَ امرءًا ونارٍ توقَّدُ باللَّيلِ نارا
في حكم الملفوظِ به، لتقدُّمِ ذكرِ كلٍّ قبله، وإغنائه عنه، وكذلك يكون هذا الفعلُ الثاني الذي هو (أبصرْ) بمنزلةِ الملفوظِ به، وفي حكمه، فلا يمتنعُ ذلك عنده، كما لم يمتنع أن يقول:
ونارٍ توقَّدُ بالليل
[ ٤٣٩ ]
فلم يكن ذلك عنده عطفًا على عاملين، لكون كلِّ في حكمِ الملفوظِ به.
ومثل (أسمعْ بهمْ) في أنّ اللفظَ لفظُ الأمرِ، والمعنى على الخبر، قوله تعالى: (قلْ منْ كانَ في الضَّلالةِ فليمددْ له الرَّحمنُ مدَّا) ألا ترى أنَّ تأويلَ الأمرِ هنا لا يتوجَّه.
وممَّا اتَّصل به الجارُّ من الفاعلِ المظهرِ، قوله:
ألم يأتيكَ والأنباءُ تنمي بما لاقت لبونُ بني زيادِ
فالابتداءُ الذي بعدَ الفعل وخبره، اعتراضٌ، كما كان اعتراضًا في قولِ الآخرِ:
وقد أدركتني والحوادثُ جمَّةٌ أسنَّةُ قومٍ لا ضعافٍ ولا عزلِ
ومن ذلك قولُ النَّمر بن تولبٍ:
حتَّى إذا قسمَ النَّصيبُ وأصفقتْ يده بجلدةِ ضرعها وحوارها
ظهرتْ ندامتهُ وهانَ بسخطهِ شيئًا على مربوعها وعذارها
[ ٤٤٠ ]
المعنى: هانَ سخطُه، فالجارُّ والمجرورُ في موضعِ رفع، كما كانا في (كفى باللهِ) كذلك، فأمَّا قولُ جريرٍ:
فأولعْ بالعفاسِ بني نميرٍ كما أولعتَ بالدَّبرِ الغرابا
فالجارُّ والمجرور في موضع نصب، ويدلُّك على ذلك أمران: أحدهما تعدَّى الفعل إلى مفعولين، ألا ترى أنَّ أولعْ تعدَّى إلى بني نميرٍ، وتعدَّى إلى العفاس بالباء، والآخرُ: تعدِّيه إلى المصدر، ألا ترى أنَّ المعنى: أولعهم بها إيلاعًا، كإيلاعك الغرابَ بالدَّبر، ومن ذلك ما أنشده أبو زيد:
مهما ليَ اللَّيلةَ مهما ليهْ أودى بنعليَّ وسرباليهْ
يجوز أن تكون الباءُ زيادةً، كأنه: أودى نعلايَ، فلحقت الباءُ، كما لحقتْ في (كفى باللهِ)، ويدلُّك على زيادة الباء ما أنشده أبو زيد:
أودى بنيَّ فما برحلي منهمُ إلاَّ غلامًا بيئةٍ ضنيانِ
[ ٤٤١ ]
فإن قلت: فلمَ لا تجعلُ الباءَ زيادةً في المفعولِ به، كقوله:
هنَّ الحرائرُ لا ربَّاتُ أحمرةٍ سودُ المحاجرِ لا يقرأنَ بالسُّورِ
ويكون الفاعلُ مضمرًا، كأنه: أودى مودٍ بنعليَّ، فتضمرهُ للدَّلالةِ عليه، كما أضمر في قوله: (ثمَّ بدا لهمْ)، ونحو ذلك.
فالقولُ أنَّ هذا أضعفُ، لأنه ليس في مودٍ الذي تضمره زيادةٌ على ما استفدته في قوله: أودَى، وليس قوله سبحانه: (ثمَّ بدا لهمْ) كذلك، لأنَّ البداءَ والبدوَ قد صارا بمنزلة المذهبِ، في قولك: ذهبَ به مذهبٌ، وسلكَ به مسلكٌ.
فإن قلت: فلمَ لا تجعلُ فاعلَ أودى ذكرًا يعودُ إلى ما في قوله: مهما لي الليلة؟
فإن ذلك أيضًا ليس بالقويِّ، لأنَّ المعنى يصيرُ كأنه: أودى شيءٌ بنعليَّ، فإذا جعلتَ الباءَ لاحقةً للفاعل، كان أشبه.
[ ٤٤٢ ]
فأمَّ ما أنشده بعض البغداديِّين:
أما واللهِ عالمِ كلِّ غيبٍ وربِّ الحجرِ والبيتِ العتيقِ
لو أنَّكَ يا حسينُ خلقتَ حرًَّا وما بالحرِّ أنت ولا الخليقِ
فإنه يكون شاهدًا على ما حكاه أبو عمرَ، من نصب خبر ما مقدَّما، ومن دفع ذلك أمكن أن يقول: إنَّ الباءَ دخلت على المبتدأ، وحمل ما على أنَّها التَّيميّة، كما دخلتْ على قولِ الأسود:
بشؤعها يسرٌ وغازٍ
ويقوِّي أنّ ما حجازيَّة أنَّ أنت أخصُّ من الحرِّ، فهو أولى بأن يكون
[ ٤٤٣ ]
الاسمَ، ويكونَ الحرّ الخبر، فقدمت، ودخلت عليه الباءُ.
وأمَّا لحاقُ الجارِّ الفاعلَ، في غير الإيجاب، فكثيرٌ، نحو: ما جاءك من رجلٍ، وهل جاءك من أحدٍ؟ ولا تزيدُ مع الفاعل، من الحروف الجارَّة، غير الباء، في قول سيبويه، في الإيجاب، كما لم تزدْ فيه غير الباء، في المبتدأ، وذلك قولُه:
بحسبكَ في القومِ أن يعلموا بأنَّك فيهم غنيٌّ مضرّْ
وأجاز أبو الحسن زيادةَ من في الإيجاب، وممَّا يدلُّ على صحّةِ قوله، قولُ الأسودِ بن يعفر، يذكرُ عادًا:
هوى بهمْ من حينهمْ وسفاههمْ من الرِّيحِ لا تمرى سحابًا ولا قطرَا
المعنى: هوى بهم الرِّيحُ
وقال أحمدُ بن يحيى: روي قوله:
[ ٤٤٤ ]
وكأنَّما ينأى بجانبِ دفِّها الوحشيِّ من هزجِ العشيِّ مؤوَّمِ.
هرِّ، وهرٌ. . .
فمن روى هرٍّ أبدله من هزج العشيِّ وكان موضعُ هزج رفعًا بأنه فاعلٌ.
ومن قال: هرٌّ فرفع، أمكن فيه أمران: أحدهما، أن تحمله على موضعِ الجارِّ والمجرور، والآخرُ: أن ترفعه بينأى.
وقال أحمدُ: المؤوَّمُ: المشوَّهُ الخلقِ، والهزجُ: الكثيرُ العواءِ باللَّيل.
وقال الأسودُ بن يعفر، فيما دخله الباءُ في الإيجاب، من المبتدأ:
فقلتُ بشرعها يسرٌ وغازٍ ومرتحلٌ إذا ارتحلَ الوفودُ
فدخولُ الباء على شرعك كدخولها على حسبك.
وممَّا دخله باءُ الجرِّ من المبتدأ قولُ راجزٍ، زعموا أنه جاهليٌّ:
نحن أرحنا الناس من عذابهِ ضربتُ بالسَّيفِ على نطابهِ
أتى به الدَّهرُ بما أتى بهِ
وأمَّا الفاعلُ المضمر، المسندُ إليه فعلُه، فعلى ثلاثةِ أضربْ:
أحدها: أن يكونّ ذكره وكنى عنه، والآخرُ: ألاَّ يكونَ ذكره جرى، ولكن دلَّ عليه مشاهدةُ حالٍ، فكان ذلك كجري الذِّكر. والثالث: أن يكون مضمرًا، لا يستعملُ إظهاره.
[ ٤٤٥ ]
فمثالُ ما ذكر فعاد الضميرُ إليه قولُ الشاعر:
مثلُ القنا سحجَ الثِّقافُ كعوبهُ فاهتزَّ، فيه لدونةٌ وذبولُ
ففي قوله: اهتزَّ ضميرُ القنا، وذكِّر كما ذُكِّرَ في قوله ﷿: (الذي جعلَ لكمْ منَ الشَّجرِ الأخضرِ نارًا).
وقوله: فيه لدونةٌ وذبولُ في موضعِ نصبٍ بالحال، كأنَّه قال: اهتزَّ ليِّنًا ذابلًا، ومثلُ هذا، في وصفِ الرُّمحِ باللِّين، قولُ الآخر:
لدنٌ بهزِّ الكفِّ يعسلُ متنهُ فيه كما عسلَ الطّريقَ الثَّعلبُ
أي يعسلُ في هزِّه، فأضمر الهزَّ، لتقدُّمِ ذكرهِ، والتقديرُ في قوله: يعسلُ متنه: يعسلُ هو، يريدُ أنه لا كزازةَ فيه إذا هززته، ولا جسوَّ، ومثلُ ذلك قولُ الآخر:
أو كاهتزازِ ردينيٍّ تعاورهُ أيدي التِّجارِ فزادوا متنه لينا
ومثلُ ذكر المتنِ في هذه المواضعِ، والمرادُ الجمهورُ قولُ الآخر:
يغشى قرى عاريةٍ أقراؤه
[ ٤٤٦ ]
ألا ترى أنَّ المعنى: يغشى هذه الفلاةَ، ولا يريدُ تخصيصَ مكانٍ منها دونَ مكانٍ.
وممَّا أضمرَ لتقدُّمِ ذكره، قولُ النَّمر بن تولبٍ:
وكأنَّها دقرى تخيَّلُ، نبتها أنفٌ يغمُّ الضَّالَ نبتُ بحارها
ففي تخيُّلُ ذكرٌ يعودُ إلى دقرى، وهو اسم روضةٍ بعينها، ثمَّ صارت اسمًا لكلِّ روضةٍ، فعلى هذا جمعه أبو داودٍ، فقال:
تخالُ مكاكيَّهُ بالضُّحى خلالَ الدَّقاريِّ شربًا ثمالا
فالدَّقاريُّ: الرِّياضُ، جمعه على حدِّقولك: نفى الدَّراهيمِ، أو شبَّهه بصحاريَّ، من حيث كان آخرُ كلِّ واحدةٍ من الكلمتين للتأنيث، كما قالوا: دنياويٌّ، فشبَّهوه بصحراويٍّ.
[ ٤٤٧ ]
وقولُه: نبتُها أنفٌ ابتداءٌ وخبرٌ، وتكون الجملةُ في موضعِ الحالِ من الفاعل، فتقديره: مؤتنفُ النَّباتِ، فإن شئت كان العاملُ فيها: تخيَّلُ، وإن شئتَ ما في كأنَّ
من معنى الفعل.
ومعنى تخيَّلُ: تلوَّنُ.
وممَّا أضمر لتقدُّمِ ذكره، قول الشاعر:
أو تزجروا مكفهرًَّا لا كفاَء له كاللَّيلِ، يخلطُ أصرامًا بأصرامِ
ففاعل يخلطُ الكفهرُّ، لا اللَّيلُ، لأنَّ الكفهرَّ يريد به الجيشَ الكثيرَ، الذي كأنَّ بعضه على بعضٍ، من كثرته، ومن هنا قيل: جيشٌ مجرٌ.
ومعنى خلطه صرمًا بصرمٍ: هو جمعُ هذا الجيش بين من انفردَ عن أهله وبينَ أهله، خوفًا من القتل والقهر، ومثلُ هذا قولُ أبي ذؤيبٍ:
وزافتْ كموجِ البحرِ يسمو أمامها وقامتْ على ساقٍ وآنَ التَّلاحقُ
أي تلاحقُ كلِّ منفردٍ عن أهله، في محلِّه بأهله، ومثله قولُ رؤبةَ:
وأجمعتْ بالشَّرِّ أن تلفَّعا حربٌ تضمُّ الخاذلين الشُّسَّعا
[ ٤٤٨ ]
أي تجمع بين من شسع عن أهله.
وأمَّا قولُ الأسودِ بن يعفرَ:
شطَّت نوى تنهاةَ من أن توافقا فبانتْ فشاقَ البينُ من كان شائقا
ففاعلُ توافقا يمكن أن يكونَ النَّوى، ويمكن أن يكون المرأةَ، فإن جعلتَ الفاعل اسمَ المرأة، كان المعنى: شطَّتْ من أن توافقنا في محضرٍ أو مبدىً، وإن جعلتَ الفاعلَ النَّوى، كان المعنى: شطَّتْ من أن توافقنا نواها، والموافقةُ في ذلك: أن يجتمعا حيث انتوتْ، والدليلُ على جواز إسنادِ الموافقةِ إليها، ما أنشده أبو زيد:
فإنْ لا توافقنا أميمةُ في النَّوى نزرها بفتلاءِ الذِّراعين عنسلِ
ويجوز أن يكون فاعلَ في معنى افتعل، كما كان افتعل بمنزلةِ فاعلَ في ازدوجوا، ونحو ذلك، فيكون المعنى: شطَّتْ من أن تتَّفق في إقامةٍ في موضعٍ.
فأمَّا قوله: من كان شائقًا ففاعلُ كان البينُ، كأنّه: من كان البينُ شائقه، فحذف
الذِّكرَ العائدَ من اسمِ الفاعلِ إلى الموصول، كما يحذفه من الفعل، ومن ذلك قولُ ذي الرُّمَّة:
فتنظرَ إنْ مالتْ بصبري صبابتي إلى جزعي أم كيفَ إن كان، أصبرُ
[ ٤٤٩ ]
ففاعلُ كان جزعي، التقديرُ: أم كيف أصبرُ إن كان جزعي، أي إنْ وقع، ففي كان ضميرُ الجزع، الذي تقدَّم ذكره، ومن ذلك قولُ الآخر:
أهويتُ سيفي وما أدري أذالبدٍ يغشى المهجهجَ، عضَّ السَّيفُ أم رجلا
فقوله: يغشى صفةُ ذالبدٍ، وفاعلُ يغشى ذو اللَّبدِ، الذي تقدَّم ذكره، والتقديرُ: وما أدري أعضَّ السَّيفُ ذالبدٍ، يغشى المهجهجَ، أم رجلًا؟ والمعنى: أنه لم يفصل بينَ الرجلِ المهوى السَّيفُ نحوه، وبين الأسدِ، ومن ذلك قول الحارثِ بن زهير، في قتله حذيفةَ بن بدر:
تركتُ على الهباءةِ غيرَ فخرٍ حذيفةَ حولهُ قصدُ العوالي
ولولا ظلمهُ حنشَ بنَ عمروٍ إذًا لاقاهمُ وابنا بلالِ
ويخبرهمْ مكانَ النُّونِ منِّي وما أعطيتهُ عرقَ الخلالِ
[ ٤٥٠ ]
فاعلُ يخبرهم المقتولُ، المقدَّمُ ذكره، وهو حذيفةُ، هكذا سمعته بالنَّصب.
ويجوز أن تجعلَ مكانَ فاعلَ يخبر.
والعرقُ: المكافأةُ، والمودَّةُ.
والخلالُ: الخلَّةُ. يقول: لم يعطوني السَّيفَ، الذي هو ذو النُّون، عن مودَّةٍ، ولكنْ قتلتُ، وأخذتُ.
وحنشُ بن عمروٍ نداءٌ.
ومن ذلك قوله:
ومجوَّفاتٍ قد علا ألوانها أسآرُ جردٍ مترصاتٍ كالنَّوى
[ ٤٥١ ]
ففاعلُ علا التَّجويفُ، وأضمر، لأنَّ المجوَّفاتِ قد دلَّ عليه، فصارَ تقدُّمُ ذكرِ
المجوَّفات، كتقدُّم ذكرِ التَّجويف. فأما قوله:
فلم يبقَ منها سوى هامدٍ وسفعِ الخدودِ وغيرُ النُّؤى
[ ٤٥٢ ]
فيجوز أن يكونَ في لم يبقَ ذكرٌ ممَّ قد جرى ذكره.
وسوى في موضعِ نصبٍ بأنّه ظرفٌ، ويجوز أن يكون جعله فاعلًا للضَّرورة، كما جعله الآخرُ، الممدودَ، اسمًا لذلك في قوله:
تجانفُ عن جلِّ اليمامةِ ناقتي وما قصدتْ من أهلها لسوائكا
ومن ذلك قولُ أوسِ بن حجر:
كأنَّ جديدَ الأرضِ يبليكَ عنهمُ تقيَّ اليمينِ بعد عهدكَ حالفُ
موضع يبليك نصبٌ على الحال، كأنَّ جديدَ الأرضِ مبليًا.
وفاعلُ يبليك جديدُ الأرضِ، وتقيَّ اليمين منتصبٌ بيبليك، وهو المفعول الثاني.
أخبرنا محمد بن السَّريّ، قال: يقال: أبلني يمينًا، أي احلف لي.
وأمَّا قوله: بعدَ عهدك فمتعلِّقٌ بأحدِ شيئين: يجوز أن يكون معمولَ جديد، أي كأنَّ ما جدَّ بعد عهدك، ومعنى جدَّ بعدَ عهدك: أي درستِ الآثارُ، والعلاماتُ التي كانت عليها وبها، فصارتْ أرضًا جديدًا، كأنَّها لم تحلَّ، ولم ترعَ، فيكونَ فيها أثرُ تخييمٍ وتطنيبٍ، ومختبزٍ ومشتوىً، ونحوِ ذلك من الآثار، التي تدلُّ على قربِ عهد الحالِّ بها.
[ ٤٥٣ ]
ويجوز أن يكون متعلِّقًا بحالفٍ، تقديره: كأنَّ جديدَ الأرضِ حالفٌ بعد عهدك، أنَّهم لم يسكنوه، لتقدُّمِ عهدهم، وامِّحاءِ آثارهم. وحالفٌ خبرُ كأنَّ.
فأمَّا ما أضمرَ ممَّا لم يجرِ له ذكرٌ، ولكن ذلّتْ عليه حالٌ مشاهدةٌ، فنحو ما قال سيبويه، من قولهم: إذا كان غدًا فأتنا، والمعنى: إذا كان ما نحنُ عليه، من الرَّخاء، أو البلاء، في غدٍ، فأضمر الفاعلَ، لدلالة الحالِ عليه، ومثل ذلك من الشِّعر، قولُ الأسودِ بن يعفر:
فلن تعدمي منَّا السَّراةَ أولِي النُّهى إذا قحطتْ والمسمحينَ المساحقا
ومن ذاك ما رويَ لنا، أنَّ يعقوبَ أنشده لحميد بن ثورٍ، وزعم أنه أوَّلُ قصيدةٍ:
وصهباَء منها كالسفينةِ نضَّجتْ به الحملَ حتى زادَ شهرًا عديدها
يجوز في العديد أن يكونَ في معنى المعدود، وأن يكون فاعلًا.
قال: صهباء: ناقةٌ.
ومنها يعني من الإبل، أضمرها ولم يجرِ لها ذكرٌ. وهذا وإن لم يكن فاعلًا، فالفاعلُ في حكمه.
والحمل منصوبٌ، ولم يجر في البيت ذكرُ أمِّها، فقد أضمرها، ولم يجرِ لها ذكرٌ.
[ ٤٥٤ ]
والحملُ مصدرٌ، جعلَ ظرفًا، مثل مقدمِ الحاجِّ.
وتقدير نضَّجتْ به الحملَ: أي في الحملِ، والباءُ زائدةٌ، أي نضَّجته.
وقوله: حتى زاد شهرًا عديدها أي حتى زاد شهرًا شهورُ عددها. ومعنى شهورها شهورُ حملها، فحذف المضافَ في الموضعين، ومن ذلك قولُ أبي دؤاد الإياديّ:
ألا من رأى لي رأيَ برق شريقِ أسالَ البحارَ فانتحى للعقيقِ
إذا ما أقولُ أوسعَ الأرضَ كلَّها تلألأَ في مخيلةٍ وخفوقِ
قوله: أسالَ البحارَ تقديره: أسالَ سحابهُ البحارَ، أي سقيا سحابه، أو مطرُ سحابه، أي سحابُ البرق، فحذف، وصارَ في أسالَ ضميرُ البرق، ويدلُّك على أن المعنى على حذف المضاف، أنَّ البرقَ لا يسيل البحارَ.
ومثل ذلك في حذف الاسمين في الإضافة قوله:
فأدرك إبقاَء العرادةِ ظلعها وقد جعلتني من حزيمةَ إصبعا
[ ٤٥٥ ]
أي جعلتني من حزيمةَ ذا إصبعٍ، أي ذا مسافةِ إصبعٍ، ومثل ذلك قولهم: أنت منِّي فرسخانِ، ومن ذلك قولُ الأسود بن يعفر:
اللِّحاءُ: من الملاحاة، أي لا يعتري أصحابَ خمرنا، أي أصحابَ شربها.
ويوهبُ فيها: أي في شربها، أي في وقتِ شربها، فقد حذف في كلِّ واحدٍ من الموضعين في البيت، اسمين، كما رأيتَ، وكذلك قولُ مزرِّدٍ:
فدتكَ عرابَ اليومَ أمِّي وخالتي وناقتيَ النَّاجي إليك بريدها
أي ذو بريدها، أي سيرِ بريدها، ألا ترى أن النَّاجيَ الرجلُ السَّائرُ البريدَ على
[ ٤٥٦ ]
النَّاقةِ، وليس النَّاجي بالبريد، وأضاف البريدَ إلى النَّاقة، لمَّا كان بسيرها، كما أضافَ الإناءَ إلى الشَّارب منه، في قوله:
ذا إنائكَ أجمعا
فأمَّا البحارُ فجمع بحرٍ، وليس الذي هو خلافُ البرِّ، ولكن الأريافُ، من ذلك قوله ﷿: (ظهرَ الفسادُ في البرِّ والبحرِ) فسِّرَ أنه الجدبُ في البرِّ والرِّيفِ، الذي هو خلافُ البرِّ، وأنشد الأصمعيُّ، فيما روى عنه أبو نصر:
حسبتَ فيها تاجرًا بصريَّا نشَّر من ملائه البحريّا
قال: أرادَ بالبحريّ الرِّيفيَّ، وقيل في قولِ النَّمرِ بن تولبٍ:
وكأنَّها دقرى تخيَّلُ، نبتها أنفٌ يغمُّ الضَّالَ نبتُ بحارها
إنَّ البحارَ جمعُ بحرةٍ، وهي الرِّياضُ، وهذا قريبٌ من الأوَّل.
وقوله:
إذا ما أقولُ أوسعَ الأرضَ كلَّها
[ ٤٥٧ ]
تقديره: إذا أقولُ: أوسعَ السَّحابُ الأرضَ كلَّها، غيثًا، تلألأ في مخيلةٍ، ففاعلُ أوسعَ السَّحابُ أيضًا، ولم يجرِ له ذكرٌ، وحذف المفعولَ الثَّاني، الذي ثبت في قوله:
أوسعتهمْ سبًَّا وأودوا بالإبل
وأضمرَ السَّحابَ، وإن لم يذكرْ، لدلالةِ البرقِ عليه، كما دلَّ عليه في البيت الأوَّل، وكما دلَّ على الرَّعد، في قوله:
أمنكِ البرقُ أرقبهُ فهاجا فبتُّ إخالهُ دهمًا خلاجا
أي إخالُ الرَّعدَ، فأضمره، وإن لم يجرِ له ذكرٌ.
والمعنى وصفُ السَّحابِ بغزرِ المطر، أي إذا قلتُ: أوسعَ الأرضَ سقيًا فالآنَ تصحو، تلألأَ في مخيلةٍ، أي تلألأَ البرقُ في مخيلةٍ، فدلَّ ذلك على استئنافِ مطرٍ، وإثجامِ غيمٍ.
والمخيلةُ: الخلاقةُ للمطر، والتَّهيُّؤُ له، يقال: أخيلتِ السَّماءُ، وخيَّلتْ، وسحابٌ ذو مخيلةٍ، وما في الحديث، من قوله: كان إذا رأى مخيلةً تقديره إقامةُ الصِّفةِ مقامَ الموصوفِ، وحذفُ المضافِ، كأنه: إذا رأى سحابًا ذا مخيلةٍ، والمخيلةُ: مصدرٌ على مَفْعَلَةٍ، كالمسيرِ، والمبيتِ، (ويسألونكَ عنِ المحيضِ)، ومن الصَّحيح: (إليَّ مرجعكمْ).
[ ٤٥٨ ]
ويجوز أن يكون أقولُ بمعنى أظنُّ، وهو أشبهُ، كأنّه: إذا ما أظنُّ السَّحابَ أوسعَ الأرضَ كلَّها سقيا، فحذف المفعولَ الأولَ، والمعنى: إذا ظننتُ أنَّ الغيثَ أوسعَ الأرضَ جميعًا سقيا، فقد أنى أن يجثمَ لم يكن كذلك، ورأيتُ سحابًا ذا مخيلةٍ.
وقد يستعملُ أقولُ بمعنى أقدِّرُ، كأنّه: إذا قدَّرتُ، والمعنيان متقاربان، وقيل في قولِ الحطيئة:
إذا قلتُ آيبٌ أهلَ بلدةٍ رفعتُ بها عنها الوليَّةَ بالهجرِ
ويجوز أن يكون: إذا أظنُّ أنْ أوسعَ، فحذفَ أنْ مع الماضي، كما يحذفُ مع المضارع، في نحو: (تظنُّ أنْ يفعلَ بها فاقرةٌ) فإذا قدَّرته كذلك، كان الفعلُ في موضعِ اسمٍ، كما كان نحو قوله:
وحقُّك تنفى من المسجدِ
تقديره: وحقُّك النَّفيُ، وإن شئتَ كان الموضعُ للفعل، من غير أن تقدِّرَ فيه معنى
[ ٤٥٩ ]
الاسم، يدلُّك على ذلك ما أنشده أبو زيد:
ولا يلبثُ الحرُّ الكريمُ إذا ارتمتْ به الجمزى قد شدَّ حيزومَها الضَّفرُ
سيكسبُ مالًا أو يفيءُ له الغنى إذا لم تعجِّلهُ المنيَّةُ والقدرُ
فقوله: سيكسبُ مالًا يدلُّ على وقوعِ الفعلِ موقعَ الاسم، في نحو ما أنشده أبو زيد، من قوله:
فقالوا ما تشاءُ فقلتُ ألهو إلى الإصباحِ آثرَ ذي أثيرِ
وفي نحو: تسمعُ بالمعيديّ، ونحو ذلك، لا على تقدير حذفِ أنْ،
[ ٤٦٠ ]
ألا ترى أنَّ تقدير دخولِ أنْ مع السِّين، ولا يستقيم تقدير الحالِ أيضًا، لمكان السِّين، والمعنى: لا يلبثُ عن أن يكسبَ مالًا، فدلَّ سيكسبُ على ذلك.
ومثلُ هذين البيتين، في أنَّ الفاعلَ أضمرَ فيهما، ولم يجرِ له ذكرٌ، قول أبي دوادٍ أيضًا:
تهبَّطنَ من دونِ السَّماءِ تهبُّطًا كأنَّ بثنييه عفاَء نعامِ
فهذا في المعنى كقوله:
فويقَ الأرضِ هيدبه
وتهبَّطنَ: يكون الضَّميرُ الذي فيه للسَّحاب، وجمع، كما قال تعالى: (السَّحابَ الثِّقالَ)، ودلَّ عليه البرقُ في قوله قبلُ:
[ ٤٦١ ]
أعنِّي على برقٍ أراهُ تهامِ
وما ذكرناه أبينُ من أن تجعلَ الضَّميرَ للخيل المذكورة قبلَ البيتِ في قوله:
تكشُّفَ عوذِ الخيلِ تحمي فلاءها إلى جنبِ أخرى بالقنيِّ قيامِ
ألا ترى أنَّ السَّحابَ يشبَّهُ بالإبلِ، وفي أكثرِ الأمرِ، دونَ الخيلِ.
وقال: كأنَّ بثنييه فذكَّر، كما قال تعالى: (يزجي سحابًا ثمَّ يؤلِّفُ بينهُ، ولو قال: بثنييها، كما قال: (أعجازُ نخلٍ خاويةٍ) لاستقام، ومثلُ قوله: (السَّحابَ الثِّقالَ)، ما أنشده يعقوبُ:
يكفيكَ تشبيطَ القتادِ الملحِ داجنةٌ تدأبُ حتَّى الصُّبحِ
تعلو الحزابيَّ بقطرٍ فطحِ
[ ٤٦٢ ]
فالملحُ: جمعُ أملحَ، والفطحُ: فسَّره يعقوبُ بالعراض، وقد جمع النابغةُ بين القولين، في قوله:
إلى حمامٍ سراعٍ واردِ الثَّمدِ
وممَّا أضمر، ولم يجرِ له ذكرٌ من الفاعل، قولُ الهذليِّ:
أفعنكِ لا برقٌ كأنَّ وميضه غابٌ تسنَّمهُ ضرامٌ مثقبُ
سادٍ تجرَّمَ في البضيعِ ثمانيًا تعلو بعيقاتِ البحارِ وتجنبُ
سادٍ: فيه قولان، فيما رواه لنا محمد بن السَّريّ، أحدهما: من الإسآدِ، وهو سيرُ اللَّيل، أراد: سائدٌ، فقلب.
قال: والقولُ الآخر: سادٍ: مهملٌ.
قال أبو عليٍّ: فالقولُ الأوَّلُ يكون على أنه حذف الهمزةَ، كما حذفت في ليلٍ غاضٍ، وقوله:
[ ٤٦٣ ]
ومختبطٌ ممَّا تطيحُ الطَّوائحُ
ونحو ذلك، ويكون مع قلبه الكلمةَ، أبدلَ الهمزةَ إبدالًا، ولم يخفِّفها تخفيفًا قياسيًَّا. والقولُ الآخرُ: من قوله سبحانه: (أيحسبُ الإنسانُ أن يتركَ سدىً).
[ ٤٦٤ ]
ويجوز أن يكون من السَّدى، الذي هو النَّدى.
فأمَّا فاعل تجرَّمَ فالقولُ فيه أنَّك إن جعلتَ قوله: سادٍ من أسأدتُ، فإنَّه على هذا من صفةِ البرق. قا أبو زيد: عملَ البرقُ يعملُ عملًا: إذا دأبَ ليلته، لا يفترُ، وعلى هذا قوله:
باتتْ طرابًا وباتَ اللَّيلَ لم ينمِ
فإذا كان هذا صفةً للبرق، ففاعلُ تجرَّمَ يكون على ضربين، أحدهما: أن يكون أضمرَ السَّحابَ، وإن لم يجر له ذكرٌ، لدلالةِ ذكرِ البرقِ عليه، كما أضمرَ الرَّعدَ،
[ ٤٦٥ ]
لدلالةِ البرقِ عليه، في قوله:
أمنكِ البرقُ أرقبه فهاجا فبتُّ إخاله دهمًا خلاجا
أي إخالُ الرَّعدَ دهمًا، أي صوتَ دهمٍ، إلاَّ أنه أضمره لجريِ ذكرِ البرقِ، الدَّالِّ على الرَّعد.
والآخرُ: أن يكون أراد: تجرَّمَ سحابه، أي سحابُ هذا البرقِ، فحذف المضافَ الذي هو سحاب، المضافُ إلى ضميرِ البرق، وأضمر البرقَ، فكأنه: تجرَّمَ البرقُ، والمرادُ سحابُ البرقِ، أي تقطَّع السَّحابُ، وتفرَّق في هذا الموضع، ليأخذ منه الماءَ، كما قال:
شربنَ بماء البحرِ ثم ترفَّعتْ متى لججٍ خضرٍ لهنَّ نئيجُ
ويدلُّك على إرادته السَّحابَ، قوله:
تعلو بعيقاتِ البحورِ وتجنبُ
أي تصيبها الرِّيحُ الجنوبُ، ليكونَ ذلك أغزر لمائه، وأدرَّ له.
فأمَّا قوله: بعيقاتِ البحورِ، فيحتمل أمرين، أحدهما: أن يعلو بماءِ عيقات البحور، فحذف المضافَ، ويكون قوله: يعلو بعيقاتِ البحورِ كقوله: ثم ترفَّعتْ.
والآخرُ: أن يكون المعنى: فيعلو السَّحابُ في هذا الموضع.
[ ٤٦٦ ]
فالباءُ على الوجه الأوَّل داخلةٌ على المفعول به، وعلى هذا القول الثاني ظرفٌ، كقولك: فلانٌ بمكة.
ومن قدَّر سادٍ فاعلًا من السَّدى، الذي هو النَّدى، فإنَّ سادٍ ينبغي أن يكون خبرَ ابتداءٍ محذوف، تقديره: سحابه سادٍ، أي ندٍ، فيكون سادٍ من صفة السَّحاب، ولا يكون من صفة البرق، على هذا التأويل، ألا ترى أنَّ البرقَ لا يوصفُ بالنُّدوَّةِ، فإذا كان كذا، كان فاعلُ تجَّرمَ ضميرَ السَّحاب، الذي لو كان هذا المبتدأُ مظهرًا، عاد الذِّكرُ إليه.
ومن جعل: سادٍ من السُّدى، الذي هو الإهمالُ، وخلافُ ضبط الشَّيءِ وحصره، كان سادٍ في موضع رفعٍ، على أنه صفةُ البرق، ولا يمتنعُ البرق أن يوصف بذلك، كأنه لكثرته، ودؤوبه في ليلته، خرج عن الحصرِ والضَّبط، فلا يمتنعُ وصفُ البرقِ بسادٍ، إذا كان من هذا الوجه، كما امتنع من الوجه الآخر، ومن ذلك قوله:
فتوضحَ فالمقراةِ لم يعفُ رسمها لما نسجتها من جنوبٍ وشمألِ
يجوز أن يكون فاعلُ نسجتْ الرِّيح، وأضمرها لدلالة الكلامِ عليها، فيكون كهذه الأبيات التي ذكرناها.
ويدلُّك على جواز إسنادِ نسجتْ إلى الرِّيح المضمرةِ، قولُ جريرٍ:
نسجً الجنوبُ مع الشَّمالِ رسومها وصبًا مزمزمةُ الحنينِ عجولُ
[ ٤٦٧ ]
وقال:
ومغيرةٍ نسجَ الجنوبِ شهدتها خلقتْ معاقهما على مطوائها
ويجوز أن تكون: من زائدةً في الإيجاب، على قولِ أبي الحسن، فيكون الجارُّ والمجرورُ في موضع رفعٍ، بأنه فاعلٌ، كأنه: لما نسجتها جنوبٌ وشمألٌ.
ويجوز أن يكون فاعلُ نسجتْ ضميرَ ما، وأنَّث على المعنى، كما قالوا: ما جاءتْ حاجتك، فأنَّث ضميرَ ما حيث كانت الحاجةَ في المعنى، ويكون الجارُّ على هذا القول تبيينًا.
ويجوز إذا جعلتَ من زائدةً، في قولِ أبي الحسن، أن تجعلَ ما مصدرًا، فلا يقتضي أن يعودَ عليه ذكرٌ، فتكون الهاءُ في نسجتها للمقراةِ، ويجوز أن تكون الهاءُ للمواضع المذكورةِ كلها.
[ ٤٦٨ ]
وقال: لم يعفُ رسمها، ولم يقل: رسومها، كما قال:
وأمَّا جلدها فصليبُ
وقد يجوز في الرَّسم، أن يكون واحدًا، يرادُ به الجميعُ، إذا أعدتَ الهاءَ إلى المقراةِ، لأنَّ الموضعَ الواحدَ قد تكون له عدَّةُ رسومٍ، ومن ذلكقولُ الرَّاعي:
فباتَ يريه عرسه وبناتهِ وبتُّ أراعي النَّجمَ أين مخافقهْ
فاعلُ يريه النَّومُ، وإنَّما يصفُ بذلك جلده وتيقُّظه، وأنه خلافُ هذا النَّؤوم، المؤثرِ للدَّعةِ، ومن ذلك قولُ ذي الرُّمَّة:
ما زال مذ وجفتْ في كلِّ هاجرةٍ بالأشعثِ الوردِ إلاَّ وهوَ مهمومُ
ففاعلُ وجفتْ الأرضُ، وقد أضمرها.
فأمَّا الفاعلُ المضمر في الفعل، الذي لا يجوزُ إظهاره، فنحو: نعم رجلًا، وبئسَ غلامًا، وكان زيدٌ منطلقٌ، وقد ذكرتُ الدَّلالةَ على ذلك في المسائل الحلبيَّة، وسنذكرُ شيئًا منه عندَ ذكرِ العواملِ الداخلةِ على الابتداء والخبر، من هذا الكتاب.
-
[ ٤٦٩ ]
باب