باب من
حذف المضاف
كقولهم: الليلةُ الهلالُ، يريد: الليلة ليلةُ الهلال، وقوله ﷿: (وأزواجهُ أمهاتهم)، وقول الشاعر:
فهن إضاءٌ صافيات الغلائلِ
من ذلك قول العجاج:
حتى إذا ما ليله تكشّفا من الصباح عن بريم أخصفا
تقديره: حتى إذا إظلامُ ليله تكشف عن بريم أخصف من ضياء الصباح، فمن الصباح: في موضع نصب، لأنه صفة للأخصَف، قد تقدَّمته، ألا ترى أن
[ ٣٣٣ ]
البياض
الذي في الأخصف إنما هو من الصبُّح، فالأخصف قد جمع اللّونين المفترقين، اللذين هما السّواد والبياضُ.
والبريم - زعموا - كلُّ خيط يُفتل، لحقوا المرأة، أو لقلادة، وقد اتُّسع فيه حتى جُعل الحِزام، وغيره، فالحزام نحو قولِ ابن مقبل:
يجولُ بريمُها
يصفها بالضُّمور.
وإنما أخذ ذلك العجَّاج من قوله ﷿: (حتى يتبيَّن لكم الخيطُ الأبيضُ من الخيطِ الأسودِ من الفجرِ)، وقد تناول ذلك العجَّاج في موضع آخر، فقال:
وقد رأى بالأُفُقِ اشقِرارا وفي جناحَي لَيْلِه اصفرارا
وصلَك بالسلسلةِ العِذارا
فاشقرارُ الأفق هو مقاربَتُه للبياض، وأما الاصفرارُ: فإنه يريدُ به الاسودادَ، وقيل للاسوداد الاصفرارُ، كما قيل للأسودِ: أصفر، يدلُّ على ذلك قول حُمَيد الأرقَط:
قد كاد يبدو وبدَت تباشِرُه وسَدَفُ الخيط البهيمِ ساترُه
وما أنشده يعقوب بن السِّكِّيت:
كأنَّه بالصَّحصحانِ الأنجَلِ قُطْنٌ سُخامٌ بأيادي غُزَّل
[ ٣٣٤ ]
فمن حيث وُصِف بأنه بهيم وسُخام، يجوز أن يكون الاصفرار الاسوداد، فالبيتان الرائيان قد دلاّ على ما دل عليه الأخصفُ، في الفائي. فأمّا انتصاب قوله: وَصْلَك بالسلسلة فمن باب صنع الله، وذلك أن في قوله: وصلك بالسلسلة على ذلك، وأراد أن اتصال الاسوداد بالاشقرار، كاتصال السلسلة بالعِذار. وقولُه:
وصلك بالسلسلة العِذارا
قريبُ في المعنى من قوله: عن بريم أخصفا، ومثل ذلك في المعنى قول ذي الرُّمّة:
فأدلى غُلامِي دَلوه يبتغي بها شِفاء الصَّدى والليل أدهم أبلقُ
أي أعلى الأفق أسودُ، والأسفلُ أبيضُ، للصُّبح، وقد انتظم ذلك قول العجَّاج: أخصف.
وقال أبو دُؤاد:
فلما أضاءتْ لنا ظُلمةٌ ولاحَ من الصُّبحِ خيطٌ أنارا
[ ٣٣٥ ]
قال بعض البصرييّن: يقولون: تبيَّن خيطُ الصُّبح: إذا تبين الصبح، قال بعض البصرييّن: يقولون: تبيَّن خيطُ الصُّبح: إذا تبين الصبح، ومن ذلك قولُ ابي ذؤيب:
أمنكِ البرقُ أرقبه فهاجا فبتُّ إخاله دهمًا خلاجا
المضافُ محذوفٌ، والمرادُ: إخالُ الرَّعدَ حنينَ دهمٍ، مختلجةٍ عنها أولادها، فهي تخانُّ.
والضَّمير في إخاله للرعد، وإضماره في هذا الموضع جيدٌ، لأن ذكر البرق الذي جرى يدلُّ عليه، وإذا أضمر الاسم حيث لم يدلّ على إضماره ما دلَّ في هذا الموضع، فإضماره هنا أولى، فمن ذلك قوله، وهو الأسود بن يعفر:
فلن تعدَمي منّا السَّراة ذَوِي النُّهى إذا قحطت والمُسمِحِينَ المَساحِقا
وقال ذو الرُّمَّة:
نَجاةٌ تُقاسِي ليلها من غُروبها إلى حيث لا يسمو له المُتقاصِرُ
[ ٣٣٦ ]
ومن حَذفِ المضاف في هذا الشعر، قوله: أمِنكِ البرقُ والمعنى: أمن ناحيتكِ؟ أمن دِياركِ؟ وكذلك قول الآخر:
لِشمَّاَء بعد شتات النَّوى وقد بِتُّ أخليتُ بَرقًا وليفا
أي أخليتُ لِسُقْعِها أو دارها، وكذلك:
أفعنكِ لا برقٌ كأنّ وميضهُ غابُ تسنَّمه ضِراب مثْقَبُ
وقوله:
أمِنكِ برق أبيت الليل أرقُبُهُ كأنّه في عِراضِ الشامِ مِصباحُ
فقوله: وقد بتُّ في موضعِ حال، وهو متعلِّقٌ بأخيَلْتُ، كأنه قال: أخْيْلتُ البرقَ بائتًا، فقدَّم، وهذا مما يدلُّ على جواز تقديم الحال، مفردةً كانت، أو جملةً.
ولِيفًا: مُتتابعًا.
ومثل قوله:
فبتُّ إخالُه دُهمًا خِلاجا
قول حسَّان، يذكُر سَحابًا:
طَوى أبرَقَ العَزَّافِ يَرعُدُ مَتْنُهُ حنين المتالِى خلفَ ظهرِ المُشايعِ
[ ٣٣٧ ]
أي طوى هذا الغيم هذا المكان، يرعُدُ متنُه: أي يرعد هو، كما أن قوله: (يعسِلُ متنه) يعسِل هو أو مُعظمُه.
وانتصب حنين المتالي، لأن يرعد يدل على يحِنُّ، فكأنه قال: يحن حنين المتالي، وكذلك قول أوس:
كأن فيه عشارًا جِلَّةً شُرُفًا هُدلًا لهامِيمَ قد همَّت بإرشاح
المعنى: كأن في هذا السحاب صوت عِشارٍ، أو أصواتَ عِشارٍ، شُبِّه الرعدُ بأصواتِها، كما شُبِه بها في البيتين الأوَّلين، ومن ذلك قول أبي ذُؤيب:
كأن مصاعيب زُبَّ الرُّؤ سِ في دار صِرمٍ تلاقى مُريحا
تَغَذَّمْنَ في جانبيه الخبي رَ لمَّا وهى خرجُه واستُبيحا
[ ٣٣٨ ]
التقدير: كأن هدير مصاعيب زُبّ الرؤس، في دار صرم، تلاقى الصِّرمُ مريحا، أي إيل مريحٍ، فالتقت المصاعيب وإبل المُريح، فتهادرت، ليكون ذلك أكثر للهدير، وأبلغ في زيادة الصوت وارتفاعه.
وتغذّمن: صفة للمصاعيب، كما كان قولُه: في دار صرم صفة له.
وخبر كأنَّ قوله في جانبيه، التقدير: كأن هدير مصاعيب في دارِ صرمٍ، تغذَّمن،
في جانبي هذا السحاب، وفصل بخبر كأنَّ بين المفعول وفِعلِه، وهو أجنبيٌّ منهما، واستغنى عن جواب لما بما في قوله: في جانبيه التقدير: كأن هديرَ مصاعيبَ في جانبيْ هذا السحاب، لما وهي خرجُه هدرتْ في جانبيْه، وهذا يدل على أنّ السحابَ يرعدُ بعدَ ما مطرَ.
وقيل: معنى وهَي خرجُه أي كأنَّه انخرَق، فخرج منه الماءُ.
والخرجُ: ما خرجَ منْه، من الماء.
واستبيحا: استباحتْه الأرضُ.
ومن هذا الباب قول الشاعر:
وكلُّ سماكيٍّ كأنَّ ربابهُ متالِي مهيبٍ من بنِي السيِّدِ أوردَا
[ ٣٣٩ ]
تقديره: كأنَّ رعدَ ربابِه حنينُ متالي مهيبٍ، نعمُ بني السيِّد - زعموا سودٌ يريد أنَّ الغيمَ أسودُ.
والمهيبُ: الراعِي.
والمتالِي: التي نتجَ بعضها وبقيَ بعضٌ. ومن ذلك قولُه:
وصرَّحَ الموتُ عن غلبٍ كأنَّهمُ جربٌ يدفِّعها السَّاقي منازيحُ
التقدير: صرَّح أسباب الموت، أي القتالُ، عن رجالٍ غلبٍ، صفتُهم كيتَ وكيتَ.
وصرَّحَ: كشفَ. ومثلُ ذلك قوله ﷿: (ولقدْ كنتمْ تمنونَ الموتَ منْ قبلِ أنْ تلقوهُ) أي تمنون أسباب الموت، أي لقاءَها، من قبل أن تلقَوها، وهو القتالُ ومكائدُه (فقدْ رأيتموهُ) أي شاهدتم ما كنتم تمنَّونَه، وحضرتُموه، فقاتلوا الآنَ.
فكذلك صرّح أسبابُ الموتِ، ومعاناةُ القتالِ، عن غلبٍ يحرصون على القتال حرصَ هذه الجربِ البعيدةِ المكانِ من الماء، على الماء. ومن ذلك قول أبي زبيدٍ:
خارجٍ ناجذاهُ قد بردَ المو تُ على مصطلاهُ أيَّ برودِ
[ ٣٤٠ ]
أي ثبت علاماتُ الموت، وما يحدثُه الموتُ على مصطلاهُ، من قوله: بردَ لي عليه
ألفٌ: أي ثبت عليه، ولزمَه.
وقال ساعدةُ:
وحوافِرٌ تقعُ البراحَ كأنَّما ألفَ الزِّماعَ بها سِلامٌ صلَّبُ
تقعُ البراحَ: من قولك: وقعتُ الحديدةَ: إذا طرَّقتها بالميقعةِ، وهي المطرقةُ، يقول: هي تقعُ البراحَ، وهي المستوِي من الأرض، بمثلِ المِيقعَة، والتقدير: كأنَّما ألفَ مواضعَ الزِّماعِ، يألفها، أي يألفُ الحوافرَ سلامٌ، ومثلُ ذلك قولُه:
وصوَّحَ البقلَ نأَّجُ تجيُ به هيفٌ يمانيةٌ في مرِّها نكبُ
أي تجيء بمجيئته هيفٌ، فحذف المصدرَ، لدلالة الفعلِ عليه، وأقام المضافَ إليه مقامَه، وكذلك التقديرُ، في قولِه: ألفَ الزِّماعَ أي مواضعَ الزِّماع.
والزِّماعُ: هناتٌ كالزَّيتون، تكونُ خلفَ الأظلافِ، وليس للفرسِ زماعٌ.
وأنشد أبو زيدٍ، في وصفِ ثور:
مردَّفاتٌٍ على آثارها زمعٌ كأنَّها بالعجاياتِ الثآليلُ
[ ٣٤١ ]
فالمعنى: الموضعُ الذي لو كانت زماعٌ كانت فيه، كما أنَّ قولَ أبي النَّجم، في وصفِ الظَّليم:
يزعزعُ الجؤجؤَ من أنقائهِ
معناه: من موضِع أنقائِه، أي من حيثُ لو كان نقيٌ لكان هناك، وليس للنَّعام مخٌّ، قال:
عيى حتِّ البرايةِ زمخريِّ السَّ واعدِ ظلَّ في شريٍ طوالِ
زمخريٌّ: أجوفُ، وقال:
من الظِّلمانِ جؤجؤهُ هواءُ
ومثلُ تشبيهِ ساعدةِ الحوافرَ بالحجارةِ، قولُ هذليٍّ آخرَ:
كأنَّهما إذا علوَا وجينًا ومقطعَ حرَّةٍ بعثا رجاما
[ ٣٤٢ ]
وقال رؤبةُ:
يرمِي الجلاميدَ بجلمودٍ مدقْ
وأنشد يعقوبُ:
كذاتِ أحزانٍ أراحتْ فقدَا يهيِّجُ الليلُ عليها وجدَا
التقدير: أراحت حزنَ فقدٍ، فيجوز أن يكون الفقدُ فقدَ حميمٍ بالموت، أو بالفراق، ويجوز أن يكون مالٍ، فيريحُ الليلُ عليها حزنَ الفقدِ. والإراحةُ في النَّعمِ، من قوله تعالى: (حين تريحونَ وحين تسرحونَ)، وهي خلافُ السَّرح. أي يريحُ عليه اللَّيلُ مكان المالٍ الحُزنَ، وهذا مثلُ قولِه:
وصدرٍ أراحَ الَّيلُ عازبَ همِّهِ تضاعفَ فيه الحزنُ من كلِّ جانبِ
أي ردَّ عليه الليلُ من الهمِّ ما عزب عنه بالنهار، بتشاغلِه بمحادثةِ الناس ومخالطتهِ لهم.
ويجوز أن يكون الفقد مصدرًا في موضع الحال، فيمن قاس ذلك، والمفعولُ محذوف، كأنه: يريح الحزنُ فاقدةً.
وقال الفرزدقُ:
لعلَّك في حدراَء لمتَ على الذي تخيَّرتِ المعزَى على كلِّ حالبِ
عطيَّةَ أوذِي شملتينِ كأنَّهُ عطيَّةُ زوجٌ للأتانِ وراكبِ
[ ٣٤٣ ]
من حيث كان تنبيهًا للطُّهاة، فإذا كان كذلك، علمتَ أنه مثلُ: (واسألِ القريةَ)، وعلمتَ أيضًا أنَّه لاحجَّةَ فيه لمن أجاز: هذا ضاربٌ زيدًا وعمروٍ، إذِ القديرُ ليس بمعطوفٍ على الصَّفيف، إنّما هو معطوف على الاسم المشارك في بين وإنما حذفَ اسم الفاعلِ، وأقامَ المضافَ إليه مقامَه، لأنَّ بينَ تقتضيه، وفي الكلام دلالةٌ على حذفه، من حيث ذكرنا، ومن ذلك ما أنشد سيبويه:
يا صاحِ يا ذا الضَّامرُ العنسِ
يرفع الضامر على تقدير الوصفِ للاسمِ المبهم، وأنشد غيره بعد هذا البيت:
والرَّحلِ والأقتابِ والحِلسِ
[ ٣٤٦ ]
والقولُ في جرِّ الرَّحلِ أنه على ما دلَّ عليه ما تقدم، لأن قوله: يا ذا الضّامرُ يدلُّ على أنه صاحبُ ضامرٍ، فحمل الرَّحلَ على ما دلَّ عليه هذا الكلامُ من الصَّاحب.
وحكيَ عن بعض النَّحويِّين، أنّه لمَّا قال: يا صاحِ أضمر الصاحبَ، فكأنه قال: يا صاحبَ الرَّحلِ.
والقولُ الأوَّلُ أبينُ، ألا ترى أنَّ كونه صاحبًا للمنادى، لا يدلُّ على أنه صاحبُ رحلٍ، كما يدلُّ قولُه: يا ذا الضَّامرُ العنسِ على أنَّ له عنسًا.
فإن قلتَ: فإنَّ صاحبًا لمَّا جرى ذكره، فقد استويا فيما ذكرتَ، من جريِ الذِّكرِ، واختصَّ يا ذا الضَّامرُ العنسِ بما ذكرنا من الدليل.
فأمَّا من جعلَ ذا في معنى الصاحب، دونَ الاسم المبهم، فإن العنسَ على قوله، عطفٌ على الضامر، كقوله: في قرقرٍ قاعِ، ونحو ذلك ومن ذلك ما أنشده سيبويه:
سرى بعدما غارَ الثُّريَّا وبعدما كأنَّ الثُّريَّا حلَّةَ الغورِ منخلُ
[ ٣٤٧ ]
تقديره عندي: كأنّ الثُّريَّا حلَّةَ الغور فوقَ منخلٍ، فحذفَ المضافَ، والخبرُ منخلٌ، أي دونها منخلٌ.
فأمَّا حلَّة الغورِ على إنشاد سيبويه، فهو ظرفٌ عمل فيه ما في كأنَّ من معنى الفعل، والخبرُ منخلٌ، كما أنَّ حلَّت الغورَ في إنشاد من أنشدَ ذلك من البغداديِّين، في موضع نصبٍ على الحالِ، أو صفةِ منصوبٍ ينتصب على الحالِ، في قول أبي الحسن.
فأمّا تقديرُ حذف المضافِ منه، فلأنَّه وصفها بأنَّها خفيَّةٌ، وخفاؤها لأحدِ شيئين، إمّا لظلمةٍ أو معنىً عارضٍ في الوقت، أو لجدبٍ تغيَّر له الأفقُ، فلا تتبيَّنُ له
النُّجومُ، كقوله:
كعينِ الكلبِ في هبًّى قباعِ
[ ٣٤٨ ]
ومثلُ ذلك:
وليلٍ فيه تحسبُ كلَّ نجمٍ بدا لك من خصاصةِ طيلسانِ
يعني من فرجةٍ، فلا يتبيَّنُ تبيُّنه ولا ساترَ بينهما، ومثل ذلك في المعنى ما أنشده أحمد بن يحيى:
كأنَّ الثُّريَّا منخلٌ فوقَ ظلَّةٍ تراقبها عيني ولستُ بنائمِ
يريدُ: لا يرى منها إلاّ كما يرى ما بعد المنخلِ من ثقبه، فكأنّ بينه وبين السماءِ سترًا، ومثل ذلك في المعنى قولُ الشَّمَّاخ، إلاّ أنه في صفة الفجر، وابتداءِ ظهورِ ضياء الشَّمس:
إلى أن يشقَّ الصُّبح فيه كأنّه قميصٌ بدا من خلِّ ساجٍ مفرَّجِ
وقال ابن مقبل:
أجبتُ بني عيلانَ والخوضُ دونهمْ بأضبطَ جهمِ الوجهِ مختلفِ الشَّجرِ
التقدير: أجبتهم بجوابِ أضبطَ، ألا ترى أنّ الأضبطَ لا يكون جوابًا، وإنما يكون الجوابُ كلامًا، أو ما قام مقامه.
وقوله: مختلفِ الشَّجرِ التقدير: مختلفِ أنيابِ الشَّجرِ، فأضافَ الأنيابَ إلى
[ ٣٤٩ ]
الشَّجر، لمنبتها عليه، فأمّا الشَّجرُ فلا يختلفُ، وإنّما يريدُ الالتواءَ والعصلَ الذي في أنيابِ السَّبُع.
وقال الأسود بن يعفر:
أرضٌ تخيَّرها لطيبِ مقيلها كعبُ بن مامةَ وابنُ أمِّ دؤادِ
كعبُ بن مامةَ: الجوادُ، وابنُ أمِّ دؤادٍ: هو أبو دؤادٍ، الشاعرُ، وهما جميعًا من إيادٍ. واسم أبي دؤادٍ جاريةُ، فالتقدير: ابن أمِّ دؤاد، فحذف الأبَ، ونظيرُ هذا، في حذفِ
المضاف قول الآخر:
عشيَّة فرَّ الحارثيُّون بعدما قضى نحبه في ملتقى القومِ هوبرُ
وقد جاء في الشِّعر أبيات مثل ذلك، في حذف المضاف، مع أنه يؤدِّي حذفه إلى الإلباس، فابن أمِّ دؤادٍ هو أبو دؤادٍ، ومثله في حذف المضاف أيضًا قولُ الأسود:
والبيضُ يرمينَ القلوبَ كأنَّها أدحيُّ بين صريمةٍ وجمادِ
[ ٣٥٠ ]
أي كأنَّها بيضُ أدحيِّ نعامٍ، ألا ترى أنهنَّ يشبَّهن بالبيض، لا بالأداحيِّ، كما قال الرَّاعي:
كأنّ بيض نعامٍ في ملاحفها إذا اجتلاهنَّ قيظٌ حرُّه ومدُ
والمعنى في تشبيههنَّ بالبيض، أنّهنَّ مصوناتٌ لا يبتذلنَ ولا يمتهنَّ.
وقال الأسود:
بمقلِّصٍ عتدٍ جهيرٍ شدُّهُ قيدِ الأوابدِ والرِّهانِ جوادِ
قيد الأوابدِ: يحبسها، والتقدير: قيد الأوابد وأفراسِ الرِّهان، ومعنى قيدِ الرِّهانِ: أنَّه في استيلائه عليهنّ، بسبقه إياهنّ، بمنزلةِ القيدِ لهنَّ، ومثل ذلك في المعنى قولُ الهذلي، في الحمار وآتنه:
كأنّ الطِّمرَّةَ ذاتَ الطِّما حِ منها لضبرته بالعقالِ
[ ٣٥١ ]
وأنشد أبو زيد:
شبَّهتُ قلَّتهم في الآل إذ عسفوا حزمَ الشُّريف تبارى فوقه زمرا
عومَ الصَّراريِّ في غبراَء مظلمةٍ تعلوه طورًا ويعلو فوقها تيرا
قلَّتهم: معناه القلَّةُ التي هم عليها.
والضَّمير في تبارى للإبل.
والمعنى: شبَّهتُ عوم قلَّتهم عومَ سفن الصَّراريِّ، في لجّةٍ غبارء مظلمةٍ من الموج، ألا ترى أنَّ القلَّةَ لا تشبَّه بالعومِ، وإنّما يشبَّهُ عومُ شيءٍ بعوم شيءٍ آخرَ،
وقال:
لمن الظَّعائنُ سيرهنَّ تدافعٌ عومَ السَّفينِ تفيضُ منها الأنفسُ
فهذا المعنى في الشِّعرِ كثيرٌ، وبها يشبَّهُ في الآل، لأنَّها في مرآة العين كذاك، قال:
ترى قورها يغرقنَ في الآلِ مرَّةً وآونةً يخرجنَ من غامرٍ ضحلِ
وقوله: تبارى فوقه زمرا أي تتبارى الإبلُ فوقها، فأضمر الإبلَ، لدلالةِ الحالِ
[ ٣٥٢ ]
عليها، كما قال:
إذا ما المطايا بالنَّجاءِ تبارتِ
وهذا ما حكاه من قولِهم: إذا كان غدًا فائتني.
وقوله: تعلوه طورًا أي تعلو الغبراءُ المظلمةُ، والمعنى: ماءُ اللُّجَّةِ الغبراء، وقال: تعلوه، لأنه جعل المضمرَ سفينًا، كتمرةٍ وتمرٍ.
ويعلو فوقها تيرا: أي يعلو السَّفينُ فوقَ اللُّجَّة تيرًا.
وقال أبو وجزةَ:
كأنَّ زجلةَ صوبٍ صابَ من بردٍ شنَّتشآبيبه من رائحٍ لجبِ
نواضحٌ بين حمَّاوينِ أحصنتا ممنَّعًا كهمامِ الثَّلجِ بالضَّربِ
[ ٣٥٣ ]
يعقوبُ يقال: زجلةٌ من ماءٍ أو بردٍ، كأنَّه يرادُ به القليلُ، فإذا كان كذلك فالمضاف محذوفٌ، تقديره: كأنّ زجلةَ صوبٍ زجلةُ نواضحَ، والنَّواضحُ: الثنايا البيضُ، كأنّها تنضِحُ بالظَّلمِ.
وقوله: بين حمَّاوينِ أحصنتا يمكن أن يعني بهما الشَّفتين، لأنَّهما توصفانِ بالَّلمى، ويجوز أن يعني بهما اللَّثتين، لأنهما أيضًا توصفان بالسَّوادِ، قال:
ومسحتِ باللثتين عصفَ الإثمدِ
وهما أيضًا جميعًا قد أحصنتا ممنَّعًا، والممنَّعُ: الرِّيقُ، أي لا تبذله.
[ ٣٥٤ ]
وهمام الثَّلجِ: ما ينهمُّ منه، أي يسيلُ.
وقال ذو الرُّمَّة:
به عرصاتُ الحيِّ قوَّين حولهُ
المعنى: قوَّبَ ساكنوها بالاحتطاب منها، أو الحفرِ فيها، أو نحو ذلك، ألا ترى أنَّ العرصاتِ لا تقوِّبُ، فلمَّا حذف المضافَ أسند الفعلَ إلى المضافِ إليه، وقال:
بلالُ ابن خيرِ الناسِ إلاّ نبوَّةً إذا نشرتْ بين الجميعِ المآثرُ
المعنى: إلاّ أهلَ نبوَّةٍ، فحذف المضافَ. وأنشد يعقوبُ:
لعلَّك يومًا إن أثرتَ خليَّةً بجذماَء فيها ضربةُ السَّيف تغضبُ
هذا رجلٌ قطعت يده، فأخذ ديتها، والتقدير: بجذماءَ فيها أثر ضربةِ السَّيف، ألا ترى أنّ الضَّربةَ الآن ليست فيها، قال: ويروى:
[ ٣٥٥ ]
بجذمورِ ما أبقى لك السَّيفُ تغضبُ
وأنشد:
فلم أرَ يومًا كان أكثرَ باكيًا وشمسًا أبتْ أطنابها أن تقضَّبا
حكى محمد بن السَّريِّ، عن الأصمعيّ: أنَّ المعنى أنّ اليومَ طالَ على أعدائهم، فإذا كان كذلك فالمضافُ محذوفٌ، كأنه: أكثر دوامَ شمسٍ، وهذا كما يوصفُ اليومُ الشَّديدُ بالطُّولِ، وخلافُه بالقصَر، ومثله في المعنى قولُ ذي الرُّمة:
وراكدِ الشَّمسِ أجَّاجٍ نصبتُ له حواجبَ القومِ بالمهريَّةِ العوجِ
وقال ساعدةُ:
فأزال خالصها بأبيضَ مفرطٍ من ماءِ ألهابٍ بهنَّ التَّألبُ
أي بماءِ غديرٍ أبيضَ.
وقال الأعشى:
ولكنَّ ربِّي كفى غريتي بحمدِ المليكِ فقد بلَّغنْ
[ ٣٥٦ ]
المعنى: كفى شدَّةَ غربتي، أو صعوبتَها، ألا ترى أنه عند الملكِ الممدوح، غريبٌ
عن أرضه وعشيرته، أو يكون أراد أنَّه ببلوغهِ إليه، وكونه في ذراه، كأنَّه قد زالَ غربته بذلك، فصار كمن هو في أهله وعشيرته، كما قال:
كأنني بين أبي وأمِّي
وقال أبو ذؤيب، يذكر خمرا:
فما برحتْ في الناسِ حتى تبيَّنتْ ثقيفًا بزيزاءِ الأشاءِ قِبابها
أتوها بريحٍ حاولته فأصبحتْ تكفَّتُ قد حلَّتْ وساغَ شرابها
ما برحتْ: أي ما برح أهلها، حتى تبيَّنوا ثقيفًا، فالمضافُ في الموضعين محذوفٌ، وكذلك أتوها: أتوا أهلها. فأصبحت تكفَّتُ: أي يكفَّتُ ثمنها، أي يجمعُ ويقبض، من قوله تعالى: (ألم نجعل الأرض كفاتًا).
وحكى محمد بن السّريّ، عن بعض العلماء أنَّ لغة هذيلٍ: الزَّيزاء، بنصب الزاي.
وقيل في قوله:
ويعطيها الأمانَ ربابها
[ ٣٥٧ ]
ربابٌ: عهدٌ، وجمعه: أربَّةٌ، وإذا كان الأربَّةُ جمع ربابٍ، فقول أبي ذؤيبٍ:
كانت أربَّيتهم بهزٌ وغرَّهمُ عقدُ الجوارِ وكانوامعشرًا غدرا
على حذف المضاف، كأنَّه: كان بهزٌ ذوي أربَّتهم.
وقال الفرزدق في الحجَّاج:
سرى بالمهاري من فلسطينَ بعدما دنا اللَّيلُ من شمسِ النَّهارِ فولَّتِ
فما مرَّ ذاك اليومُ حتى أناخها بميسانَ قد حلَّتْ عراها وكلَّتِ
يقول: خرج يومَ الجمعةِ من الشَّام، فلم تعدْ جمعةٌ أخرى حتى صارَ بواسطٍ، فالمعنى: ما مرَّ مثلُ ذلك اليوم، فحذف المضافَ.
وقال الشَّنفري:
فدقَّتْ وجلَّتْ واسبكرَّت وأكملتْ فلو جنَّ إنسانٌ من الحسنِ جنَّتِ
[ ٣٥٨ ]
المعنى: دقَّ خصرها، وجلَّتْ عجيزتها، فحذف المضافَ، وقال آخر:
يجوبُ بنا الفلاةَ إلى سعيدٍ إذا ما الشَّاةُ في الأرطاةِ قالا
أرادَ: في ظلِّ الأرطاةِ، وقال: قالا، وقد تقدَّم ذكرُ الشاةِ، لأنه ذهب إلى الثَّور.
وأنشد أبو زيدٍ:
كأنَّ محالةً ثقبتْ حديثًا لنابيهِ علىَّ من الصَّريفِ
المعنى: كأنَّ صوتَ محالةٍ، ولنابيه الخبرُ، أي كأنَّ لنابيه صوتَ محالةٍ، شبَّه صريفه بصوتِ البكرة.
فأمَّا حديثًا فيجوز أن يكون ظرفًا، ويجوز أن يكونَ وصفًا للمحالة، ولم تدخله الهاءُ، كما لم تدخلْ في جديدٍ من قولهم: ملحفةٌ جديدٌ، وريحٌ خريقٌ.
[ ٣٥٩ ]
وعليَّ تبيينٌ، كقوله:
كان جزائي بالعصا أن أجلدا
ونحوِ ذلك، ممَّا معناه التَّعلُّقُ بالمصدر، ولفظُه على غير ذلك.
وقال الفرزدقُ:
فبتُّ بديري أريحاَء بليلةٍ خداريَّةٍ يزدادُ طولًا تمامها
أكابدُ فيها نفسَ أقربِ من مشى أبوه لنفسي ماتَ عنِّي نيامها
التقدير: أكابدُ فيها همَّ نفس أقربِ من مشى، ألا ترى أنَّه يكابدُ همَّ النَّفس، لا ذات النَّفس ويدلُّك على أنّ المعنى على هذا، ما تقدَّم في البيت الأوَّل، وما في الثاني من قولِه: مات عنِّي نيامها والنِّيامُ: مصدرٌ، كالقيام، والغِيار.
ومعنى: ماتَ عنّي نيامها: أنّه سهر فيها، فجعل سهره موتًا للنَّوم.
فأمَّا معنى أقربِ من مشى أبوه لنفسي: فلا يخلو من أن يريدَ نفسه بذلك، أو قريبًا له، هو غيرُه، فلا يجوز القسم الثاني، لأنه هو لا يكابدُ همَّ نفسِ غيره، فثبت أنه يعني بذلك نفسه.
ومعنى لنفسي: أي أقربُ من مشى أبوه إلى نفسي، كما قال: (أوحى لها)، وفي أخرى: (وأوحى ربُّك إلى النَّحل)، فكذلك قوله: لنفسي تقديره: إلى نفسي: وقال ابن مقبل:
في ليلةٍ من ليالي الدهرِ صالحةٍ لو كان بعدُ انصرافُ الدَّهرِ مأمونا
[ ٣٦٠ ]
المعنى: انصرافُ حوادثِ الدَّهرِ، فحذفَ المضافَ، كما قال:
تنبو الحوادثُ عنه وهو ملمومُ
وكذلك قوله:
وليلةٍ مثلِ لونِ الفيلِ غيَّرها طسمُ الكواكبِ والبيدُ الدَّياميمُ
والمعنى: وظلمُ البيدِ، كما أنَّ انصراف الدَّهرِ انصرافُ حوادثهِ، لأنَّ البيدَ لا تغيِّرُ اللَّيلةَ.
قال النَّمرُ:
فلئن عقدتَ عليَّ ألفَ تميمةٍ ونذرتَ نذرًا دائمًا ودوارا
تقديره: ونذرتَ نسكَ دوارٍ، أو عبادةَ دوارٍ، لأنَّ دوارًا أظنُّه صنمًا كان يتقرَّبون بعبادته، أو عيدًا.
[ ٣٦١ ]
وقال الأسودُ بن يعفر:
صدَّتْ وقالتْ أرى شيبًا تفرَّعهُ إنَّ الشَّباب الذي يعلو الجراثيما
المعنى إنَّ ذا الشَّبابِ الذي يعلو، والشَّبابُ مصدرٌ، فيجوز أن يرادَ به الواحدُ، والجميعُ، قال:
جاريةٌ شبَّت شبابًا عجبا تشربُ محضًا وتعشَّى رطبا
وقد أريدَ به الجميعُ، في نحو قولهِ:
وشبابٍ حسنٍ أوجههمْ من إيادِ بن نزارِ بن معدْ
وقيل في يعلو الجراثيمَ: إنَّه الذي يرتقي إلى معالي الأمور.
وقال ذو الرُّمَّة:
فانصاعتِ الحقبُ لم تقصعْ صرائرَها وقد نشحنَ فلا ريٌّ ولا هيمُ
[ ٣٦٢ ]
التقدير: فلا ذاتُ ريٍّ، ألا ترى أنه عطفَ عليه بقوله: ولا هيمُ، وهو جمعُ أفعلَ، فينبغي أن يكون المعطوفُ عليه مثله.
فإن قلتَ: إنَّ باب ريَّان في المعنى، كباب أفعلَ فلم لا يكون توهَّم أفعلَ فجمعه على فُعْلٍ، مثل أبيضَ وبيضٍ؟ فلا يكون ريّ مصدرًا.
فإنّ ذلك لا يستقيم، ألا ترى أنه لو كان كذلك، لجاز فيه: فِعلٌ، وفُعلٌ، مثلُ لِيٍّ ولُيٍّ.
أنشد أبو زيد:
فأقسمتُ لا أحلُّ إلاّ بصهوةٍ حرامٌ عليَّ رملهُ وشقائقهْ
المعنى: حرامٌ عليَّ حلولُ رملِه.
وقال أوس:
فلم يكبئنُّوا مذ أتيتُ وأشرقتْ إليَّ وجوهٌ كالشُّنوفِ تهلَّلُ
[ ٣٦٣ ]
التقدير: كدرِّ الشُّنوفِ، وكذلك قوله:
ولستُ بخابئٍ لغدٍ طعامًا حذارَ غدٍ لكلّ غدٍ طعامُ
التقدير: حذارِ حاجة ِ غدٍ، أو جوعِ غدٍ، فحذف، وجعل غدًا اسمًا، بدلالةِ الإضافة إليه، وكذلك قوله:
وشبِّهَ الهيدبُ العبامُ من الأقوامِ سقبًا مجلَّلًا فرعا
أي مجلَّلًا جلدَ فرعٍ.
وقال أنيفُ بن جبلةَ:
أمَّا إذا استقبلته فكأنَّه في العينِ جذعٌ من أوالَ مشذَّبُ
أي كأنّه في مرآة العين، فحذفَ المضافَ، والذي يتعلَّقُ به الظَّرفُ ما في كأّنه من
معنى الفعل، وتعلُّقُ الظَّرفِ به كانتصاب الحالِ عنه، في البيت الذي يليه، وهو:
وإذا اعترضتَ به استوتْ أقطارُهُ وكأنَّه مستدبِرًا متصوِّبُ
ومثل البيت الأول، في حذف المضافِ، قوله:
[ ٣٦٤ ]
وبعينيكَ أوقدتْ هندٌ النارَ أخيرًا تلوى بها العلياءُ
أي بمرآهما العلياءُ، وقوله: (فأتوا على أعين النَّاس)، أي على مرآةِ أعينهم.
وقال النابغةُ:
تطير فضاضًا بينها كلَّ قونسٍ وتتبعهُ منها فراشَ الحواجبِ
أي تطيرُ هذه السِّيوفُ بينها، كلَّ قونسٍ، من شدَّةِ نفاذها ومضائها، فيما يضربُ بها، وتتبعُ كلَّ قونسٍ منها، أي من إطارتها، أو تطييرها، فراشَ الحواجبِ، فحذفَ المضافَ، الذي هو التَّطييرُ، كأنَّها إذا أطارت كلَّ قونسٍ، بلغتْ إلى فراسِ الحواجبِ، فتتبعها في الإطارة، فالضميرُ في منها يجعلها للسُّيوف، ويكون تقديرُ إضافةِ المصدرِ إلى الفاعلِ، لا إلى المفعولِ، لأنَّ المفعولَ مذكَّرٌ، وهو قوله: كلَّ قونسٍ.
وقال:
قالتْ أراكَ أخا رحلٍ وراحلةٍ تغشى متالفَ لا ينظرنكَ الهرما
التقدير: لا ينظرنك إلى وقت الهرمِ، فحذف الوقت مثل: مقدمِ الحاجِّ،
[ ٣٦٥ ]
ويقال: أنظرتُ زيدًا إلى وقتِ كذا، وفي التنزيل: (أنظرني إلى يومِ يبعثونَ)، فلمَّا حذف الحرفَ أوصلَ الفعلَ إلى المفعولِ الثاني.
وقال كثيِّر:
إذا ما أرادت خلَّةٌ كي تزيلها أبينا وقلنا الحاجبيَّةُ أوَّلُ
تقديره: إذا ما أرادت ذاتُ خلَّةٍ، كي تزيلَ خلَّتها، أي مودّتها، ألا ترى أنّها هي لا تزالُ.
وقوله: الحاجبيةُ أوَّلُ أي ودُّ الحاجبيَّةِ الأوَّلُ، أي هي أولى بأن تودَّ، لسبقِ مودَّتها، فحمل الكلامَ على المضافِ المحذوف، فلذلك قال: أوَّلُ، وإن شئتَ قلتَ: أرادَ ودَّ الحاجبيَّةِ أوَّل من ودِّ غيرها، فحذفَ، كما حذفَ في قوله: (فإنَّه يعلم السِّرَّ وأخفى) أي أخفى من السِّرِّ، وكذلك قولهم: عامٌ أوَّلُ.
قال أوس:
على ضالةٍ فرعٍ كأنّ نذيرها إذا لم تخفِّضه عن الوحشِ عازفُ
[ ٣٦٦ ]
أي على قوسِ ضالةٍ، وإذا لم تخفَّض عن استماع الوحش.
وقال:
وصفراَء من نبعٍ كأنَّ نذيرها إذا لم تخفضْه عن الوحشِ أفكلُ
تقول: خفضتُ الصَّوتَ، كما تقول: رفعتُ الصَّوتَ.
ومن حذفِ المضافِ قوله:
والمالُ يزري بأقوامٍ ذوي حسبٍ وقد يسوِّدُ غيرَ السَّيِّد المالُ
أي فقدُ المالِ، وقال:
وإنّي لأستحيي وفي الحقِّ مستحىً إذا جاء باغي العرفِ أن أتعذَّرا
أي في ترك الحقِّ، وقال:
وأهلكَ مهرَ أبيكَ الدَّوا ءُ ليس له في طعامٍ نصيبْ
[ ٣٦٧ ]
أي فقدُ الدَّواء. وأمّا قوله:
وا للحاضرِ البادي إبابتهُ وقوَّضتْ نيَّةٌ أطنابَ تخييمِ
فالتقدير: وأبَّ لمحضرِ الحاضرِ، أو مستقرِّ الحاضرِ، أو يكون وضع اسم الفاعل موضع المصدر، كقوله:
ولا خارجًا من فيَّ زورُ كلامِ
[ ٣٦٨ ]
أو جعلَ الحاضرَ مصدرًا، كالفالج، والباطل.
ومثلُ قوله: والمالُ يزري بأقوامٍ أي فقده، في المعنى:
ربَّ حلمٍ أضاعهُ عدمُ الما لٍ وجهلٍ غطَّى عليه النَّعيمُ
وحكى أحمد بن يحيى: وجدانُ الرِّقين يغطِّي أفنَ الأفين.
وقال العجَّاج يذكر جملا:
كأنَّما يجلبُ أن يورَّعا
تقديره: كأنما يجلبُ التَّوريع، فجعله مثلَ مقدم الحاجِّ، وذلك أنه رأى المصدرَ، نحو خفوقَ النَّجمِ، وخلافةَ فلان ونحوه، يجعلنَ ظروفًا، وأنْ مع الصِّلةِ بمنزلتها، فجعلها مثلَها، والمعنى: كأنَّما يجلبُ إذا ورِّع، أي كأنّه إذا منع من الجري يحملُ عليه، وذلك من القوَّةِ على السَّير، ويقال: جلب على الفرس: إذا صاح به من خلفه، ومن ذلك قول الراجز:
جرجر في حنجرةٍ كالحبِّ وهامةٍ كالمرجلِ المنكبِّ
[ ٣٦٩ ]
تقديره: كأسفلِ المرجلِ المنكبِّ، ألا ترى أنَّ الهامةَ ليست كالمرجلِ، وإنَّما تشبَّه الهامةُ لكبرها، بأسفلِ المرجل، الذي هو أعرضُ من أعلاه، فإنَّما جملةُ الرأسِ كجملة المرجل، في بسطِ الأسفل، وقبضِ الأعلى وتضامِّه، فأمَّا نفسُ الهامة فبمنزلةِ أسفل المرجل، ومثل هذا قول الآخرِ:
ورأسٍ كقبرِ المرءِ من آلِ تبَّعٍ غلاظٍ أعاليهِ دقاقٍ أسافله
وقال لبيدٌ:
حتى إذا سلختْ جمادى ستَّةً جزءًا فطالَ صيامهُ وصيامها
انتصب ستَّةً على الحال، والتقدير: جمادى تتمَّةَ ستَّةِ أشهرٍ، أو تكملةَ ستَّةِ أشهرٍ، وهذا في الجزء بالرُّطبِ عن الماء، قالوا: والجزءُ لا يكون إلاّ في شهرين، كقول أبي ذؤيب:
به أبلتْ شهري ربيعٍ كليهما فقد مارَ فيها نسؤها واقترارها
[ ٣٧٠ ]
قال بعض شيوخنا: ومن ذهب إلى أنّ الجزءَ يكون ستَّةَ أشهر، فقد أخطأ، وأنشد غيره لحميدٍ:
رعينَ المرارَ الجونَ من كلِّ باطنٍ دميثٍ جمادى كلُّها والمحرَّما
فهذان شهران، كما قال أبو ذؤيب.
وقال الحارثُ بن حلِّزةَ:
زعموا أنَّ كلَّ من ضرب العي رَ موالٍ لنا أنَّا الولاءُ
أي أهل الولاءِ، فحذف المضافَ.
قال أحد شيوخنا: كلُّ ناتئٍ فهو عيرٌ، حتى قيل للوتد: عيرٌ، قال: وعليه فسِّر هذا البيت، أي من ضرب وتدِ الخباء، فهو موالٍ لنا. وقيل: من ضرب العيرَ: أي من ضرب يديه، إحداهما على الأخرى، أي كلُّ النَّاس. وقيل: من ضرب العيرَ: عيرَ القدم، أي كلُّ من مشى. وقيل: من ضرب العيرَ: أي من قتل كليبًا، وسمَّى عيرًا، لأنه كان رئيسًا، فشبَّهه بعيرِ العانةِ، لأنه رئيسها، ويتصرَّفُ بأمرها، كما قال:
[ ٣٧١ ]
وهنَّ وقوفٌ ينتظرنَ قضاءهُ بضاحي عذاةٍ أمرهُ وهو ضامزُ
وأنشد أبو عبيدة:
يكادُ دفَّاه ومنكباهما يموِّتُ الخِربانَ من وحاهما
وهذا على حذف المضاف، تقديره: يكادُ ذو دفَّيه، وذو دفَّيه هو، فكأنه قال: يكاد هو يفعلُ كذا.
وأنشد أبو عبيدة أيضًا:
ديارُ سليمى عافياتٌ رسومها بلينَ بلىً لم تبلهنَّ رسومُ
قال: وجهُ الكلامِ: بلينَ بلىً لم يبلهُ رسومٌ، ولكنه احتاج.
وأنشد غيره:
وخيماتكِ اللّتي ببطنِ محسِّرٍ بلينّ بلنً لم تبلهنَّ ربوعُ
[ ٣٧٢ ]
والقول في ذلك: أنه على حذف المضاف، كأنه: بلينَ بلىً، لم يبلِ بلاهنَّ، أي لم يبلَ بلىً مثلَ بلاهنَّ، فحذف المضافَ، ويكون قوله: وخيماتكِ على: ومواضع خيماتك.
وأنشد عن الأصمعيِّ
أولى فأولى يا امرَء القيسِ بعدما خصفنَ بآثارِ المطيِّ الحوافرَا
تقديره على ترك الاتِّساع: بآثارِ أخفافِ المطيِّ آثارَ الحوافِر، والباءُ على هذا زائدةٌ فحذف الباءَ، ووصل الفعلُ، يدلُّك على ذلك قولُ الآخر:
لا يخصفون لهم نعلا
وأنشد أبو عبيدة:
مرَّت بنا في نِسوةٍ خولةٌ والمسكُ من أردانها فائحةْ
التقدير: ورائحةُ المسكِ، فحذف المضافَ، وحمل الكلامَ عليه، كما حمل أوسٌ
[ ٣٧٣ ]
عليه، في قوله:
وآثارُ نسعيها من الدَّفِّ أبلقُ
حمل أبلق على موضعِ المحذوف.
وأنشد أبو زيد:
أقسمتُ أشكيكِ من أينٍ ومن نصبِ حتى ترى معشرًا بالعمِّ أزوالا
أي حتى ترى معشرًا برؤية العمِّ، كقوله:
تجيء به هيفٌ يمانيةٌ
أي تجيء بمجيئه هيفٌ، وكذلك قوله بعدُ:
فلا محالةَ أن تلقى بهم
أي تلقى بلقائهم رجلًا من شأنِه.
[ ٣٧٤ ]
وقد يجوز في قوله: حتى ترى معشرًا بالعمِّ، أي حتى ترى العمَّ، كقوله:
جازتِ القومَ إلى أرحلنا آخر اللَّيلِ بيعفورٍ خدرْ
وكقوله:
بنزوةِ لصٍّ بعدما مرَّ مصعبٌ بأشعث لا يفلى ولا هو يقملُ
[ ٣٧٥ ]
وقولِه:
إذا ورِّعتْ أن تركبَ الحوضَ كسَّرتْ بأركانِ هضبٍ كلَّ رطبٍ وذابلِ
فأركانُ هضبٍ هيَ هيَ، وهذا النَّحوُ كثيرٌ.
ولا يجوز في قوله:
فلا محالةَ أن تلقى بهم رجلًا
إلاّ على ما ذكرناه، من أنّك تلقى بلقائهم رجلًا، لأنّ المجرورَ بالباء جميعٌ، ورجلٌ مفرد، والمعشر والعمُّ، كلُّ واحدٍ منهما جماعةٌ.
وأنشد محمد بن السَّريّ:
ومهمهٍ طامسِ الأعلامِ في صخبِ الأصداءِ مختلطٍ بالتُّربِ ديجوجِ
الأصمعيُّ: في ليلٍ صخبِ الأصداء: أي كثيرِ صوتِ الصَّدى.
[ ٣٧٦ ]
قال أبو عليّ: تقديره: طمستْ أعلامه في صخب الأصداء، والمعنى: في ظلمةِ صخبِ الأصداء، أي في ظلمةِ ليلٍ صخبِ الأصداء، فأقام المضافَ إليه مقامَ المضاف، والصَّفةَ مقام الموصوف، ومثل ذلك في المعنى قولُ الآخر:
ألا طرقتْ ليلى بنيَّنَ بعدما طلى اللَّيلُ بيدًا فاستوتْ وإكاما
أي غشيته الظُّلمةُ، فصارَ البيدُ والإكامُ سواءً، في مرآة العين، فكذلك طمستْ أعلامُ هذا المهمه، للظُّلمة.
وقوله: مختلطٍ بالتُّرب تقديره: مختلطةٌ ظلمتهُ بالتُّرب، فحذف المضافَ، الذي هو الظُّلمة، واقام المضافَ إليه مقامَ المضاف، فصار في اسم الفاعلِ ضميرُ صخب الأصداء الذي هو صفةُ ليلٍ المحذوف، ومثل ذلك في المعنى قوله:
ودوِّيَّةٍ مثلِ السّماءِ اعتسفتُها وقد صبغَ الليلُ الحصى بسوادِ
ألا ترى أنّ صبغه للحصى، إنما هو ما غشيه من ظلمته.
[ ٣٧٧ ]
وقال أبو ذؤيبٍ، يشبِّه الظَّبيَ بالودع:
كأنَّ الظِّباَء كشوحُ النِّسا ءِ يطفونّ فوقَ ذراه جنوحا
فوق ذراه: أي فوق ذرى هذا السَّيل، وذراه: أعليه، قالوا: والكشوح: أمثالُ الوشحِ تعملُ من ودعٍ، فإذا كان كذلك، فالتقدير: كأنّ الظِّباء ودعُ كشوحِ النِّساء، فحذف المضاف.
أنشدوا:
ويومٍ من الشِّعرى تظلُّ ظباؤهُ بسوقِ العضاهِ عوَّذًا ما تبرَّحُ
أي: ويومٍ تظلُّ ظباءه من حرِّ الشِّعرى، أي من حرِّ طلوعه بسوقِ العضاه، أي بظلِّ سوقِ العضاه.
وقال الرَّاعي:
رعينَ قرارَ المزنِ حيثُ تجاوبتْ مذاكٍ وأبكارٌ من المزنِ دلَّحُ
التقدير: حيث تجاوبّ رعدُ مذاكٍ وأبكارٍ، والمذاكي: المسانُّ، وهي التي قد مطرتْ مرَّةً بعد مرَّةٍ، والأبكارُ: التي مطرتْ مرَّةً واحدةً.
[ ٣٧٨ ]
أنشد يعقوبُ:
ولا يحلُّ إذا ما حلَّ معتنزًا يخشى الرَّزيَّةَ بين الماءِ والبادي
إن أراد بالبادي، الفاعل، نحو الذي في قوله ﷿: (سواءٌ العاكفُ فيه والبادي)، فالمضافُ من الأول محذوفٌ، تقديره: بين أهلِ الماءِ والبادي، وإن أرادَ بالبادي، الباديةَ، فحذف التاءَ للقافية، كان الكلامُ على ظاهره.
-
[ ٣٧٩ ]
باب من