قال ذو الرمة:
شختُ الجزارةَ مثلُ البيت سائرهُ من المسوحِ خدبٌّ شوقبٌ خشبُ
القول في ارتفاع (سائره): أنه يكون على ضربين، أحدهما: أن يكون يرتفع بمثل، لأنه يجوز أن يعمل عمل الفعل، كما تقول: قائم الزيدان، فترفعهما بقائم، وإن لم تعتمد به على شيء، وهذا في مثل هذا البيت أحسن، لأنه قد جرى على موصوف، فإذا كان كذلك رفعته به، ويكون (من المسوح) متعلقًا بما في (مثل) من معنى الفعل، ولم تفصل بأجنبي، ألا ترى أن الفاعل لا يكون أجنبيًا مما يرتفع
به.
والوجه الآخر: أن يرتفع (سائره) بالابتداء، كأنه: شخت الجزارة سائره مثل البيت من المسوح، فقدم خبر المبتدأ، فإذا حمله على ذلك احتمل قوله: (من المسوح) أمرين، أحدهما: أن يكون صفة لمثل، لأنه نكرة، وإن أضفته إلى المعرفة.
والآخر: أن يكون حالًا من المضاف إليه، الذي هو (البيت) وفي كلا الوجهين يقع الفصل بالمبتدأ الذي لا يلابس الحال، ولا الوصف، وأما قوله:
فخيرٌ نحن عند الناسِ منكمْ إذا الداعي المثوبُ قال يالا
[ ٢٨٦ ]
فيحتمل تأويلين غير ما عليه الظاهر، الذي ذهب إليه أبو الحسن، وهو أن يكون (نحن) يرتفع بخير، كما جاز أن يرتفع (سائره) بمثل في بيت ذي الرمة، على قول من قال: قائم أخواك، وأبو الحسن قد أجاز ذلك.
ويجتمل وجهًا آخر، وهو أن تضمر المبتدأ، ويكون المبتدأ (نحن)، و(خير) خبر المبتدأ، و(نحن) الظاهر تأكيدًا للضمير الذي في (خير)، على المعنى، وكان ينبغي أن يكون على اللفظ الغيبة، فلم يأت به على لفظ الغيبة ولكن جاء به على الأصل، وعلى ما يجيء في نحو: نحن فعلنا.
ويدلك على أنه ينبغي أن يجيء على لفظ الغيبة، أن أبا عثمان قال في الأخبار عن الضمير الذي في منطلق، من قوله: أنت منطلق: إن أخبرت عن الضمير الذي في منطلق، من قوله: أنت منطلق، لم يجز لأنك تجعل مكانه ضميرًا يرجع إلى الذي، ولا يرجع إلى المخاطب، فيصير المخاطب مبتدأ، ليس في خبره ما يرجع إليه، فهذا من قوله يدل على أن الضمير، وإن كان للمخاطب، في أنت منطلقٌ، فهو على لفظ الغيبة، ولولا ذلك لم يصلح أن يرجع إلى الذي، على أن هذا في كلامهم مثل: أنتم تذهبون، واسم الفاعل أشبه بالمضارع منه بالماضي، فلذلك جعله مثله، ولم يجعل مثل الماضي في: أنتم فعلتم.
[ ٢٨٧ ]
فإذا جاز ذلك فيما ذكرناه، لم يكن فيما حمل أبو الحسن عليه البيت، من الظاهر، دلالة على إجازة نحو: الخليفة أحب إليه يحيى من جعفر حتى تقول: الخليفة، يحيى أحب إليه من جعفر، أو: أحب إليه من جعفر يحيى، على ما أجازه سيبويه في: ما رأيت رجلًا أحسن في عينيه الكحل منه في عين زيد، ونحو ذلك، فلا تفصل، بينهما بما هو أجنبي منهما.
وقال لبيد:
بسرتُ نداهُ لم تسربْ وحوشه بغربٍ كجذع الهاجريّ المشذّبِ
قوله: (كجذع الهاجري) خبر مبتدأ محذوف، تقدير بغرب عنقه كجذع الهاجري، يدلك على ذلك أنهم يشبهون العنق بالجذع، لا الفرس نفسه، ألا ترى قول لبيد:
ومقطّعٍ حلق الرحالةِ سابحٍ بادٍ نواجذه على الأظرابِ
الأظراب: جمع ظرب، وهو الجبل الصغير.
[ ٢٨٨ ]
وقول أبي داؤد:
وهادٍ تقدم لا عيب في هـ كالجذع شذب عنه الكرب
وقول امرئ القيس:
ومستفلك الذفرى كأن عنانه ومثناته في رأس جذرع مشذب
وقول الفرذدق:
بجذوع خيبر أو جذوع أوال
فإن قلت: فلم لا تقدر حذف المضاف، كأنه أراد: بعنق غربٍ [أو هادي غربٍ]؟
[ ٢٨٩ ]
فإن الذي ذكرنا أشبه، ألا ترى أنه لم يتبسر بالعنق دون الجملة، ونحو هذا أيضًا لا يضيق ألا ترى أنه قد جاء:
قطعتهما بيدى عوهجٍ
وهو لم يقطعها بيديها دون سائرها.
قال أبو العباس الأحول، فيما حكاه عنه محمد بن السرى: نده: أي ندى الغيث.
والبسر: إعجالك الشيء قبل إناه.
والغرب: الفرس الحديد الذكي.
قال: والهاجري، رجلٌ نسبه إلى هجر.
وقال طفيل:
كأن عراقيب لطا أطرٌ لها حديث، واحيها بوقع وصلب
قوله: (لها) وصف للنكرة، التي هي الأطر، أي لهذه السهام، مثل قوله تعالى: (وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ).
وحديثٌ: وصف الأطر، ووصفها بأنها حديث، لأنه أراد أنها لم تقدم فتتغير.
ونواحيها: رفع بالابتداء.
وقوله: (بوقع) متعلق بالمحذوف.
[ ٢٩٠ ]
قالوا: شبه الأطر بعراقيب القطا.
والأطرة: العقبة التي تشد على مجمع الفوقين لئلا ينفتق.
والوقع: من قولك: قع سهمك، أي اضربه بالميقعة، وهي المطرقة، والتقدير: بوقع مسن وصلب، فحذف.
قال بعض هذيل:
فرموا بنقعٍ يستقلُّ عصائبًا في الجوِّ منه ساطعٌ ومكتب
قوله (في الجو) يجوز أن يتعلق بيستقل، على ضربين أحدهما: أنة يكون ظرفًا له، والآخر: أن يكون حالًا من الضمير الذي في (يستقل) ويتعلق بمحذوف.
ويجوز أن يون صفة للعصائب، وذلك عندي أوجه.
وقوله: (ساطعٌ) في (منه ساطع) يرتفع بالظرق، ودون الابتداء، لأنه صفة لنقعٍ المنكور.
ويجوز أن يكون (في الجو) متعلقًا بمنه، الذي هو رافهٌ لقوله: (ساطعٌ) لأن الظرف يعمل فيه المعنى، وإن تقدم علسيه، ولا تحتاج إلى إضمار (منه)، لأنهما صفتان سجتمعان ولا يتنافيان، وكما لم تحتاج إلى ذلك قوله:
لنا راعيًا سوء مضيعان منهما أبو جعدة العادي وعرفاء جيألُ
[ ٢٩١ ]
لأن المراد بهما الظلم والشره فقد يصح اجتماعهما، فإن أراد أن الوصفين، لموصوفين لا لواحد، احتاج إلى الضمير.
ومثل ذلك في ارتفاع الاسم فيه بالظرف، دون الابتداء ما أنشده أحمد بن يحيى، للمرار بن سعيد:
إا كل عنها الليل باتت كأنها من الكدر عجلى بالفلاة ربيبها
الربيب: يرتفع بالظرف، لأنه قد جرى على النكرة.
فأما قوله: (من الكدر) فإنه حال، إما من (كأن) وإما العموم أن يكون أراد أن يجعله وصفًا للنكرة فلما تقدم نصب على الحال، وفي كلتا الحالتين، العامل فيهما (كأن) لأن معنى الفعل لا يعمل فيما تقدم عليه من الحال.
قال أحمد بن يحيى: شبه سرعة بسرعة طيران القطاة، ومثل ذلك قول ساعدة، وذكر رجلًا مزج عسلًا بماء:
فأزال خالصها بأبيضَ مفرطٍ من ماء ألهابٍ بهنّ التأالبُ
والتألب: ومرتفع بالظرف، لأنه صفة للنكرة، ومثل ذلك في ارتفاعه بالظرف قول الآخر.
إذا هي خرّت خرَّ من عن شمالها شعيبٌ به إجمامها ولغوبها
[ ٢٩٢ ]
[شعيب: رحلٌ]
عبد الله بن عبد الأعلى الشيباني أنشده أحمد بن يحيى:
يا ليت ذا خبرٍ يخبرنا بل ليت شعري ماذا بعدنا فعلوا
كانوا وكنا فما نذرى على وهمٍ أنحن فيما لبثنا أم هم عجلوا
لابد من إضمار خبرٍ لنحن، إذا رفعته بالابتداء، وذلك أن قوله: (فيما لبثنا) إنما هو: (في لبثنا) ومعنى (في لبثنا) في زمان لبثنا، مثل مقدم الحاج، ولا يكون اسم الزمان خبرًا عن العين، فتضمر له خبرًا خلاف خبر المبتدأ الثاني، كأنه: أنحن فيما لبثنا أبطأنا أم هم عجلوا؟
وأنشد أحمد بن يحيى:
ولقد أناخ ببيت عروة ربه فبذم عروة من مناخ ركابِ
ينبغي أن يكون المبتدأ محذوفًا، كأنه، بذم عروة إثارتي، لأن الإثارة خلاف الإناخة، وقد ذكر ما يدل على الإناخة، وهذا شبيه بقوله ﷿: (سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرّ). ولم يقل: البرد، لأن الحر قد دل عليه.
[ ٢٩٣ ]
أنشد أحمد بن يحيى:
يا رب موسى أظلمى وأظلمه فاصبب عليه ملكًا لا يرحمه
معناه: أظلمنا، كقولهم: (أخزى الله الكاذب مني ومنه) أي منا، وقوله:
فأيي ما وأيك كان شرًا فقيد إلى المقامة لا يراها
أي أينا، فالمعنى: أظلمنا فاصبب عليه، وهذا يدل على جواز ارتفاع زيد بالابتداء، في نحو: (زيدًا اضربه) إن جعلت الفا زائدة، على ما يراه أبو الحسن.
فإن قلت: أضمر المبتدأ، كما أضمرت في قولك:
خولان فانكح فتاتهمْ
[ ٢٩٤ ]
فإن ذلك لا يسهل، لأنه المتكلم فكما لا يتجه (هذا أنا) على [إرادة] إشارة المتكلم إلى نفسه، من غير أن تنزله، منزلة الغائب، كذلك لا يحسن إضمار (هذا) هنا.
فإن قلت: إن (أظلمنا) على لفظ الغيبة، فليس مثل (هذا أنا) فإنه، وإن كان كذلك، فالمراد به بعض المتكلمين، ولا يمنع ذلك، ألا ترى أنهم قالوا: يا تميم كلهم،
فحملوه على الغيبة، لما كان اللفظ له، وإن كان المراد به المخاطب، وإن جعلت المضمر (في عملك) كأنك قلت: أظلمنا في علمك، كان مستقيمًا.
قال الكميت:
إنِّي بعيد محقدي من مودَّتي وبعدُ المدى لمحفظاتِ غضوبُ
أي بعيد محقدي من مودتي، أي إذا وددت لم أحقد، ولكني أغضى للمودة عمَّا يوجب الحقد، فيكون الكلام على ظاهره.
ويجوز أن يكون المعنى: إني بعيد محقدي من أهل مودتي.
وقوله:
وبعد المدى للمحفظات غضوب.
تقديره: ذو بعد المدى للمحفظات، أي من بعد مداه عما يحفظ، فلم يغضبه كل شيء، فهو غضوب، لأنه لا يغض إلا لأمر شديد، يوجب الغضب.
[ ٢٩٥ ]
فغضوبٌ خبر المبتدأ الذي هو (بعد المدى) والمعنى: لذي بعد المدى.
فأما اللام في قوله: (لمحفظت) فمتعلق بالمصدر، الذي هو البعد، أي من بعد ن المحفظات، فلم يغضب في كل حال، غضوبٌ، أي شديد الغضب.
وليس بالسهل أن تعلق (للمحفظات) بغضوب، كأنه: وبعد المدى غضوب للمحفظات، لأنه لا يعلم ذو بعد المدى مما ذا، إلا أن تقول: يريد بعد المدى لما يوجب الغضب، فلم يذكر ذلك، لأن ما بعد يدل عليه.
وقال جرير:
كأن سليطًا في جواشنها الحصى إذا حلَّ بين الأملحين وقيرها
إذا قيل ركبٌ فقبَّحت ركابًا وركبانًا لئيمًا بشيرها
المبتدأ محذوفٌ، كأنه: إذا قيل هؤلاء ركبٌ.
وقال: (قبحت) فأنث، وفي الفعل ضمير الركب، والركب جماعة، وركابًا
وركبانًا: هم الركب في المعنى، ألا ترى أن الركب يشتمل على الركبان والرواحل.
[ ٢٩٦ ]
ولئيمًا بشيرها: جارٍ على ما قبله، صفةً، أو حالًا من الضمير، لن الذكر قد عاد مما ارتفع به إليهم، وإن شئت جعلت (لئيمًا) حالًا من قوله: (ركبانًا) ويكون الذكر في (بشيرها) عائدًا إلى الركبان فقط، لا إلى الراكب، الذي هو جماعة في المعنى، ولا إلى الركاب، والركبان المشتملين على الركب، ألا ترى أنك إذا أعدت الذكر على الركبان، فقد أعدته، على الركب، وأن الركبان الركب في المعنى.
وقال زهيرٌ:
جونية كحصاة الرَّمل مرتعها بالسِّىِّ ما تنبت القفعاءُ والحسكُ
ليس يخلو (المرتع) من أن يكون مصدرًا، أو موضعًا، فإن كل مصجرًا تعلق الجار به، وصار (ما تنبت القفعاء) في موضع رع، بأنه خبر المبتدأ، وتجعل (المرتع) على لاتساع وله: (ما تنبت) وإن كان (المرتع) حدثًا، وإن شئت أضمرت مضافًا، يكون تقديره: [مأكول] ومرتعه ما تنبت القفعاء.
وإن جعلت المرتع مكانًا لم يتعلق قوله (بالسِّىِّ) به، كما لا يتعلق بسائر أسماء الأماكن، ولكن يكون تبينًا، لما في الصلة، نحو: (وَأَنَاْ عَلَىَ ذَلِكُمْ مّنَ الشّاهِدِينَ).
[ ٢٩٧ ]
وإن جعلت المرتع الذي هو المصدر على الاتساع (ما تنبت) جاز أن يكون (بالسِّىِّ) خبره، ويكون (ما تنبت) بدلًا منه، ومثل ذلك في أنه صار الظرف خبرًا عن المرتع، قوله:
فمرتعه يرتفع بالظرف، لجريه على النكرة.
والمرتع: يجوز أن يكون الموضع، وأن يكون المصدر، فإن جعلته المصدر كان بمنزلة المراد والمجال، وأنت تريد بهما الحدث، كأنه قال: بالسِّىِّ تردده، وإن جعلته الموضع، فكأنه قال: بالسى مكانه، وإن جعله المكان، أضمرت المضاف،
فيكون: مأكول مكانه بالسى.
وقال هذليٌّ:
حتى رأيتهم كأنَّ سحابةً صابتْ عليهم ودقها ولم يشملِ
قوه: ودقها يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون بدلًا من ضمير
[ ٢٩٨ ]
(سحابة) الذي في (صابت) كأنه: صابت السحابة ودقها، فيكون من بدجل الاشتمال، لأتن السحابة مشتملة على الودق.
والآخر: أن يكون مبتدأ، وخبره (لم يشمل) فإذا جملته على ذلك، كان التقدير: سحابة ودقها لم يشمل، فحذفت المضاف، ألا ترى أنهم إنما يصفون السحاب بأنه لم يشمل دون المطر، يدل على ذلك قول أبي خراش:
فسائل سبرة الشجعى عنَّا غداة تخالنا نجوًا جنيبًا
والنجو: السحاب والجنيب، والمجنوب وكذلك قول الآخر:
كأن القوم إذا دارت رحاهم هدوءًا تحت أقمر ذي جنوبِ
أي تحت سحاب أقمر، أصابته الجنوب.
وروى أبو موسى (سبرة النخعى).
وقال المرار:
إذا هي خرَّت خرَّ من عن شمالها شعيبٌ به إجمامها ولغوبها
[ ٢٩٩ ]
لا يستقيم الكلام حتى تضمر (وبه لغوبها) لأنهما صفتان لا يجتمعان، وكذلك ما أشبه ذلك من الصفات التي لا تجتمع، كقولك: درهماك منهما جيد ورديء، وغلاماك منهما كيس وأحمق، وكذلك (فَمِنْهُمْ شَقِيّ وَسَعِيدٌ) لا يكون إلا على غشمار الخبر، وإن أظهرت الخبر كان مستقيمًا، كما قال:
لا شيء في ريدها إلا نعامتها منها هزيمٌ ومنها قائم باقِ
وعلى هذا القياس ما أشبه هذا.
والصفة في هذا كالخبر، ألا ترى أن الصفة ينبغي أن تكون وفق الموصوف، كما أن الخبر وفق المخبر عنه.
وقوله:
بمنحنيةٍ قد آزر الضَّال نبتها مضم جيوشٍ غانمين وخيَّب
ينبغي أن يكون الموصوف محذوفًا من الصفة الثانية، ألا ترى أن الخيب لا يجوز أن يكونوا الغانمين، فإذا كان كذلك كان التقدير: مضم جيوش غانمين، وجيوش خيب.
ولو رفع هذا على التبعيض، وتقديره: بعضهم غانمون، وبعضهم خيب، كان حسنًا.
[ ٣٠٠ ]
قال محمد بن السري: روى لنا السكرى، عن جماعة من العلماء:
ومرقبةً لا يرفع الصوت عندها مضم جيُوش غانمين وخيبِ
فالتقدير في بيت المرار: به إجمامها، وبه لغوبها، لا يستقيم إلا على إضمار ظرفٍ آخر، ويكون خبر الاسم الثاني، والمضاف في كل واحد من الظرفين محذوف، المعنى: شعيبٌ به إجمامها، وبوضعه لغوبها، ألا ترى أن التعب ولراحة وإنما يكون بما يتصل بهما، لا بنفس الرحل.
وقال ذو الرمة:
إلى ابن موسى بلالٍ طوتْ بنا قلاصٌ ابوهنَّ الجديلُ وداعرُ
إن لم يكن أحد هذين الاسمين، اللذين هما الجديل وداعرٌ أبًا للآخر، احتمل أمرين، أحدهما: أن يكون وضع الواحد في موضع الجميع، كقوله:
وأمّا جلدها فصليبُ
والآخر: أن يكون حذف المبتدأ، ويكون التقدير: أبوهنّ الجديلُ، وأبوهنّ داعرٌ.
[ ٣٠١ ]
أنشد يعقوب، فيما أظن:
فويلٍ بها لمن تكون ضجيعه إذا االثريا ذبذبت كلّ كوكبِ
أنشد: (ويل) بالكسر، والبناء فيه مثل البناء في فداء لك، من حيث كان المراد بكل واحدٍ منهما الدعاء.
فأما قوله: (بها) فيكون تبيينًا، و(لمن) الخبر، ويكون خبرًا على وجه التعجب، ويكون (لمن) استئنافًا، وأما قول أوس:
ويلٍ بهمْ معشرًا جمًّا بيوتُهُم من الرِّماحِ وفي المعروف تنكيرُ
فيجوز أن يكون (بهم) أيضًا فيه تبيين، والخبر مضمر يدل تعلى ذلك ظهوره في هذا البيت، ويجوز أن يكون (بهم) خبرًا، وقد أنسدنا عن أحمد بن يحيى:
ويلٍ أمّ قومٍ طعنتُهْم في جنازتهم بني فعيٍ غداةَ الروعِ والرٌّهبِ
فأما الهمزة في (أم) فمما قد لزمها الحذف في هذا الموضع، على غير قياس، ومثل ذلك قوله:
يابا المغيرة والدنيا مفجًَّعةُ
[ ٣٠٢ ]
وقول أبو الأسود:
يابا المغيرةِ ربَّ أمرٍ معضلٍ فرجته بالنُّكر منى والدَّها
ومثل ذلك ما أنشده أحمد بن يحيى:
إن لم ااتل فالبسوني برقعا وفتخاتٍ في اليدين أربعا
فإن قلت: فلم لا يكون (وى) في هذا الموضع للتعجب، [وتكون اللام الجارة؟ فالذي يدل على أنه (ويلٌ) والهمخزة محذوفة] من (أمٍّ) قول الشاعر:
لأمٍّ الأرض ويلٌ ما أجنت بحيثُ أضرَّ بالحسنِ السبيل
وكذلك قوله:
ويلِ أمها روحةً والريحُ معصفةٌ والغيثُ مرتجزٌ والليلُ مقتربُ
[ ٣٠٣ ]
وقولُ الآخر:
ويل أمِّها في هواء الجوِّ طالبةً ولا كهذا الذي في الأرض مطلوب
كل هذا، والهمزة فيه محذوفة.
وقال ذو الرمة:
أفي كل يوم من غبِّر الهوى إلى علمٍ من دار ميَّة ناظرُ
بعينيك ن طول البكاءِ كأنَّما بها خزرٌ أو طرفها متخازرُ
لا يكون قوله: (بعينيك) متعلقًا بالنظر، وإن كنت تقول: نظرت بعيني، على وجه التوكيد، وعلى أن قولك: (نظرت بعيني) قد يفيد، لا ينصرف إلى التأكيد
[ ٣٠٤ ]
المحض، نحو قولهم: شمس النعار ولحيي رأسه، ألا ترى أن النظر قد يكون التفكير، فإذا قال: (بعيني) خلصه من القسم الآخر.
ولا يستقيم مع ذلك أن تجعل الجار متعلقًا بناظر، ولكن يكون خبر مبتدأ [محذوف] كأنه قال: بعينيك من طول البكاء فساد، أو تغير عن حال الصحة.
ولو علقت الجار بالنظر، لم يتعلق قولك (من طول البكاء) بشيء، فإذا كان كذلك أضمرت الاسم، فرفعته بالابتداء، أو بالظرف.
ولا يجوز أن يتعلق (من طول البكاء) بما بعد (كأن) فيكون التقدير: كأنما بها خرزٌ من طول البكاء، لأن ما بعد (كأن) لا يتعلق بشيء، قبله، كما أن (أنّ) كذلك.
وإن جعلت قوله: (كأنما بها خزرٌ) دالًا على شيء يتعلق به قوله: (من طول البكاء) كما جاء (يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلاَئِكَةَ لاَ بُشْرَىَ) فانتصب بما دل عليه: (لاَ بُشْرَىَ) أمكن ذلك.
وما ذكرناه من إضمار المبتدأ أولى: ومثل ذلك، في أنه مضمر بعد اسم محدثٍ عنه، قول الشاعر:
لنا مرفدٌ سبعون ألف مدججٍ فهل في معدٍّ فوق ذلك مرفدا
إنما هو: فهل في ومعدٍّ كثرة فوق ذلك، أو عدة، أو مرفد؟ ونحو هذا، مما إن
[ ٣٠٥ ]
لم تضمره لم يستقم الكلام، لبقائه بلا محدث عنه، ويكون (فوق ذلك) وصفًا لذلك المحذوف.
ويحتمل هذا البيت شيئًا آخر، على قول أبي الحسن، وهو أن يكون قوله: (فوق ذلك) في موضع رفع، ألا ترى أنه حمل قوله تعالى: (وَأَنّا مِنّا الصّالِحُونَ وَمِنّا دُونَ ذَلِكَ) على أن (دُونَ) في موضع رفع، فكذلك يكون (فوق) وليس ذلك على حذف الموصوف وكذلك حمل قوله تعالى: (لَقَد تّقَطّعَ بَيْنَكُمْ) على هذا المذهب، وكذلك قوله تعالى: (يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ).
[ ٣٠٦ ]
وقال ذو الرمة:
وفي الشمائل من جلاَّنَ مفتنصٌ رذلُ الثيابِ خفيُّ الشَّخص منزربُ
يجوز في قوله: (من جلاّن) أن يكون حالًا مقدمة، كأنه أراد: وفي الشمائل مقتنصٌ من جلان، فكان موضع (من جلان) على هذا رفعًا، فلما قدمه صار حالًا، والعامل فيها يجوز أن يكون أحد شيئين: أحدهما أن يكون الظرف، والآخر: أن يكون اسم الفاعل.
فأما الذكر في الحال فيجوز أن يكون، ذكرًا من اسم الفاعل، الذي هو مقتنصٌ ويجوز أن يكون الذكر الذي فيها يعود إلى الذكر، الذي في اسم الفاعل.
ويجوز في قوله: (من جلاّن) وجه آخر، وهو أن تجعله صفة لمحذوف: وفي الشمائل رجلٌ من جلاّن، فيكون في الظرف، واسم الفاعل، وذكر هذا الموصوف المحذوف، ويكون ارتفاع المضمر، على الخلاف، في هذا الباب، ومقل هذا قوله تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ)، ونحو ذلك.
[ ٣٠٧ ]
وقال بشر بن أبي خازم:
له كفان كفٌّ ضرٍّ وكفُّ فواضلٍ خضل نداها
يجوز أن يكون وضع المفرد بوضع التثنية، كقوله:
وعينٌ لها حدرة بدرةٌ
يريد العينين، يدل على ذلك قوله:
شقَّت مآقيها من أُخرْ
فكأنه كرر ويجوز أن يكون وضع (كف) موضع إحداهما، فحمل الكلام على المعنى، ألا ترى قوله (كف) هي إحدى الكفين في المعنى، فحمل على ذلك، فكأنه قال: له كفان، ([إحداهما كفُّ ضرٍّ وعلى الوجه الآخر يصير كأنه قال: له كفان]، كفان، وإحداهما مضمرةٌ مرادةٌ، كأنه قال: إحداهما كفٌّ ضرٍّ، والأخرى كف فواضلٍ، فحذف المبتدأءين، ومثل (ذلك) الوجه ألأول قول الفرذدق:
يداكَ يدٌ إحداهما النَّيل كلَّهُ وراحتكَ الأخرى طعانٌ تغامره
وقال ذو الرمة:
فيا ظبية الوعساء بين جلاجلٍ وبين النقا آأنت أم أمُّ سالمِ
حذف خبر المبتدأ، التقدير أأنت هي؟ أي أأنت الظبية أم أمَّ سالم؟ فخبر المبتدأ محذوف.
[ ٣٠٨ ]
فإن قلت: ما وجه هذه المعادلة؟ وهل يجوز أن يشكل هذا عليه، حتى يستفهم عنه؟ وهو بندائه لها قد أنها ظبية الوعساء، ألا ترى أه لو نادى رجلًا يما يوجب القذف، لكان في ندائه له بذلك كالمخبر عنه به، فكذلك إذ قال: فيا ظبية الوعساء، قد أثبتها ظبية للوعساء، فإذا كان كذلك، فلا وجه لمعادلته إياها بأم سالم، حتى يصير كأنه [قد] قال: أيكما أم سالم؟
فالقول في ذلك: أالمعنى على شدة المشابهة من هذه الظبية لأم سالم، فكأنه أراد التبستما علىَّ، واشتبهتما، حتى لا أفصل بينكما، فالمعنى تعلى هذا الذي ذكرنا [من] تثبيته شدة المشابهة [من هذه الظبية لأم سالم] لا أنه، ليس يفصل ظبية
الوعساء من أم سالم، كما أه إذا قال: أزيدٌ هذا أم عمرو؟ قد لا يفصل بينهما حتى يعرف، فيقال له: زيدٌ أو عمروٌ، فإن قيل له: ليس واحدًا منهما، أي من زيدٌ وعمرو، فقد كذب، لأنه في قوله: أزيدٌ هذا أم عمرو؟ مثبتٌ أنه أحد هذين، ومدع ذلك، فإذا قيل له: ليس واحدًا منهما، كان في ذلك تكذيبٌ له، فيما كان أثبته من قوله: أزيدٌ هذا أم عمرو؟ أنه واحد منهما.
وقال أوس بن حجر:
كبنيانةِ القَرِّىِّ موضعُ رحلها وأثارُ نسعيها من الدفِّ أبلقُ
آثار: جمع أثرٍ، وهو ابتداء، وخبره (أبلق) وأنت لا تقول: ثيابٌ أبيضُ،
[ ٣٠٩ ]
إنما تقول: بيض فهذا لأنه حمل الخبر على المضاف المح١وف، التقدير: وموضع آثار نسعيها، فحمل الخبر على هذا المفرد المحذوف.
قال:
ألقِ الصَّحيفةَ لا ابالك إنَّه يخشى عليك من الحباءِ النِّقرسُ
حبوت: فعلٌ ستعدى إلى مفعولين قال:
حبوتُ بها غسَّان غذ كنت لاحقًا بقومي وإذ أعيت على مذاهبي
فيجوز أن تحذف الجارّ، فيصل الفعل إلى المفعول، والمصر في ذلك مثل الفعل، والحباء مصدرٌ مقدرٌ تقدير المفعول به، في قوله:
يخشى عليك من الحباءِ النقرسُ
[ ٣١٠ ]
فالمعنى: من أن يحبى النقرس الحامل للكتاب، أو الموصل، فحذف المفعول الثاني، والمصادر، يحذف معها المفعول كثيرًا، وكذلك الفاعل، فالفاعل كقوله تعالى: (مِن دُعَآءِ الْخَيْرِ) وإذا جاز مها حذف الفاعل، فحذف المفعول أسوغ.
وقال أبو خراش الهذلي، يذكر صقرًا:
يقربه النَّهضُ النجيح لما يرى فمنه بدوٌّ مرةً ومثولُ
قوله: (لما يرى) من صلة المصدر، ألا ترى أن المعنى: النهض لما يرى، وليس المعنى على تعلقه بالنجيح، فهذا في المصدر شبيه بما جاء لفي اسم الفاعل، من الفصل بينه وبين ما يعمل فيه بالصفة، كقوله:
إذا فاقدٌ فرخين رجَّعت ذكرتُ سليمى في الخليط المباين
[ ٣١١ ]
وهو في المصدر أبعد، للفصل بين الصلة والموصول، فينبغي أن تضمر ما يتعلق به اللام.
وأما مثول فخبره مضمر، لا يكون إلاّ عل ذلك.
وقال عمرو بن معدى كربٍ:
وسوقُ كتبةٍ لأخرى كأنّ زهاءها رأسٌ صليعُ
دنتْ واستأخرَ الأوغالُ عنها وخلَّى بينهم إلاّ الوديعُ
يجوز أن يكون (الوزيع) مبتدأ محذوف الخبر، كأنه: استأخر الأوغال، لكن الوزيع ثبتوا، أو لكن الوزيع لم يستأخروا كقوله، إلا حل ذاك أفعله، وقال بعض النحويين في قوله تعالى: (وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ. إِلاّ مَن رّحِمَ اللهُ) قال: تقديره: إلا من رحم الله ينصر، أي لكن من رحم الله ينصر.
[ ٣١٢ ]
ويجوز أن تحمله على المعنى، كأنه لما قال: استأخر الأوعال عنها، دل على: ما بقي إلا الوزيع، فحمله على ذلك، كما أنه قال:
وعذُّ زمانٍ يا بن مروان لم يدع من المالٍِ إلاّ مسحتًا أو مجلَّف
[فيمن رواه] كذلك، كان معناه، بقي مسحت، فحمل: (أو مجلفٍ) على ذلك.
فأما الوزيع: فيكون (على) أنه أراد جمع وازعٍ، فجاء به مثل غزيٍ، قال:
آب الغزيُّ ولم يؤب عمرو
[ ٣١٣ ]
أو يكون بني الكلمة، على فعيل فجعله مثل صديق، (والرفيق وونحو ذلك مما جاء على فعيل) يراد به الكثرة، كفعول نحو عدو.
وأنشد بعض البغداديين:
بثوبٍ ودينارٍ وكبشٍ ونعجةٍ فهل من مرفوعٌ لما ها هنا رأس
التقدير عندنا فهل هو مرفوع ها هنا رأس منه، فيرتفع (رأس) بمرفوع، ويعود الذكر من المحذوف إلى المبتدأ، مثل (السَّمن منوانِ بدرهم).
وأنشدوا:
ليت شعري إذا القيامةُ قامتْ ودَعا بالحسابِ أين المصِيرا
المصيرُ: مغعمول المصدر، كأنه: ليت شعري المصيرا، وأين هو؟ ولا يصح هذا الكلام إلا بإضمار، (هو) لأن الاستفهام لا يستغنى بما قبله، ألا ترى أنك لو قلت: أفضلُ ممن أنت؟ لم يجز حتى تقول: ممن أنت أفضل؟ حتى يحصل في حيز الاستفهام
[ ٣١٤ ]
جملة، فكذلك ينبغي أن تقدر، اين هو؟ وفيه قبح من وجه آخر، وهو فصله بين الصلة والموصول بأين وهو أجنبي منهما.
قال:
الموت عندي والفرا قُ كلاهما ما لا يطاق
يرتفع (كلاهما) بالابتداء، و(ما لايطاق) في موضع الخبر، والجملة موضع خبر الابتداء الأول، و(عندي) على هذا يتعلق بالمصدر، ويجوز أن يرتفع (كلاهما) على الاتباع والتأكيد للموت والفراق، ويكون (ملا يطاق) في موضع خبر المبتدأين اللذين هما: الموت والفراق.
و(ما) بمنزلة الذي، وهي لعمومها يجوز أن تقع على الاثنين، كما تقع على الجميع، ويجوز على قياس قول من قال:
[ ٣١٥ ]
نكن مثل ما يا ذئب يصطحبان
ومن يكنْ شريكيه
أن يفرد هنا، لأن الاثنين بمعنى واحد، كما جاء:
ما لم يعاص كان جنونا
بعد قوله:
إنّ شرخ الشباب والشعر الأسود
وكما جاء: (أَحَقّ أَن يُرْضُوهُ) حيث كانا جمعيًا راجعين إلى معنى واحد.
ويجوز أن تجعل (كلاهما) مرتفعًا، التأكيد، ولا تجعل: (ما لا يطاق) خبرًا له، ولكن خبر مبتدأ محذوف كأنه: هما ما لا يطاق.
[ ٣١٦ ]
فإن قلت: فهل يجوز أن تكون (كلاهما) تأكيدًا، (ما لا يطاق) في موضع رفع بالابتداء، كأنه: الموت كلاهما ما لا يطاق عندي، كما تقول: زيدٌ عندي وعمرو أخوهما، فتفصل بين المبتدأ الأول والمعطوف عليه بخبر المبتدأ، الذي في موضع خبر المبتدأين الأولين، وهو أجنبي منهما؟
قيل: إن الشعر قد جاء فيه ضروب من الفصل، لا يستسهل نحوه في الكلام، وقد مضى صدرٌ من ذلك في هذا الكتاب.
فإن قلت: أجعل (عندي) تبيينًا لما في الصلة، من قوله: (ما لا يطاق) فإن أبا الحسن قد قال إن لك جاء فيما معه حرف جر، نحو: (إِنّي لَكُمَا لَمِنَ النّاصِحِينَ) وقياس الظروف قياس ما جاء معه حرف الجر.
قال ذو الرمة:
ورملٍ عزيفُ الجنّ في عقداته هزيزٌ كتضراب المغّنِّين بالطَّبْلِ
يجوز في قوله:؛ (عزيف الجن) أن يكون مبتدأ، و(هزيزٌ) خبره، ويكون قوله: (في عقداته) على هذا ظرفًا للعزيف، ومتعلقًا به، ولا يكون متعلقًا بهزيز، لتقدمه عليه.
[ ٣١٧ ]
ويجوز أن تجعل (عزيف الجن) خبر لمبتدأ محذوف، تقديره، ورملاٍ هو عزيف الجن، فإما أن تجعله، [هو] العزيف، لكثرته فيه، وإما أن تقول: هو ذو عزيف،
فتحذف المضاف.
ومثل ذلك في حذف المبتدأ، من الجملة التي هي صفة معمول (ربَّ) قوله:
إن يقتلوكَ فإن قتلكَ لم يكن عارًا عليك وربَّ قتلٍ عارُ
أي هو عارٌ.
ولا يجوز أن تجر (عزيف الجن) على أن تريد: رملٍ ذي عزيف الجن، لأنك لا تصف النكرة بالمعرفة، ولا يجوز جره على أن تجعله بدلًا، لأنك تحمله على (ربّ) المضمرة، ألا ترى أ، البدل، وإن كان في التقدير محمولًا على عامل آخر، فعزيف الجن محمول على (ربّ) الجارة للرمل، فإذا جعلت (عزيف الجن) خبر مبتدأ محذوف، والجملة صفة المنكور، أمكن في قوله: (في عقداته) أمران، أحدهما، أن تعلقه بالعزيف، فيكون التقدير: ربَّ، رمل هو ذو عزيف الجن في عقداته، أي تعزف الجن في عقداته، فإذا وجهته على هذا جعلت (هزيزًا) خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هو هزيز، أي هو ذو هزيز، ككذا وكذا.
[ ٣١٨ ]
والأمر الآخر: أن تعلق الآخر: أن تعلق قوله (في عقداته) بالعزيف، فإذا لم تعلقه به جعلته صفةً للرمل، كما كانت الجملة ألأولى صفة له، فإذا جعلته صفة له، ارتفع قولك: (هزيز) بالظرف الذي هو: (في عقداته) لأن قوله: (ورملٍ) نكرة، وليس في قوله: (في عقداته) على هذه التقديرات شيء، فالكاف وصفٌ للنكرة الجارية هي عليه.
وقال ذو الرمة:
فلا الخرقَ منه يرهبون ولا الخنا عليهم ولكنْ هيبةٌ هي ما هيا
يجوز في قوله: (هيبةٌ) أن يكون خبر ابتداء قدم، كأنه: ولكن قصته هيبةٌ، فتكون (هي) كنايةً عن القصة، وجاز إضمارها، لأن ما تقدم من الكلام فيه دلالة عليها، فكأن ذكرها قد جرى، وتكون (ما) على هذا استفهامًا، و(هي) الثانية خبرها،
والمعنى: الرفع من الهيبة، والتعظيم لها، كقولهم: ما أنت من رجل، و:
يا جارتا ما أنت جارهْ
ويجوز أن يكون (هيبة) خبر مبتدأ محذوف، كأنه: ولكن أمر هـ هيبةٌ، وتكون (ما) زائدة، فيكون التقدير: أمره هيبة هي هي، على الرفع من شأن الهيبة، كما تول: أنت أنت، وكقوله:
وشعرِي وشعرِي
[ ٣١٩ ]
ويجوز أن تجعل (ما) في هذا الوجه استفهامًا، على وجه الرفع منها أيضًا، كقوله سبحانه (الْقَارِعَة) (مَا الْقَارِعَةُ) و(الْحَاقّةُ مَا الْحَآقّةُ) فالمضمر في البيت بمنزلة المظهر في الآية.
وقال الكميت يصف حمارًا:
تذكَّر من أنى ومن أين شربهُ يؤامر نفسيه كذى الهجمة الأبلْ
ينبغي أن يكون المضمر، لافي قول من رفع: في الدار زيدٌ، وأين زيدٌ، بالابتداء، أن سيكون المبتدأ محذوفًا، وشربه دل عليه، لا يكون إلا كذلك، لأن الاستفهام منقطعٌ مما قبله، ومن رفع هذا النحو بالظرف، فينبغي أن يكون قد أضمر في قوله (من أنى) المبتدأ قبل الذكر، لدلالة (شربه) عليه، وتفسيره له، كما أنه إذ قال: قاما وقعد، أخواك، كان كذلك، واستقلال الكلام بهذا الضمير، الذي في الظرف، كاستقلاله بالضمير الذي يتضمنه في الصلة.
[ ٣٢٠ ]
قوله: (يؤامر نفسيه) نفس تقول: ائت موضع كذا، وأخرى تنهاه خوف الصائد، وشبهه بالراعي الحاذق بالرَّعى.
قال رؤبة أو العجاج:
كنا بها إذ لحياة حيُّ
حيُ: خبر المبتدأ، الذي هو الحياة، والحياة، والحيُّ، والحيوان: مصادر، فالحياة
كالحدمة والحيوان كاللهبان، والغليان والحي كالعِّى، والذكر، كأنه قال: إذ الحياة حياةٌ، أي الحياة غير متكدرة، ولا منغصة، كأنه لم يعتد ما خالف ذلك، مما شابه تنغيصٌ وتكدير، حياةً.
وقوله تعالى (وَإِنّ الدّارَ الاَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ) [كأنه] على حذف المضاف، كأنه (لما) لم يتبعه الموت، ولم يبطله، كما يبطله في الدار الدنيا، جعلها هي دار الحيوان، دون هذه.
وزعم بعض البغداديين أن (حي) جمع حياة، كقولهم: بدنةٌ وبدن، وليس هذا
[ ٣٢١ ]
القول بالمتجه، من طريق اللفظ ألا ترى أنه لو كان كما قال، الجاز في فائه الضم، كما جاز الضم في قولهم: قرن ألوى وقرون لي، وكذلك الواحد، نحو: ريا.
وريا وفي أن لم نعلم أحدًا ضم ذلك، ولم يحكه (هو أيضًا) دلالة على أن الأمر ليس كما ذهب إليه.
وهو في المعنى أيضًا ليس بذاك، ألا ترى أن الحياة حياةٌ واحدة، وليست بمضروب، إلا أن تجعل ما اختلف منها ضروبًا، فتجمعه على ذلك، وهذا لا يليق بالمعنى، لأن الحياة أبدًا، كذلك، فالمعنى على أ، الحياة كانت من ضرب واحد، وهو الطيب واللين.
أنشد الكسائي للبيدٍ:
لسَّيان حربٌ أو تبوءوا بخزيةٍ وقد يقبل الضَّيم الذليل المسيَّرُ
[ ٣٢٢ ]
سيّان: يرتفع بأنه خبر الابتداء، وحرب مرفوع بالابتداء.
وقوله: (أو تبوءوا) في موضع رفع، لأنه معطوف على (حرب) المرتفع بالابتداء، فأضمرت (أن) لعطفك الفعل على الاسم، كما أضمرته في قوله:
ولولا رجالٌ من رزامٍ أعزَّةٌ وآلِ سبيعٍ أو أسوءك علقما
لما عطف (اسوء) على (آل سبيع) أضمر (أن) ليعطف اسمًا على اسم، إذ لا
يستقيم أن تعطف فعلًا على اسم، وكذلك أضمر (أن) في (أو تبوءوا) لعطفه إياه على الاسم، ليكون مثله، (سيان) الخبر.
وكذلك كان ينبغي أن يكون الخبر، في قوله:
وكان سيَّان أن لا يسرحوا نعمًا أو يسرحوه بها واغبرتِ السُّوح
فإما أن يكون أضمر في (كان) الحديث، أو الأمر، فيكون (سيان) خبر الاسمين اللذين هما: (ألا يسرحوا نعمًا، أو يسرحوه) أو يكون جعل (سيان) المبتدأ، وإن كان نكرة، وأدخل (كان) على قوله: (سيان) والوجه الأول أشبه.
[ ٣٢٣ ]
وكان القياس أن يكون العطف في التبيين بالواو، دون أو، لأن العطف بأو في هذا الموضع [في المعنى] سيان أحدهما، وسيان إحداهما كلام مستحيل، كما أن (سواء زيدٌ وعمروٌ) كذلك، لأن (سواءً) و(سيءٌّ) واحدٌ في المعنى، وإنما سيءٌ من سواء، كقيءٌ من قواء، فكما لا يستقيم، سواء زيدًا أو عمروٌ، لأن المعنى: سواءٌ أحدهما، والتسوية إنما تكون بين شيئين فصاعدًا، كذلك ينبغي أن لا يستقيم، والذي حسن ذلك للشاعر أنه يرى، (جالس الحسنَ أو ابن سيرين) فيستقيم له أن يجالسهما جمعيًا، (وكل الخبزَ أو التَّمر) يجوز له أن يجمعهما في الأكل، فلما صارت تجري مجرى الواو، في هذا الموضع، استجاز أن يستعملها بعد (سي) ولم نعلم ذلك جاء في (سواء) وقياسه قياس (سيان) وق قال بعض المحدثين:
سيَّان كسرُ رغيفه أو كسرُ عظمٍ من عظامه
فهذا في القياس، كما جاء في الشعر القديم، وزعم أبو عمر أن الأصمعي أنشدهم البيت الذي هو:
وكان سيَّان أن لا يسرحوا نعمًا
[ ٣٢٤ ]
لرجلٍ من هذيل.
فأما قوله:
ألا فالبثا شهرين أو نصف ثالثٍ إلى ذاك ما قد غيبتي غيابيا
فهو من باب (جالس الحسن أو ابن سيرين) ألا ترى أنه إن لبث شهرين فقط أو شهرين وبعض ثالث فقد ائمر وليس الموضع مقتضيًا لوقوع الواو، كما تقتضي الواو بعد (سيٍّ) و(سواءٍ).
ومثل (سواء) في اقتضاء الواو، دون قولك: المال بين زيد وعمرو، ولو قال ذلك بأو، لم يستقم، كما لا يستقيم لمال بين أحدهما، وكذلك: اختصم زيدٌ وعمروٌ.
واشترك بشرٌ وبكر ٌ، وكذلك اصطرع، ونحو ذلك من الأفعال التي تقتضي فاعلين فصاعدًا، ولم نعلم شيئًا من ذلك جاء العطف فيه بأو، كمال جاء ما تقدم ذكره، من بيتي لبيدٍ والهذلى.
وقال عدي بن زيد:
أرواحٌ مودعٌ أم بكورُ أنت فانظر لأيّ حالٍ تصيرُ
قوله (أنت) يجوز أن يكون ابتداءً، ويجوز أن يكون مرتفعًا بمضمر، يفسره الظاهر، فإذا ارتفع بالابتداء، جاز أن يكون خبره مضمرًا، وذلك المضمر مما يليق أن يسند إلي تن فارق خليطه، نحو المحزون، والمهموم، كأنه: أنت المهموم، وهذا الوجه قد قاله سيبويه.
[ ٣٢٥ ]
ويجوز أن يكون خبره قوله: (أرواحٌ) والمعنى: أذو رواحٍ أم بكور أنت؟ والفاء في هذه الوجوه عاطفة جملة على جملة، وكذلك إن جعلت قوله: (أرواح) ابتداءً، وأضمرت له الخبر، كأنك قلت: أرواحٌ مودع لك أم بكور؟.
والأحسن إذا أضمرت هذا الخبر، أن تضمره بين ما بعد همزة الاستفهام و(أم)، لأنك لا تسأل عن قولك (لك) إنما تسأل عن أحد الاسمين، فإنما تجعل ما تسأل عنه يلي حرف الاستفهام، وما لا تسأل عنه بينهما، فيكون التقدير: أرواحٌ مودعٌ لك أم بكورٌ؟.
وإن شئت أضمرت ظرفًا من المكان، وإن شئت من الزمان، لأن المبتدأ حدثٌ.
ويجوز أن تجعل قوله: أرواحُ مودعٌ خبر ابتداء محذوف، وتضمره حيث أضمرت (لك)، أو (ثم) أو (اليوم) وتجعل (أنت) المذكورة في اللفظ، ابتداءً آخر، إن شئت، وإن شئت كان مرتفعًا بالفعل كما تقدم.
ويجوز إذا جعلت (أت) المظهرة مبتدأ، أن تجعل خبره (نظر) فتكون الفاء زائدة، كما حكاه أبو الحسن من قوله: (أخوك فوجد).
وقال النمر:
لا تجزعي إن منفسًا أهلكتهُ وإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي
ويجوز ارتفاعه بالابتداء، وإن كان في موضع الخبر نهيٌ، كما جاز أن يرتفع بالابتداء، إذا كأن في موضع الخبر أمر، وذلك قول الجميح:
ولو أرادتْ لقالتْ وهي صادقةٌ إنَّ الرياضة لا تنضبك للشَّيبِ
[ ٣٢٦ ]
وكذلك قول الآخر (أنشده أبو زيد):
وكوني بالمكارم ذكرِّيني ودلي دلَّ ماجدةٍ صناع
ألا ترى أن المعنى: كوني مذكرة بالمكارم، وليس يريد: كوزني بالمكارم، ويقوى ذلك قوله قبل هذا البيت:
ألا يا أمَّ فارع لا تلومي على شيءٍ رفعت به سماعي
فالمعنى: لا تلوميني على ما يرتفع به صيتي (وذكرى) وذكريني به.
فكذلك يكون (أنت) مرتفعًا بالابتداء، وخبره قوله: (فانظر) ويجوز أن يرتفع (أنت) بفعل مضمر، تفسيره: (انظرْ) وهذا الوجه قد أجازه سيبويه، ولو أظهرت ذلك
[ ٣٢٧ ]
الضمير، كما تظهر في قولك، أزيدًا ضربته؟ فتقول: أضربت زيدًا ضربته؟ للزم تقول: انظر فانظر، لأنك إذا أظهرت المضمر اتصل الضمير المنفصل به، ولم ينفصل كما كان ينفصل إذا كان الفعل مضمرًا، وومثل ذلك في لارتفاع الاسم
بمضمر، ولو أظهرته، على التمثيل لاتصل به الضمير، قوله:
فمن نحن نؤمنه يبتْ وهو آمنٌ ومن لا نجره يمسِ منَّا مفرعا
فنحن: مرتفعٌ بمضمرٍ يفسره (نؤمن) فلو أظهرت ذلك الفعل المضمر، في التمثيل، لكان: فمن نؤنمن نؤمن، وقال أبو ذؤيب:
أمنك البرق أرقبه فهاجا فبتُّ إخاله دهمًا خلاجا
لا يستقيم أن تنصب (البرق) على قولك: أزيدًا ضربته؟ لأن الاستفهام ليس عن الرقبة، إنما هو عن موضع لبرق، فإذا كان كذلك كان (منك) الخبر،
[ ٣٢٨ ]
ويكون (أرقبه) في موضع الحال، يدلك على ذلك قول الآخر:
أفَعنكِ لا برقٌ كأنَّ وميضهُ غابٌ تسنَّمه ضرامٌ مثقبُ
فكما أن قوله: (كأن وميضه) صفة للمنكور، كذلك يكون (أرقبه) في موضع الحال من المعرفة، لأن ما كان صفة لنكرة يكون حالًا للمعرفة، وكذلك قوله:
أمنكِ برقٌ أبيتُ الليلَ أرقبه كأنّه في عراض الشَّامِ مصباحُ
الاستفهام فيه عن مكان البرق، وليس عن البيتوتة.
وقوله: (أبيت الليل أرقبه) صفة للمنكور، كما كان (كأن) وصفًا له، في قوله:
أفعنك لا برقٌ كأنَّ وميضه
ولا يجوز أن تنصبه أيضًا، على قولك: زيدًا ضربته، كما انتصب قوله:
فلو أنّها إياك عضتك مثلها جررت على ما شئت نحرًا وكلكلًا
ألا ترى أ، المخاطب المعضوض في المعنى، فجاز تسليط العض عليه، وليس البرق بمرقوب، إنما هو محدث عنه، كما تقول: أفي الدار قيامك؟.
[ ٣٢٩ ]
ومما جاء على قولك: زيدًا ضربته، ما أنشده أبو عبيدة:
أنعمانُ لم تشبهْ أباك محمَّدًا لعمري ولم يشبهْ نعيمٌ له أبا
ولو كان غيَّاه اجتديته لم يخبْ رجائي ولم ترجع ركابي خيبًَّا
فضمير الغائب منصوب بمضمر، يفسره (اجتديته) وهو مجتديً في المعنى، مفعول، (ألا ترى) أنك لو حذفت الضمير لتسلط الفعل عليه.
أنشد محمد بن يزيد:
حيّاكم الله فإنِّي منقلبْ وإنَّما الشعرُ مجنونٌ كلبْ
أكثر مات يأتي بما فيه الكذبْ
يجوز أن تكون الباء زائدة، ويكون (ما) في موضع رفع، بأنه خبر المبتدأ، كما كانت في موضع رفع، في قول الآخر، على أنه خبر المبتدأ، وذلك قوله:
أكثر ما نعملهُ من كافرهِ أن كلها يكعسهُ بغبرهِ
ولا يبالي وطأها في قبره
فكما أن (أن) المخففة من الثقيلة في موضع رفع، بأنه خبر المبتدأ، الذي هو
[ ٣٣٠ ]
(أكثر ما نعمله) كذلك (ما) من قوله:
أكثر ما يأتي بما فيه الكذبْ
وعلى هذا تأول أبو الحسن، قوله تعالى (جَزَآءُ سَيّئَةٍ بِمِثْلِهَا) أن المعنى: مثلها.
ومثل دخول الباء على خبر المبتدأ، ودخولها على المبتدأ، فيما أنشده أبو زيد:
بحسبك في القومِ أن يعملوا بأنك فيهم غنىً مضرّ
ويجوز أن تجعل الباء من صلة (يأتي) وتضمر خبر المبتدأ، كأنه: أكثر هذا كائن، أو ثابت، ونحو ذلك، فيكون موضع الباء، وما انجر بها، نصبًا، فعلى هذا القياس يجوز أن تنصب قول المحدث:
أكثر ما أسمع منها في السحر تذكيرها الأنثى وتأنيث الذكر
وتضمر الخبر، ويجوز أن ترفع (تذكيرها) فتجعله خبر المبتدأ، كما كان (أن) في قوله:
أن كلها يكسعه بغبرهِ
كذلك وكذلك قول الآخر:
أولُ ما أقولُ أنِّي أحمدُ
[ ٣٣١ ]
إذا فتحت (أنّى) كان في موضع رفع، بأنه خبر المبتدأ، وإن كسرت، (إن) كانت الجملة في موضع نصب بأقول، والخبر مضمر، وقال أحد أهل النظر: إنه إذا كسر (إنَّ) في قوله:
أولُ ما أقولُ إنّي أحمدُ
كان التقدير عنده: أول ما أقول إني أحمد، فيكون (إني أحمدُ) متعلقًا بقوله: (قولى) المضمر، الذي هو خبر المبتدأ، وإبقاء الصلة.
فإن قلت: فقد قدر حذف الموصول، وإبقاء بعض الصلة.
فإن ذلك في قول البغداديين جائزٌ، وينبغي أن لا ميتنع على قول غيرهم، لأن هذا الحرف قد كصثر إضماره في كلامهم، وفي التنزيل، حتى صار يجري مضمرًا، مجراه مظهرًا.
[ ٣٣٢ ]