قال الشاعر:
لاه ابنُ عمّكَ لا أفضلتَ في حسبٍ عنّى ولا أنت ديّانى فتخزونى
عنّى، قيل: معناه علىّ، وقال [آخر]:
كحلفةٍ من أبى رياحٍ يسمعها لاههُ الكبارُ
ويروى: لاهمُ الكبارُ.
[ ٤١ ]
[قال أبو علىّ]: حروف المعانى تحذف مع الأسماء على ضروب، أحدهما: أن يحذفَ [الحرفُ] ويضمّنَ الاسمُ معناه، وهذا يوجب بناء الاسم، نحو أينَ، وخمسةَ عشرَ، وأمسِ، في قول الحجازيّين ومن بناه، ولهىَ أبوكَ.
والآخرُ: أن يعدلَ الاسمُ عن اسمٍ فيه حرفُ، فهذا المعدولُ لا يجب بناؤه، لأنه لم يتضمّن الحرفَ، فيلزمَ البناءُ، كما تضمّنه الأوّلُ، لأنّ الحرفَ يرادُ في ذلك البناء الذي وقعَ العدلُ عنه، وإذا كان هناك مرادًا لم يتضمّن هنا الاسمَ، ألا ترى في ذلك أنّه محالُ أن يرادَ ثمّ، فيعدلَ هذا عنه، ويتضمّنَ معناه، لأنّك إذًا تثبتُ الحرفَ في موضعين، فلا يكون حينئذ عدلًا، ألا ترى أنّ العدلَ إنما هو أن تلفظَ ببناءٍ، وتريد الآخرَ، فلا بدّ من أن يكون البناءُ المعدولُ غير المعدولِ عنه، ومخالفًا له، ولا شئَ يقعُ فيه الخلافُ بين سحرَ المعدولِ والمعدولِ عنه، إلاّ إرادةُ لامِ التعريف في المعدولِ عنه، وتعرّى المعدولِ منه، فلو ضمّنته معناه، لكان بمنزلةِ إثباته، ولو أثبتّه لم يكن عدلًا، فإذا كان كذلك، لم يجزْ أن يتضمّنه لم يجزْ أن يبنى كما بنى أمسِ.
والضّربُ الثالث: أن يحذف الحرفُ في اللّفظ، ويكون مرادًا فيه، وإنما تحذفهُ من اللفظ اختصارًا واستخفافًا، فهذا يجرى مجرى الثّبات، فمن هذا القسم: الحذفُ في
جميع الظّروفِ، [في] حذفت اختصارًا، لأنّ في ذكرك الأسماءَ الى هي ظروفُ دلالةً على إرادتها، ألا ترى أنّك إذا قلت: جلستُ خلفك، وقدمت اليومَ، علمَ أنّ هذا
[ ٤٢ ]
لا يكون شيئًا من أقسام المفعولات، إلاّ الظّرفَ، فلمّا كان كذلك، كان حذفها بمنزلة ِ إثباتها، لقيام الدّلالةِ عليها، فإذا كنيتَ رددتَ في التي كانت محذوفةً للاختصارِ، وللدّلالةِ القائمةِ عليها، لأنّ الضميرَ لا يتميّزُ، ولا ينفصل، كما كان ذلك في المظهرَ، ألا ترى أنّ الهاء في كناية الظّرفِ، كالهاء في كناية المفعولِ به، فإذا رددتَ الحرفَ الذي كنت حذفته، فوصلته به، دلّ على أنه من بين المفعولات ظرفُ، فقد علمتَ بردّك له في الإضمار أنّك لم تضمّن الاسمَ معنى الحرف فتبينه، وأنه مرادُ في حال الحذف، إلاّ أنّ في ظهور الاسم دلالةً عليه، فحذفته لذلك، فهذا يشبه قولهم: اللهِ لأفعلنّ في أنهم مع حذفهم ذلك يجرى عندهم مجرى غير المحذوف، إلاّ أنه لمّا حذف في الظّرف، واستغنى عنه، وصل الفعلُ إليه، فانتصب، والجارُّ إذا حذفوه على هذا الحدّ الذي ذكرته لك، من أنّ الدّلالة على حذفه قائمةُ، يجرى على ضربين: أحدهما أن يوصل الفعلُ، كباب الظّروف، واخترت الرجالَ زيدًا.
والآخرُ: أن لا يوصل الفعلُ، ولكن يكون الحرفُ كمثبتِ في اللّفظ، فيجرّون به، كما يجرّون به
[ ٤٣ ]
وذلك، إلاّ أن الفعل حذف بعدها، لدلالتها عليه، كما حذف بعد إنْ كذلك، في نحو قولهم: الناس مجزيوّن بأعمالهم، إن خيرًا فخيرُ، وقال:
قد قيل ذلك إن حقًاّ وإن كذبا فما اعتذراك من شئٍ إذا قيلا
[ ٥٧ ]
وممّا حذف بعده الفعل أنْ الناصبة للفعل، في قوله:
أبا خراشةَ أمّا أنت ذا نفرٍ فإنّ قومى لمَ تأكلهمُ الضبّغُ
فالفعل بعد أنْ مرادُ، إلا أنّه عوّض منه ما فصار الفعلُ لا يظهر معه، قال سيبويه: فإن كسرتَ إمّا لملا يجز الفعل.
فإن قلت: لمَ لمْ يجزْ حذفه، وقد حذفَ الفعلُ في نحو: إن خيرًا فخيرُ؟
فالقول أنّ حذفه يقبح، وإن كان قد جاء فيما ذكرتَ، لأنّ دخول ما قد أشبه دخول اللامِ التي تؤكدّ الفعل، ألا ترى أنّ النّون تدخل معها على المضارع، في نحو: (وإمّا تخافنّ)، وفى: عضةٍ ما ينبتنّ شكيرها، كما تدخلُ مع اللام،
[ ٥٨ ]
فلمّا كان كذلك لم يجز أن تحذفَ الفعلَ هنا، وقد أتيتَ بما تؤكّده، إذ الأولى من تأكيده تبقيته، وترك حذفه، وفذكرك ما يوّكدهُ لا يلائمُ حذفه.
ومثلُ حذفِ الفعل بعد أنْ في قوله: أمّا أنتَ ذانفرٍ وكونِ ما عوضًا منه، حذفه بهد إنْ وتعويض ما منه، في [قولهم]: إمّا لا، وسمعتُ أبا إسحاق يقول: إنّها تقال ممالةً ووجه ذلك أنّ الحوفَ كلّها صارت بمنزلة كلمةٍ واحدة، فأميلَ الألفُ الآخرُ منها، كما أميلتَ الألفُ الآخرُ منها، كما أميلتَ الألفُ في حبارى، وحبالى، ونحو ذلك.
ومن لا في قولِ ذى الرّمّة:
خليلىّ هل من حيلةٍ تعلمانها يدنيّكما من وصلِ مىّ احتيالها
فنحتالها أولا فإلاّ فلم نكنْ بأوّل راجٍ حيلةً لا ينالها
التقدير: أولا تعلمانها.
فأمّا قوله: فإلاّ فلمَ نكنْ فالتقدير: فإنْ لا تعلما فلم نكنْ، فحذف الفعلَ بعد إن كما حذف في قوله: إن حقّا وإن كذبا.
ومثل ذلك فى حذف الشرط بعد لا قولهُ:
[ ٥٩ ]
أقيموا بنى النّعمان عنّا صدوركم وإلاّ تقيموا صاغرين الرّءوسا
تقديره: وإلاّ تقيموا تقيموا، فحذفَ الفعلَ بعد لا، من حيث كان شرطًا، لا من حيثُ حذف بعد قوله في أولا والمثبتُ هو الجزاءُ، ومن ذلك قول الكميت، أو غيره:
أأسلمُ ما تأتى به من عداوةٍ وبغضٍ لهم لا جيرِ بل هو أشجبُ
تقديره: لا أسلمُ، أي لا هو أسلمُ، فحذفَ المبتدأ، وجعل لا بدلًا منه، كما ومثلُ ذلك قولهم: أزيدُ عندكَ أم لا؟ ومن ذلك قولُ ابن أحمر:
وجردٍ يعلهُ الداعى إليها متى ركبَ الفوراسَ أو متى لا
مقل قوله:
وإلاّ تقيموا صاغرين الرءوسا
[ ٦٠ ]
قولُ الأحوص:
فطلقها فلستَ لها بكفءٍ وإلاّ يعلُ مفرقكَ الحسامُ
[ ٦١ ]
باب من