وبين غيرهما بالأجنبي
قال الفرزدق:
وما مثله في الناسِ إلا مملَّكًا أبو أمَّه حيٌّ أبوه يقاربهْ
تقديره: وما مثله في الناس حي يقاربه إلا مملكًا أبو أمه أبوه، ففصل بين المبتدأ والخبر، اللذين هما أبو أمه أبوه بحي، وهو أجنبي منهما، وفصل بين الصفة والموصوف اللذين هما حي يقاربه، بقوله: أبوه، وهو أجنبي منهما، ومثل ذلك من الفصل بالأجنبي قول الفرزدق:
لبسنَ الفرندَ الخسروانيَّ فوقه مشاعرَ من خزِّ العراقِ المفوَّفُ
[ ٢٦٧ ]
التقدير: لبسن الفرند الخسرواني، مشاعر فوقه من خز العراق المفوف.
يجوز في قياس العربية أن يقال: فوقها وفوقه، فإن قال: فوقها؟، جعل الضمير للمشاعر. المعنى: لبسن الفرند الخسرواني، مشاعر فوقها، أي فوق المشاعر، فإذا أنشد كذلك، فأريد: فوقها المفوف من خز العراق، كان المفوف رفعًا بالظرف، كالأبيات التي تقدم ذكرها.
وإن أنشد فوقه أي فوق الفرند المفوف، كان ارتفاع المفوف، على الخلاف، وفي كلا الوجهين قد فصل بالأجنبي، ألا ترى أن المشاعر أجنبي من فوقه، ومما بعده.
فأما قوله: من خز العراق، فيجوز في قياس قول أبي الحسن أن يكون موضع الجار والمجرور رفعًا بأنه فاعل، ويكون المفوف وصفًا محمولًا على الموضع، ألا ترى أن موضع الجار والمجرور، رفع بأنه فاعل، ومثل ذلك قول لبيد:
طلب المعقب حقه المظلوم
[ ٢٦٨ ]
ويجوز أن يكون قوله: من خز العراق، وصفًا لموصوف محذوف، كأنه ثياب من خز العراق، فإذا كان كذلك أمكن أن يكون المفوف بدلًا من شيئين، أحدهما الضمير الذي في الظرف، الذي هو من خز العراق، والأخر أن يكون بدلًا من المحذوف من اللفظ، على حد قوله تعالى: (إِلَىَ صِرَاطٍ مّسْتَقِيمٍ. صِرَاطِ اللهِ).
ويجوز أن يكون: من خز العراق تبينًا، كقوله: (وَأَنَاْ عَلَىَ ذَلِكُمْ مّنَ الشّاهِدِينَ) و(إِنّي لَكُمَا لَمِنَ النّاصِحِينَ).
ويجوز أن تقول: فوقه المفوف من خز العراق، فتجعل من خز العراق متعلقًا بمحذوف، يصير في موضع الحال، فتقدمه على ذلك، والعامل في الحال فوقه، ولا يكون العامل فيها ما في الصلة؛ لأنه حينئذ لا يجوز فيه التقديم.
وأما قول الآخر لجرير:
غضبتَ علينا أن علاكَ ابنُ غالبٍ فهلاَّ على جدَّيكَ إذْ ذاك تغضبُ
هما حين يسعى المرءُ مسعاةَ أهلهِ أناخا فشدَّاكَ، العقالُ المؤرَّبُ
فقوله: حين يسعى المرء مسعاه أهله يجوز في وجه أن يكون فصلًا بين المبتدأ وخبره بالأجنبي، وذلك إذا جعلت العقال المؤرب خبر المبتدأ، كأنه قال: هما العقال
[ ٢٦٩ ]
المؤرب، فعلى هذا قد فصل بينهما بالأجنبي منهما، وذلك أن قولنا أناخا فشداك اعتراض، وحين يسعى المرء متعلق به، فقد فصل بينهما بما هو أجنبي من المبتدأ والخبر.
فإن قلت: إن الفصل بالظرف لا ينزل منزلة كانت زيدًا الحمى تأخذ؛ لأن الظرف قد استجيز فيه من الاتساع [في الفصل] ما لم يستجز في غيره، ألا ترى أنه قد جاء:
فلا تلحني فيها فإنَّ بحبِّها أخاكَ مصابُ القلبِ جمٌّ بلابلهْ
ففصل بقوله: بحبها بين إن واسمها، ولو كان مكان الظرف غيره لم يجز ذلك، ولم يحمل النحويين الظرف في ذلك على: كانت زيدًا الحمى تأخذ.
فالقول أن قوله: حين يسعى المرء مسعاه أهله ليس كقوله: بحبها، في قوله: فإن بحبها، ألا ترى بحبها متعلق بمصاب، كأنه قال: فإن أخاك مصابُ القلب بحبها، فالظرف متعلق بالخبر، كما أن زيدًا متعلق بالخبر، الذي هو تأخذ.
وقوله: حين يسعى المرء مسعاة أهله ليس بمتعلق بالخبر، الذي هو العقال المؤرب، إنما يتعلق بالاعتراض الموقع بين المبتدأ وخبره، فهو إذًا أجنبي منهما.
ويجوز أن تجعل قوله: أنا فشداك خبر المبتدأ، الذي هو قوله: هما، فإذا جعلته كذلك، لم يكن فصلًا بالأجنبي، ولكنه مثل: زيد في الدار قام، وزيد عمرًا ضرب.
فإن قلت: فكيف يكون قوله: العقال المؤرب على هذا؟
فالجواب: انه يكون بدلًا من ضمير التثنية في أناخا، ولا يمتنع وإن كان
[ ٢٧٠ ]
مفردًا، أن
يبدل من المثنى، كما لم يمتنع، وإن كان مفردًا، أن يكون خبرًا لقوله: هما المثنى، والمعنى انهما منعاه من أن ينال المكارم والمساعي؛ لضعتهما وقصر باعهما عنها، كما يمنع العقال المؤرب، من النفاذ والتصرف، فعلى هذا جاز أن يكون خبرًا عن المثنى، وغن كان مفردًا.
وأنشد أبو زيد:
فخيرٌ نحن عندَ الناسِ منكمْ إذا الدَّاعي المثوِّبُ قال يالا
قال أبو عمر: كان أبو الحسن يزعم أن ذلك لا يجوز في الكلام، لن منكم من صلة خير، والقول في ذلك أنك إذا قدرت نحن ابتداء، وخير خبره، لم يجز في الكلام، ذلك لأنك تفصل بين الصلة والموصول، بالأجنبي منهما، وإن قدرت ارتفاع خير بالابتداء، وجعلت نحن مرتفعًا به، وإن لم يعتمد على شيء، فإنه لايقبح الفصل، ولم يكن الفاعل في هذا كالابتداء، لن الفاعل بمنزلة جزء من الفعل، ألا ترى أن سيبويه أجاز: ما رأيت رجلًا أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد.
[ ٢٧١ ]
إذا رفع الكحل بأحسن، ولو رفع فقال: ما رأيت رجلًا أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد، فرفع الكحل بالابتداء، لم يجز الفصل بينهما [بالابتداء]، كما أجاز الفصل بينهما بالفاعل.
وقد يمكن أن يكون نحن التي بعد خير تأكيدًا للضمير، الذي في خير، وأن يكون خير خبرًا لمبتدأ محذوف، وهو نحن، فلا يكون حينئذ أيضًا فصلًا بأجنبي، ومن ذلك قول الهذلي:
وكأنَّ سفُّودين لمَّا يقترا عجلاَ له بشواءِ شربٍ ينزعُ
قد فصل بين الفعل ومفعوله، بخبر السفودين، الذي هو عجلا له، ألا ترى أن المعنى: وكأن سفودين لما يقترا بشواء شرب ينزع، عجلًا له، ففصل بين الفعل،
وما يتعلق به، من الجار، بالخبر الذي هو عجلًا له.
وإن قلت: إن قوله: بشواء شرب متعلق بمحذوف، دل لما يقترا عليه، ولا يكون متعلقًا بهذا الظاهر، كما أن دارها، في قوله:
لسنا كمنْ حلت إياد دارها
[ ٢٧٢ ]
متعلق بمحذوف، دل عليه الفعل المتقدم، فهو وجه. وإن لم تقدر ذلك كان وجهًا؛ لأنه قد جاء من ذلك في الشعر ما لايتجه إلا على الفصل، نحو ما تقدم ذكره.
فأما ما رواه السكرى، عن أبي عثمان، من قول أبي الأسود:
فقام إليها بها ذابحٌ ومن تدعُ يومًا شعوبُ يجيها
فظلَّتْ بأعضائها قدرها تحشُّ الوليدةَ أو تشتويها
[ ٢٧٣ ]
فليس من هذا الباب؛ لأن أبا عثمان حمله على: كانت زيدًا الحمى تأخذ، إلا أنه لما جعل الضمير للقصة أنث، وفي التنزيل: (فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الّذِينَ كَفَرُواْ).
[ ٢٧٤ ]
باب