اللاحقة بعد الواو والياء في الجمع حرف إعراب
أنشد أبو زيد:
دعاني من نجدٍ فإنّ سنينهُ لعبنَ بنا شيبًا وشيبننا مردا
وأنشد أيضا:
سنيني كلّها لاقيتُ حربًا أعدّ مع الصلادمة الذّكورِ
وأنشد بعض البغداديين، لشاعر، في حذيفة بن بدرٍ:
ولقد ولدتَ بنينَ صدقٍ سادةً ولأنت بعد الله كنت السيدا
وقال:
وماذا يدري الشعراء منّي وقد جاوزتُ رأسَ الأربعين
[ ١٥٨ ]
اعلم أن هذه النون إذا جعلت حرف الإعراب، صارت ثابتةً في الكلمة، فلم تحذف في الإضافة، كما كانت تحذف قبل، كما لا تحذف نون فرسن، وضيفن، ورعشن، ونحو ذلك من النونات التي تكون حرف إعراب، وإن كانت زائدة، ويكون حرف اللين قبلها الياء، ولا يكون الواو، لأن الواو تدل على إعراب بعينه، فلم يجز ثباتها؛ من حيث لم يجز ثبات إعرابين في الكلمة؛ ألا ترى أنهم إذا نسبوا إلى رجلان ونحو ذلك من التثنية، حذفوا، فقالوا: رجليٌّ، مع أن الألف قد لا تدل على إعراب بعينه؛ لأن قومًا يجعلون حرف الإعراب في الأحوال الثلاث ألفًا،
فإذا حذفوا ذلك، مع أنهم قد جعلوها بمنزلة الدال فيه، لا تكون لإعراب مخصوص، فأن لا تثبت الواو الدالة على إعراب مختص أولي.
فأما من أجاز ثبات الواو في هذا الضرب من الجمع، وزعم أن ذلك يجوز فيه، قياسًا على قولهم: زيتونٌ، فقوله في ذلك يبعد من جهة القياس، مع أنا لم نعلمه جاء في شيء عنهم، وذاك أن هذه الواو لم تكن قط إعرابًا، ولا دالة عليه، كما كانت التي في مسلمون، فالواو في زيتونٍ كالتي في منجنون، في أنه لم يكن إعرابًا قط، كما أن التي في منجنون كذلك، وعلى ما ذهب إليه الناس، جاء التنزيل، وهو قوله تعالى: (وَلاَ طَعَامٌ إِلاّ مِنْ غِسْلِينٍ)، لما صارت النون حرف إعراب، صار حرف اللين قبله الياء، وقال:
[ ١٥٩ ]
(لَفِي عِلّيّين وَمَآ أَدْرَاكَ مَا عِلّيّونَ)، فأما قوله:
ولها بالماطرون إذا أكلَ النّملُ الذي جمعا
فأعجمي، وليست الواو فيه إعرابًا، كالتي في سنين.
فأما ثبات الياء في سنين، وفلسطين، وقنسرين، فإنهما لما لم تدل على إعرابه بعينه، أشبهت التي في شمليل، وقنديل، ولذلك ثبتت في النسب، ولم تحذف، كما حذف ما يكون [في] ثباته في الاسم اجتماع علامتين للإعراب، وقد كثر هذا الضرب في الجمع، حتى لو جعل قياسًا مستمرًا، كان مذهبًا، فمن ذلك ما جاء من قول الطرماح:
ترى أصواؤه متجاوراتٍ على الأشرافِ كالرفق العزين
وقال:
خلتْ إلا أياصرَ أو نؤيًا محافرها كأسرية الأضين
[ ١٦٠ ]
يريد جمع أضاةٍ، وقال:
حسانُ مواضع النّقب الأعالي غراثُ الوشحِ صامتة البرين
وهو جمع برةٍ، وقال في وصف القطاة:
ترى لخلوق جلّتها أدواى مولعةً كتوليع الكرين
[ ١٦١ ]
وأما قول الشاعر:
يمرّون بالدّهنا خفافًا عيابهمْ ويخرجنَ من دارينَ بجرَ الحقائب
فإنه يحتمل ضربين: أحدهما أن يكون أعجميًا، [فيكون] كهابيل، وحاميم، والآخر: أن يكون عربيًا، فيكون فعلين. فإذا جعلته فعلين، احتمل أمرين، أحدهما أن يكون مثل غسلين، إلا أنه لم يصرف؛ لأنه اسم بلدةٍ، أو بقعة، والآخر أن يكون مثل عليين، والدليل على جواز كنه مثل عليين، قول كثيرٍ:
أفيدَ عليها المسكُ حتى كأنّها لطيمةُ داريّ يفتّق فارها
وقد جاء في الشعر، مسك دارين، قالك
مسايح فودى رأسه مسبغلةٌ جرى مسكُ دارين الأحمُّ خلالها
فداريٌّ يدلُّ على أن دارين كعليين.
ومن قال: فلسطين، قال: دارينيٌّ.
والبيتان جميعًا لكثير، فقد جعله بمنزلة قولهم: فلسطون.
[ ١٦٢ ]
باب