وما أجرى من الملحق مجرى اللام
قال الشاعر:
هجوتَ زبَّانَ ثم جئتَ معتذرًا من هجو زبَّان لم تهجو ولم تدع
وقال آخر:
ألم يأتيك والأنباء تنمى بما لاقت لبونُ بني زيادِ
وقال آخرُ:
ما أنس لا أنساه آخر عيشتي ما لاح بالمعزاءِ ريعُ سرابِ
[ ٢٠٤ ]
هذه الحروف تحذف في موضع الجزم، في الكلام والاختيار، كما حذفت النون له، في التثنية والجمع، وفعل الواحد المؤنث المخاطب، وربما لم تحذف في الشعر، فقدر الشاعر، في الواو والياء الحركة، كالأبيات التي قدمناها، وتشبه الألف بالياء، في نحو: لا أنساه في البيت، ونحو قوله:
إذا العجوز غضبتْ فطلَّق ولا ترضَّاها ولا تملَّقِ
وحكى بعض البغداذيين: أسويت زيدًا، إذا جعلته إسوتى، وهذا لا يجوز أن يكون أفعلته [من الإسوة، ولكن فعليته، نحو: جعبيته، وسقليته، ويجوز أن يكون أفعلته] من التسوية والسواء.
[ ٢٠٥ ]
ويدل على تقديره الشاعر: الحركة في الياء والواو، وحذفها في الضرورة، أن سيبويه زعم أن أعرابيًا من أفصح الناس، من كليب، أنشد لجرير.
فيومًا يوافينى الهوى غير ماضي ويومًا ترى منهنّ غولًا تغوَّلُ
فأما قوله تعالى: (سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىَ) فعلى الخبر، وليس بنهي، وكذلك قوله جل وعز: (وَلِتَصْغَىَ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالاَخِرَةِ) وأبو الحسن يحمله على أن
المعنى: ولتصغين، وأنشد:
إذا قال قدنى قلتُ بالله حلفةً لتغنى عنَّى ذا إنائكَ اجمعا
وقد أنشدوا عن الكسائى:
أبا واصلٍ فاكسوهما حلَّتيهما فإنّكما إن تفعلا فتيانِ
بما قامتا إن تغلواكم فغاليا وإن ترخصا فهو الذي تردان
[ ٢٠٦ ]
القول في قوله: فاكسوهما حليتهما أنه يحتمل أمرين:
أحدهما أن يكون أراد الوقف على مثال الأمر المسند إلى الواحد، فأثبت ولم يحذف، كما لو يحذف من قوله: لم تهجو.
والآخر: أن يكون قد خاطب الواحد، وصرف الخطاب بعد إلى الاثنين، اللذين في قوله: فإنكما إن تفعلا، وجعل الاثنين جمعًا، ومثل مخاطبة الواحد، وتوجيه الخطاب بعد إلى غيره، قوله تعالى: (يَأيّهَا النّبِيّ إِذَا طَلّقْتُمُ النّسَآءَ)، ومثل الاثنين اللذين يجعلان جمعًا قوله تعالى: (قَالُواْ لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ)، فالواو على هذا في اكسوهما واو ضمير، وليست اللام، كالتأويل الأول، ومثل الاثنين اللذين جعلا على لفظ الجمع، قول الأسود بن يعفر:
أتانى من الأنباءِ أنّ مجاشعًا وآل فقيمٍ والكراديسَ أصفقوا
زعموا أن الكراديس: معاوية وقيس ابنا مالك بن زيد مناة بن تميم، يقال لهما: الكردوسان، فسماهما الكراديس.
وقوله: فهو الذي تردان، وحذف حرف اللين منه، فغن ذلك ليس بلحن، وذلك أن هذه الحروف، وإن كانت أصولًا في الكلم، فهي تشه الزيادة، ألا ترى أن الواو التي هي لام [الفعل] في قوله: لا يسلو بمنزلة المدة التي في التعانيق والثجل،
[ ٢٠٧ ]
والياء في منزلي، بمنزلة الياء في ينسلى فيمكن جعله ينفعل من سلا، والألف في نحو آدم، وآخر، بمنزلة الألف، في: ضارب، والألف في مرامي، بمنزلة اللف في
حبارى، ومن ثم قال الخليل، في أفعل من اليوم: أووم، فجعلها بمنزلة اللف في سوير.
وقال أبو عثمان: قياس قوله أن تكون الهمزة بعدها بين بين فلما أشبه الزائد حذفه، كما حذف الزائد وكأنهم حذفوا هذا، كما زادوا في نحو: الدراهم والمراجيل، لما رأوا القبيلين قد استويا، في كثير من المواضع، وما يثبت ذلك قول الأسود:
وأتبعت أخراهمْ طريق ألاهمُ كما قيل نجمٌ قد خوى متتايعُ
ألا ترى انه حذف الواو، التي هي عينٌ، مع أنها لم تنقلب إلى غيرها، فإذا استجاز ذلك، كان ما انشد عن الكسائي أجوز، لن الحرف قد انقلب فيه عن الأصل، فصار لذلك أشبه بالزائد.
[ ٢٠٨ ]