قال عدي بن زيد:
وحبيٍّ بعد الهدوِّ تهادي هِ شمالٌ كما يزجَّى الكسيرُ
وسطهُ كاليراع أو سرجِ المج دلِ حينًا يخبو وحينًا ينير
القول في ذلك أن وسطه يجوز أن ينشد على وجهين، أحدهما أن يرفع، فيقال: وسطه كاليراع، فيجعل الوسط الذي هو ظرف، اسمًا في الشعر، كما قال الفرزدق:
أتتهُ بمجلومٍ كأنَّ جبينه صلاءةُ ورسٍ وسطها قد تفلَّقا
[ ٢٥٤ ]
فرفعه بالابتداء، وقال القتال الكلابي:
سائلْ ربيعةَ هل رددتَ لقاحها والخيلُ مقعيةٌ على العقابِ
من وسطِ جمعِ بني قريطٍ بعدما هتفتْ ربيعةُ يا بني جوَّابِ
فأسكن العين مع دخول الجار عليه.
فإذا رفع وسطًا، احتمل [الكاف] أمرين، أحدهما أن يكون ظرفًا، كالتي في قولك: جاءني الذي كزيد، ومن رأى أن يجعلها اسمًا في الكلام، جعلها هنا أيضًا اسمًا.
[ ٢٥٥ ]
وإن نصب وسطه على الظرف، كان موضع الكاف رفعًا بأنها فاعلة بالظرف، ولا يجوز أن يكون رفعًا بالابتداء، ومما جاء الكاف فيه رفعًا بأنها فاعلة قول أوس:
علا رأسها بعدَ الهبابِ وسامحتْ كمحلوجِ قطنٍ ترتميه النَّوادفُ
وقال آخر:
فوا عجبًا إنَّ الفراقَ يروعني به كمناقيش الحليِّ قصارُ
وقال الأعشى:
أتنتهون ولن ينهي ذوي شططٍ كالطَّعنِ يهلكُ فيه الزَّيتُ والفتلُ
فالكاف في هذه البيات فاعلة.
[ ٢٥٦ ]
وأما ما أنشده أحمد بن يحيى، من قول الشاعر:
بيننا كذاك رأينني متلفعًا بالبردِ فوقَ جلالةٍ سرداحِ
فإنه أضاف بيتًا إلى الكاف، كما تضاف إلى المصدر في قوله:
بينا تعانقهِ الكماةَ وروغهِ يومًا أتيحَ له جريءٌ سلفعُ
وكما أضيف مثل إليها في قوله:
فصيروا مثل كعصف مأكول
[ ٢٥٧ ]
ولا يكون الحرف؛ لأن الاسم لا يضاف إلى الحرف، وينبغي أن تجعل الكاف بمنزلة مثل، في أنها تدل على أكثر من واحد، كما أن مثلًا كذلك، في نحو قوله ﷿: (إِنّكُمْ إِذًا مّثْلُهُمْ) لأن بين تضاف إلى أكثر من واحد. ويجوز أن تكون [الكاف] زائدة، كزيادتها في قوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)، وذاك منجرة بها، والمعنى الإضافة إلى ذاك، وقد أضيف بين إلى المبهم المفرد، في نحو قوله سبحانه: (عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ).
فإن قدرت الإضافة إلى الفعل الذي هو: رأينني، كما أضافه الأخر إليه، في قوله:
[ ٢٥٨ ]
بينا أنازعهم ثوبي وأجذبهمْ إذا بنو صحفٍ بالحقِّ قد وردوا
وكما أضيفت إلى التي من الابتداء والخبر، في قوله:
بينا نحنُ نطلبه أتانا معلِّقَ وفضةٍ راعِ
وفصلت بين المضاف والمضاف إليه بالظرف، فهو وجه.
وقول الآخر:
رأتني كأفحوصِ القطاةِ ذؤابتي وما مسَّها من منعمٍ يستثيبها
إن قلت: اجعل الكاف بمنزلة مثل، فأرفع بها، كما أرفع بمثل، فليس بالسهل؛
[ ٢٥٩ ]
لأنها ليست على ألفاظ الصفات، ولكن يجوز أن تجعل ذؤابتي مبتدأ، والظرف خبرًا له مثل: في الدار زيد، ومن رفع بالظرف، كان ذؤابتي مرتفعة بالظرف. ويجوز أن
تجعل ذؤابتي بدلًا من ضمير المتكلم؛ لأنها بعضه، فيكون بمنزلة: ضربت زيدًا رأسه، ثم تكون الكاف بعد ذلك على ضربين:
إن جعلت رأيتُ من رؤية العين، كانت الكاف في موضع نصب على الحال، وإن جعلتها التي بمعنى العلم، كانت في موضع المفعول الثاني.
فكما أن الكاف في الأبيات التي تقدمت، فاعلة، كذلك الكاف في قوله: وسطه كاليراع فاعله بذلك؛ لأن الظرف في موضع صفة، فترتفع الكاف بالظرف، ومن ذلك قول الشماخ:
وماءٍ قد وردتُ لوصلِ أروى عليه الطَّيرُ كالورقِ اللَّجينِ
أما الطير فيرتفع بالظرف بلا خلاف.
وأما قوله: كالورق اللجين فإنه يحتمل ضربين، أحدهما أن يكون حالًا من الطير، والآخر: أن يكون وصفًا للماء، تقديره: وماء كالورق اللجين وردته لوصل أروى، عليه الطير، ومثل قوله: وماء كالورق اللجين في المعنى، قول علقمة:
فأوردته ماءً جمامًا كأنَّه من الأجنِ حنَّاءٌ معًا وصبيبُ
[ ٢٦٠ ]
فكما شبه خثورة الماء؛ لتقادم عهده بالورادة، وللأجون بالحناء، كذلك شبهه الشماخ بالورق اللجين.
وقوله: عليه الطير على هذا، قد حذف منه المضاف، ومثل ذلك قول الهذلي:
تجيلُ الحبابَ بأنفاسها وتجلو سبيخَ جفالِ النُّسالِ
السبيخ: ما نسل من ريش الطير.
وقال الأعشى:
وقليبٍ أجنِ كأنَّ من الرِّي شِ بأرجائه سقوطَ نصالِ
وقال العجاج:
غيايةً غثراءَ من أجنِ طالْ
[ ٢٦١ ]
وإن جعلت قولك: كالورق اللجين حالًا للطير، صار فيه ضميره، ويكون معنى عليه الطير أن الطير اتخذت فيه الأوكار؛ لخلائه وكثرتها عليه، [وقلة من يرده فالطير لكثرتها عليه]، وتكابسها فيه، كالورق اللجين، ومثل ذلك في المعنى [قول الراعي]:
بدلوٍ غيرِ مكربةٍ أصابتْ حمامًا في جوانبه فطارا
كأنه استقى بسفرةٍ، فلذلك لم تكن مكربة، والطير قد اتخذت فيه الوكار للخلاء.
فقوله: كالورق اللجين، مثل قولك: صائدًا به وصائد به بعد قولك: مررت برجل معه صقر صائد به فجعله مرة حالًا من الهاء، في معه، وأخرى صفة لرجل.
[ ٢٦٢ ]
ومثل ذلك فيما ذكرناه قوله:
ربَّما تكره النُّفوسُ من الأم رِ له فرجةٌ كحلِّ العقالِ
ومن ذلك قول الشماخ:
وإرثِ رمادٍ قد تقادمَ ماثلٍ ونؤيينِ في مظلومتينِ كداهما
[ ٢٦٣ ]
فكداهما في موضع رفع؛ ألا ترى أن الظرف وصف للمثنى؛ من حيث كان منكورًا، وذكرهما مما ارتفع به عائدًا إليهما. وقال المرار الفقعسي:
وصارتْ شميطًا كلُّ وجناَء حرَّةٍ لها تحتَ مجرى الأخدعينِ حميمُ
فحميم في البيت مرتفع بالظرف؛ لأنك إن جعلت قوله: لها لكل، أو لوجناء، أو لحرة، كان صفة له، وكل ما ذكرنا مما يجوز أن يكون الظرف وصفًا له، نكرة.
فأما تحت مجرى الأخدعين فهو ظرف لقولك: لها، ولا شيء فيه. ويجوز أن تجعله وصفًا لحميم، فلما
قدمته عليه صار موضعه نصبًا على الحال، ومن ذلك قول الطرماح:
فلمَّا غدا استذرى له سمطُ رملةٍ لحولينِ أدنى عهدهِ بالدَّواهنِ
[ ٢٦٤ ]
ويروى: سيد قفرة، وأدنى مرتفع بالظرف، لأن ما قبله منكور، فأما قوله:
كأنَّهمُ صابتْ عليهم سحابةٌ صواعقها لطيرهنَّ دبيبُ
فارتفاع دبيب على الخلاف، ولو كانت صواعق نكرة، ارتفع دبيب بالظرف.
ويحتمل قوله: صواعقها ضربين من الإعراب، أحدهما أن يكون بدلًا من
[ ٢٦٥ ]
السحابة؛ لاشتمالها عليها، كأنه قال: صواعق سحابةٍ. ويجوز أن يرتفع بالابتداء، ولطيرهن دبيب في موضع الخبر، والمعنى أن الطير تدب، فلا تطير، من خوف الصاعقة، ومثله في المعنى قول ابن أحمر:
وأفلتُّ من أخرى تقاصرَ طيرها عشيَّةَ أدعو بالسَّتارِ المقيَّرا
تقاصر طيرها: أي تقاصرت عن الطيران.
والمقير: رجل، وقيل: جبل.
وأخرى: يريد داهية أخرى.
وقال: لطيرهن دبيب، والطير: جمع طائر، ولكل طائر دبيب، فأفرد دبيبًا، ولم يجمعه؛ لأنه مصدر.
[ ٢٦٦ ]
باب