اعلم أن أبا الحسن قال في قول الراجز:
خالط من سلمى خياشم وفا
إن التقدير: وفاها، فحذف المضاف إليه، وكذلك قال في قولهم: لتيس غير؛ إن التقدير: ليس غيره.
وحكى بعضهم أن من الناس من قد لحنه، والتلحين ليس بشيء؛ لاحتماله ما قال أبو الحسن.
وفيه قول آخر: وهو أنه جاء به على قول من لم يبدل من التنوين الألف في النصب، ولكن جعل النصب؛ في أن لم يبدل من التنوين فيه الألف، كالجر والرفع، كما جعلوا النصب في نحو:
كفى بالنَّأي من أسماء كاف
[ ١١٠ ]
مثل الجر والرفع، فكذلكم جعل النصب مثلهما في نحو قوله:
وآخذ من كلِّ حيٍّ عصمْ
وهذه اللغة - وإن لم يحكها سيبويه - فقد حكاها أبو الحسن وغيره، ووجهها من القياس ما أعلمتك.
فإذا جاز أن يقدر على هذه اللغة، قدرناه عليها، فكانت الألف في الكلمة التي هي بدل من عين الفعل، وجاز ذلك؛ لأنه ليس يبقى الاسم المتمكن على حرف؛ ألا ترى أن الألف منقلبة عن العين، فصار في ذلك كالأسماء التي لما أمن لحاق التنوين بها، جاز أن تبقى على حرفين؛ أحدهما حرف لين، كقوله: ذو، التي في المعنى الذي وذا وتا، ونحو ذلك مما جاء على حرفين، أحدهما حرف لين، لما لم يكن مما يلحقه التنوين.
[ ١١١ ]
فكذلك قوله: خياشيم وفا لا يمتنع أن يكون على حرفين، أحدهما حرف لين، على الوجه الذي ذكرنا.
واعلم أنه لايجوز أن تقول: كسرت فاي، كما تقول: رأيت فاك؛ لأن الفاء إنما تتبع العين، فكما أن العين إذا كانت في موضع جر انقلبت ياء، كذلك إذا كانت في موضع كسر؛ ألا ترى أنه لا فصل في اللفظ بين الكسر والجر، في قولك: مررت لغلامك، ورأيت غلامي، فكذلك لا يكون بين: كسرت في، ووضعته في في، لكونه في الموضعين في موضع كسرة، وعلى هذا القياس أنشدوا:
ومنا لقيط وابنماه وحاجب
فتحوا النون؛ لانفتاح الميم؛ لمجاورة الألف، كما اتبعت الفاء، ومن في، في النصب، في قولك: كسرت في، حركة عين الإعراب، في نحو: رأيت غلامي، كما أتبعته حركة الإعراب.
واعلم أن ما ذهب إليه؛ من أن قولهم: م الله، إنما هو محذوف من: أيمن الله، يتجه على أن الياء قد حذفت، كما حذفت الواو؛ لأنهما يتفقان في الإعلال، في مواضع، فلما حذفت سقطت همزة الوصل، وحذفت النون، كما حذفت في دد؛ لأنها توافق
[ ١١٢ ]
حروف الاعتلال، في أشياء كثيرة. وجاز الحذفان؛ لأنهما ليسا على التوالي، فيكره، وهذا في الاسم مثل عه، وشه، فبقي الاسم على حرف واحد.
ووجه بقائه على حرف واحد، أن الإضافة تلزمه، ولا يستعمل وحده، فجاز لذلك، كما جاز عند الجميع بقاء الاسم على حرفين، أحدهما حرف لين؛ من أجل الإضافة، أو علامة التأنيث، في نحو: شاة، ولاة.
فلما جاز عند الجميع بقاء الاسم على حرفين؛ أحدهما حرف لين، من أجل الإضافة، وإن لم يكن ذلك في الإفراد، كذلك جاز بقاؤه على حرف واحد من أجل الإضافة؛ ألا ترى أن كون الاسم على حرفين، أحدهما حرف لين؛ في أنه غير موجود إلا في الإضافة، أو ما في حكمها، كبقاء الاسم على حرف واحد؛ في أنه ليس إلا في الإضافة.
وما ذهب إليه من ذلك، أولى من قول من قال إنه محذوف من من الجارة؛ ألا ترى أن الحروف لا تحذف، وأن من حذف: ولاك اسقني إنما حذفه لالتقاء
[ ١١٣ ]
الساكنين في الضرورة، على التشبيه ب (أحَدُ اللهُ)، ولا ذاكر الله، وهذا في الكلام، وليس في الشعر، فليس حذفه إذًا لالتقاء الساكنين، ولكن على حد دد.
والحذف في الكلام إذا كان موضعًا تتحرك فيه النون، لا تحذف، فكذلك لو كان من م الله إنما حذف للالتقاء الساكنين، وجب ألا تحذف؛ لأنه موضع تتحرك فيه، كما لم يحذف من (لَمْ يَكُنِ الّذِينَ كَفَرُواْ)، فأما قوله:
لم يكُ الحقُّ على أن هاجهُ
[ ١١٤ ]
فشعر، وليست من الحروف التي يحذف منها؛ لأنها ليست بمضاعفة.
فإذا كان كذلك، كان حلمه على أنه من التي في من ربي لا يسوغ لأمرين؛ أحدهما أنمه قد حذف ما لا يحذف مثله، والآخر أنه استعمل الحرف مضمومًا، في غير الموضع الذي استعملوه فيه؛ ألا ترى أنه زعم أنه لا يستعمل ذلك إلا في هذا الاسم وحده، يعني في من ربي في القسم.
واعلم أن القول في أدل، وأجر، وأحق، وقلنس: أن الواو أبدلت ياء، في هذا النحو، لما كانت تغلب عليه الياء في الإضافة إلى المتكلم، فلما أبدلت ياء، أبديت من الضمة الكسرة، كما أبدلت منها، في مرمى، لما أبدلت واو مفعول ياء؛ لإدغامها في الياء،
[ ١١٥ ]
ومن زعم أن قول الشاعر:
قدرٌ أحلَّك ذا المجازِ وقد أرى وأبيَّ مالكَ ذو المجاز بدارِ
إنما رد الواو التي هي لام الفعل في الإضافة إلى الياء، كما رده مع الكاف، في نحو: أبوه، وأبوك، فليس بمصيب. وذاك أن هذا الموضع لما كان يلزمه الإعلال بالقلب، وقد استمر فيه الحذف، أمضى ذلك فيه، ولم يرد فيه ما كان يلزمه الإعلال له.
وإنما أبي جمع، مثل عشري، يدلك على ذلك قول الشاعر:
وقد شئيتْ بها الأقوامُ قبلى فما شئيتْ أبيَّ ولا شئيتُ
وقد أنشدوا قول الشاعر:
[ ١١٦ ]
أبي جوده لا البخلَ واستعجلتْ به نعمْ من فتىً لا يمنع الجودَ قاتلهْ
على ضربين: لا البخل، ولا البخل، بالجر، والجر قول أبي عمرو، فيما رواه يونس، عنه، جعلها مضافة إليه؛ لن لا قد تكون للجود، وللبخل، ألا ترى أنه لو قال: امنع الحق واحرم المساكين، فقال: لا، كان هذا جودًا.
فاما بقاؤهما على حرفين، فمثل: رأيت فازيد، وذا مال.
[ ١١٧ ]