قال لبيد:
قلَّ ما عرَّس حتَّى هجتهُ بالتباشير من الصُّبح الأولْ
أعلم انهم قالوا: أقل رجل يقول ذاك، وأقل امرأة تقول ذاك، وأقل امرأتين تقولان ذاك، فحملوا الصفة فيه على المضاف إليه أقل، لا على أقل.
فإن قال قائل: ما موضع يقول ذاك ويقولان ذاك.
فالقول فيه أن موضعه جر، على ما عليه استعمالهم، ولا يجوز أن يكون رفعًا، لأنه لو كان رفعًا، لكان ينبغي أن يكون محمولًا على أقل، إما أن يكون وصفًا له، أو خبرًا.
فإن قلت: إذا كان أقل مبتدأ، فما خبره؟
فالقول فيه: أنه لا يخلو من أن يكون ضميرًا، متروك الإظهار والاستعمال، كما كان خبر الاسم بعد لولا كذلك، أو يكون قد استغنى عن خبر المبتدأ بالصفة
[ ٩٠ ]
الجارية على المضاف أقل إليه، وصار أقل لا خبر له، لما فيه من معنى النفي، كما أن قلما في قولهم:
صددت فأطولت الصدود وقلَّما وصالٌ على طولِ الصُّدود يدومُ
غير مسند إلى فاعل، لما فيه من معنى النفي، فكما صار قل غير مسند إلى فاعل، كذلك أقل غير مسند إليه خيرٌ، لأن كل واحد منهما قد جرى مجرى صاحبه، ألا ترى انهم قالوا: قل رجلٌ يقول ذاك إلا زيدٌ، كما قالوا: ما رجلٌ يقول ذاك إلا زيدٌ، وقالوا: اقل رجل يقول ذاك إلا زيدٌ، فأبدلوا زيدًا من أقل، وأجروه مجرى: قل رجلٌ يقول ذاك إلاَّ زيدٌ، ألا ترى انه يبدل من رجل المجرور، بل أجرى مجرى: قلَّ رجلٌ.
فأما صفة الاسم الذي يضاف إليه أقل، فإنه يكون فعلًا، أو ظرفًا، لأن الظرف كالفعل والفاعل، ألا ترى انه في صلات الموصولة كالفعل لاستقلال الموصول به.
وقال أبو الحسن: لو قلت: أقل ذي جمة، أو نحو ذلك، لم يحسن.
قال أبو علي: وإنما امتنع هذا، لأن أقل قد جرى مجرى حرف النفي، فلم يظهر له خبر، كما أن قل جرى مجراه، فلم يسند إلى فاعل.
[ ٩١ ]
فإذا علمت أنه قد جرى مجرى حرف النفي، بما ذكرت وبأنهم قالوا: قل رجل يقول [ذاك] إلا زيدٌ، [فجعلوه بمنزلة: ما رجلٌ يقول ذاك إلاّ زيدٌ]، كان قولهم: أقل رجل يقول ذاك أقل فيه بمنزلة حرف النفي، وحرف النفي ينبغي أن يدخل على كلام تام، والكلام التام: الفعل والفاعل، وما حكمهما من الظرف، وليس المبتدأ وخبره مما يجري مجرى الفعل والفاعل هاهنا، ألا ترى أن أبا الحسين يقول: لو قلت: أقل رجلٍ وجهه حسنٌ، لم يحسن، فدل ذلك انهم جعلوا أقل بمنزلة ما وما حقها أن تنفي فعل الحال في الأصل، ويؤكد ذلك أنه صفة، والصفة ينبغي أن تكون مصاحبة للموصوف، فكما لا تدخل ما في نفي الفعل، إلا على فعل وفاعل، وكذلك ينبغي أن يكون الوصف الواقع بعد الاسم المضاف إليه أقل فعلًا وفاعلًا،
أو ظرفًا، لأن الظرف كالفعل، [ألا ترى أن قوله تعالى: (وَمَا بِكُم مّن نّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ) صار دخول الفاء في الخبر للجزاء، كدخولها إذا كانت الصلة فعلًا محضا، كقوله تعالى: (الّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ) ثم قال: (لّهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبّهِمْ) فإن كان كذلك، فلو أوقعت جملة من ابتداء وخبر بعده، لم يحسن، لن ما في الأصل، لا تنفيها، غنما تنفي الفعل، ولو أوقعت صفة لا معنى للفعل فيها، نحو ذات الجمة، وما أشبهه، مما لا يشابه الفعل، لم يجز ولو أوقعت الصفة المشابهة للفعل نحو ضارب وصالح، لم يحسن في القياس أيضًا، ألا ترى أن هذا موضع جملة، واسم الفاعل لا يسد مسد الجملة، ولذلك لم تستقل الصلة به،
[ ٩٢ ]
واسم الفاعل في صفة الاسم المجرور برب، أحسن منه في صفة الاسم المضاف إليه أقل، لأن رب وما انجر به من جملة الكلام، ألا ترى أن الفعل الذي يتعلق به مراد، وإن كان قد يترك من اللفظ، كما أن تتعلق به الكاف، في قولك: الذي كزيد، كذلك فإذا كان كذلك كانت فضلة، والفضلة لا يمتنع أن توصف بالصفات التي لا تناسب الفعل، والتي تناسبه، وليس صفة المضاف إليه أقل كذلك، ألا ترى أقل بمنزلة حرف النفي، كما كان قل كذلك، وحكم حرف النفي أن يدخل على جملة.
ووجه جواز وصف الاسم المضاف إليه أقل بصالح ونحوه: أن هذا الضرب قد أجرى مجرى الجمل، في غير هذا الموضع، ألا ترى أن سيبويه قد أجاز حكاية [عاقلة] لبيبة ونحوها، إذا سمى بها، فجعله في ذلك بمنزلة الجمل، حيث كان في حكمها، من حيث كان حديثًا ومحدثًا عنه، وقد جرى هذا النحو مجرى الفعل والفاعل أيضًا في الأسماء المسمى بها الفعل، وكذلك فيما ذكرنا.
والأقيس فيما انجر برب، أن يوصف بفعل وفاعل [أو اسم فاعل] لأن أصل رب، وإن كان كما ذكرنا، فقد صار عندهم بمنزلة النفي، ألا ترى أنها لا تقع إلا صدرًا، كما أن النفي كذلك، وأن المفرد بعده قد دل على أكثر من واحد، وهذا مما
يختص به النفي ونحوه.
[ ٩٣ ]
فإذا كان كذلك، صار ذلك الأصل كالمرفوض، وصار الحكم لهذا الذي عليه الاستعمال الآن، وقد صار كالنفي، بما لزمه، مما ذكرنا، كما صار أقل رجلٍ، بمنزلة ذلك.
فكما أن حكم صفة المضاف إليه أقل، وان يكون على ما ذكرنا، كذلك حكم ما انجر برب.
ومما يدل على أن أقل متنزل منزلة النفي، امتناع العوامل الداخلة على المبتدأ من الدخول عليه، امتناعها على ما لزمه حرف النفي.
ومما جرى مجرى أقل رجل فيما ذكرنا قولهم: خطيئة يوم لا أصيد فيه، ألا ترى أن الكلام محمول على ما أضيف خطيئة إليه، كما كان محمولًا على ما أضيف أقل إليه، ولم يعد على خطيئة مما بعده ١كر، كما لم يعد على أقل شيء مما بعده.
وقياس خطيئة أن تمتنع العوامل الداخلية على المبتدأ والخبر، من الدخول عليها، كما امتنعت من الدخول على أقل لاتفاقهما فيما ذكرت، وفي المعنى، ألا ترى انه يريد: ما يوم لا أصيد ألا الخطأ، فصار كقولهم: ى أقل من جهة المعنى، ومن جهة حمل ما بعدها على ما أضيفت إليه من دونها.
[ ٩٤ ]
والقياس فيها وفي أقل أن يكون ما جرى بعدهما من الكلام قد سد مسد الخبر، وصار معنى أقل امرأتين تقولان ذاك: ما امرأتان تقولان ذاك، وكذلك خطيئة حمل الكلام على المعنى، فلم يحتج إلى إضمار خبر، كما لم تحتج إليه في قولك:
أذاهبٌ أخواك؟ وما أشبهه.
وأما قول لبيد:
قلَّ ما عرَّسَ حتى هجته
فإن قولهم: قل يستعمل على ضربين، أحدهما: أن يكون بمعنى النفي، لا يثبت به
شيء، والآخر: أن يكون خلاف كثر، يثبت به شيء قليلٌ.
فمن الأول: قولهم: قل ما سرت حتى ادخلها، تنصب الفعل معه بعد حتى، كما تنصب في قولك: ما سرت حتى ادخلها، ومنه: قلما سرت فأدخلها، فتنصب معها بالفعل كما تفعل ذلك بالفاء بعد النفي، ومنه: قل رجلٌ جاءني إلاَّ زيدٌ [كما تقول: ما جاءني إلاَّ زيدٌ]، فهذا في هذه المواضع بمنزلة النفي.
ولو أردت نفي كثر، لجاز الرفع في الفعل حتى، كما تقول: سرت قليلًا حتى أدخلها.
ولو أجرى هذا الضرب مجرى الأول، على معنى أن القليل لم يعتد به لقتلته
[ ٩٥ ]
لكان ذلك قياسًا على كلامهم، ألا تراهم قالوا: ما أدري أأذن أو أقام، فجعل الفعل غير معتد به، والبيت ما قد ثبت فيه التعريس، ولم ينفه البتة، يدلك على ذلك قول ذي الرمة:
زار الخيالُ لمىَّ هاجعًا لعبت به التَّنائفُ والمهرَّيةُ النُّجبُ
معرسًا في بياض الصُّبح وقعتهُ وسائرُ السَّير إلاَّ ذاك منجذبُ
[ ٩٦ ]