مع اتفاق اللفظ
قال الأعشى:
فآليت لا أرثى لها من كلالةٍ ولا من حفى حتى تلاقى محمَّدا
يجوز أن تكون التاء في تلاقى من فعل الغيبة، وفي الفعل ضمير الغائبة، كما تقول: هند تلاقى زيدًا، وأسكن الياء في موضع النصب، نحو:
يا دارَ هندٍ عفتْ إَّلا أثافيها
ويجوز أن تكون التاء لاحقة فعل المخاطب بعد الغيبة، كقوله سبحانه: (إِيّاكَ نَعْبُدُ) بعد الغيبة، وتكون الياء للضمير، والنون محذوفة.
ويجوز أن تكون التاء للمخاطب، والمعنى: حتى ألاقى، إلا أنه نزل نفسه منزلة
[ ١٩٥ ]
المخاطب، كما قال:
وهل تطيقُ وداعًا أيها الرجلُ
وكقوله:
أرمى بها البيدا إذا هجَّرتْ وأنتَ بينَ القروِ والعاصرِ
وغنما يعنى بذلك نفسه، وعلى هذا قراءة من قرأ: (قال أعلم أن الله على كل شيء قدير).
وقول الفرزدق:
يداكَ يدٌ إحداهما النَّيلُ كلَّهُ وراحتك الأخرى طعانٌ تغامرهْ
تكون التاء للمخاطب تغامر أنت أيها المخاطب المطاعنة، ويجوز أن يكون: راحتك تغامر، كما تقول: كتبت يد، وقال تعالى: (فَوَيْلٌ لّهُمْ مّمّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ)،
[ ١٩٦ ]
فكما نسبت الكتابة إلى اليد، دون جملة الإنسان، كذلك ينسب الطعان إلى الراحة، لأنها بها تكون، كما تكون الكتابة باليد.
وقول الهذلي:
زجرتُ لها طيرَ الشَّمالِ فإن تكنْ هواك الذي تهوى يصبك اجتنابها
تقديره: إن تكون هواى الذي تهوى تلك، فقال: هواك، كما قال:
وأناتَ بينَ القروِ والعاصرِ
وقوله: يصبك اجتنابها أي يصيبك اجتناب الطير المزجورة، أي يصيبك ما تكره من زجرها، والمعنى: يصيبني، إلا أنه أخرجه على لفظ الخطاب، كما قال:
هوالك.
والمعنى: إني لا أصرمها، ولا أحول عن ودها، وإن لم تستقم هي لي، ولم تعتقد في هذا الاعتقاد.
ومثل قوله: تهوى في أن التاء للغائب المؤنث، دون المخاطب، قول الحطيئة:
منعَّمةٌ تصونُ إليكَ منها كصونك من رداء شرعبىَّ
أي تصون هي: وليس تصون لك أيها المخاطب، كما أن تهوى في قوله: فإن تكن هواك الذي تهوى ليس لك.
ومثل قول الحطيئة في المعنى، قول ذي الرمة:
رخيماتُ الكلام مبتَّلاتٌ جواعلُ في البرى قصبًا خدالا
[ ١٩٧ ]
ومثله:
لها بشرٌ مثل الحرير ومنطقٌ رخيمُ الحواشي لا هراءٌ ولا نزرُ
وأما قوله تعالى: (يَوْمَئِذٍ تُحَدّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنّ رَبّكَ أَوْحَىَ لَهَا)، فيكون (تحدثُ) للأرض، كأنه: إذا زلزلت الأرض يومئذ تحدث هي.
وتكون التاء للخطاب، كأنه: قال الإنسان: يومئذ تحدث [أخبارها] مثل: (إِيّاكَ نَعْبُدُ) بعد تقدم الغيبة، ويقوى ذلك قوله تعالى: (بِأَنّ رَبّكَ أَوْحَىَ لَهَا) وهو خطاب.
وأنشد أبو زيد لجاهلي:
وقبلك ما أهاب الرجالُ ظلامتى وفَّقأتُ عينَ الأشوسِ الأبيانِ
وأخرج لي حقَّى سليمًا فلم أبؤْ بنعمى امرئٍ فيه يدي ولساني
فهذا يحتمل تأويلين، أحدهما أن تجعل يدي ولساني بدلًا من الضمير في
[ ١٩٨ ]
لم أبؤ مثل: ضربت زيدًا رأسه، ويكون الضمير في فيه لإخراجه، كأنه [قال]: لم أبؤ بنعمى امرئ في إخراجه، أي لني أخرجته بنفسي، لا بمعونة غيري، وهذا مما يدل أن المبدل منه معتد [به] في الكلام، وليس بمطرح، ألا ترى ثبات همزة
المضارعة للمتكلم، مع إبدال غير الضمير من الضمير.
والتأويل الآخر: أن تكون الهاء في فيه لامرئ، كأنه: لم أبو بنعمى امرئ في نصرته يدي ولساني، أي لم أبؤ بنعمى ممن انصره بيدي ولساني، وبنصرني، ولكن استغنيت في إخراج حقي عمن أنصره بيدي ولساني، وبنصرني بهما.
وأما قول الفرزدق:
وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي
وأنت لا تقول: يدافع أنا، [إنما] تقول: أدافع، فلأن الكلام محمول على المعنى، وقوم يقولون في نحو: (إِنّمَا حَرّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ): إن المعنى ما حرم
[ ١٩٩ ]
عليكم إلا الميتة، فكأنه قال: ما يدافع إلا أنا، وقد قال سيبويه قريبًا مما قالوا، [وهو] قوله: إنما سرت حتى ادخلها، إذا كنت محتقرًا لسيرك إلى الدخول، لأنك لا تجعله سيرًا يؤدي إلى الدخول، وأنت تحتقره.
وانشد أبو زيد:
ما كان إلا طلقُ الإهمادِ وكرُّنا بالأغربِ الجيادِ
حتى تحاجزنَ عن الذوَّاد تحاجزَ الرَّىَّ ولم تكادى
إن جعلت تكاد للغيبة، كما تقول: هذه الإبل لم تكد تروى، وهو الظاهر، فالياء في تكادى للإطلاق، وكان القياس: لم تكد، إلا أنه لما تحركت الدال، رد رمت المرآة، فلا ترد، وقد جاء هذا في الضرورة.
ومعنى لم تكد: [لم تكدي تروى، فحذف تروى، ومثل ذلك في
[ ٢٠٠ ]
حذف خبر كاد قوله:
هممتُ ولم أفعل وكدتُ وليتنى تركت على عثمان تبكي حلائلهْ
تقديره: وكدتُ أفعل، فحذف.
ومثل ذلك في الضرورة:
أجرَّهُ الرُّمحَ ولا تهالهْ
وكان القياس: ولا تهله، كما قالوا: لم أبله، أو لم أهله، إذ حرك بالفتح،
[ ٢٠١ ]
لالتقاء الساكنين، لمجاورة الألف، كما قال: (لا تضارَّ)، ويا إسحار، في ترخيم رجل، اسمه اسحارُّ، وأنشد الكسائى، فيما حكى:
يا حبَّ قد أمسينا ولم تنامِ العينا
وحكى الرياشي عن الأصعمي، عن أبي عمرو، أنه قال: المعنى: ولم تكادى تروين، فالفعل على هذا للخطاب، والياء ضمير، وليس كالوجه الأول، وأنشدوا:
ما هنَّ إلا أربعٌ بواقى حمرٌ تعرذَينَ ولا تساقى
وأما قول الشاعر:
نثيرُ بها نقع الكلابِ وانتمُ تثيرون نقعانَ الملاَ بالمعازق
فقال: أنتم تثيرون، وقال ﷿: (وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ)، وكان القياس أن يتصل الضمير، كما اتصل في: أنتم فعلتم، فكذلك كان القياس في المضارع، ومن قال:
[ ٢٠٢ ]
إلاَّ يزيدهمُ إلىَّ همُ
فقياس قوله أن يفصل ضمير المخاطب أيضًا، ووجه اتصال الضمير، واستعمال علامة الغيبة، انهم قد تحولوا في غير هذا من الخطاب إلى الغيبة، فكذلك فعلوا [هذا] في المضارع.
[ ٢٠٣ ]
باب