يحتمل غير معنى
قال الشاعر:
فإنك كالليل الذي هو مدرِكى وإن خلت أنّ المنتأى عنك واسعُ
يحتملُ أن تكون نافيةً، كأنه قال: ما خلتُ أن المنتأى عنك واسعٌ، لأنك
كالليل المدركى أينما كنتُ.
ويجوز أن تكون التي للجزاء، كأنه قال: إن خلت أن المنتأى عنك واسعٌ، أدركتنى، ولم أفتك، كما يدركني الليلُ، والأول أشبه.
وكذلك قوله ﷿: (قُلْ إِن كَانَ لِلرّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوّلُ الْعَابِدِينَ) يكون المعنى: ما كان للرحمن ولدٌ، كقوله تعالى: (مَا كَانَ للهِ أَن يَتّخِذَ مِن وَلَدٍ).
(فَأَنَاْ أَوّلُ الْعَابِدِينَ) تكون الفاء عاطفة جملة على جملة.
وتكون إن للجزاء، [أي] إن كان للرحمن ولد في زعمكم، فأنا أول العابدين له، ويكون في هذا دلالة على نفي الولد عنه، لأن ذا الولد لا يستحق العبادة.
وكذلك: (مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ) تكون أن الناصبة
[ ٨٠ ]
للفعل وصلت بمثال الأمر، كما يوصل الذي بتفعل وتكون أن بدلا من الضمير، وتكون أن للتفسير، بمنزلة أي.
ومن ذلك قوله:
فأجبتها أمَّا لجسمى أنَّهُ أودى بنيَّ من البلادِ فودَّعوا
يحتمل أما غير شيء منه: أن يكون حكى الكلمة التي من كلام سائله، ونظير ذلك ما حكاه سيبويه، من أن القائل يقول: لم فعلت ذا؟ فيقول المجيب: لمه؟ لم أنه ظريف، فقوله: لمه؟ حكاية لما كان من كلام السائل، من لمه؟ فكذلك يحكى هنا ما كان من كلام السائل، وهو قوله: أما وهي أم المنقطعة، وما التي للاستفهام، فيكون التأويل: لجسمى أنه أودى بني من البلاد، فيكون أنه مرتفعًا بالظرف الذي هو لجسمى.
فإن قلت: فما معنى قوله: لجمسى أنه أودى، وهل يستقيم على هذا: لجسمى هلاك بنى؟
فالقول: أنه قد حذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه، كأنه قال: لجسمى
[ ٨١ ]
أسف هلاك بنى، أو خزنه، أو شحوبه، ونحو ذلك مما يلوح الأجسام، ويغيرها، والمعنى فيه: الأسف الحادث عن هلاكهم، قال جرير:
فبتُّ والهمُّ تغشانى طوارقه من خوفِ رحلةِ بين الظاعنين غدا
التقدير: من خوف الارتحال، وخوف الفراق، وإنما هو مما يحدث عنه، وكذلك قول الأخر:
فما للنَّوى لا باركَ الله في النَّوى وهمَّ لنا منها كهمَّ المراهنِ
همُّ الرَّان وهمُّ الفراق ايحدث عنهما.
ويجوز أن تكون أما إنما هي أن المخففة من الشديدية وتكون ما موصولة، فيكون التقدير: فأجبتها بأن الذي لسمى انه أودى بني، فيكون ما في موضع رفع بالابتداء، ويكون أنه في موضع الخبر، وتكون الجملة في موضع رفه بأنه خبر الهاء المضمرة في أن المخففة من الشديدة، ألا ترى أن المعنى: فأجبتها بأنه الذي لجسمى [إيداء بنى].
[ ٨٢ ]
ويجوز أن تكون ما زائدة، فيكون التقدير: فأجبتها بأنه لجسمى [كذا].
ويجوز أن تكون أن زائدة، فيكون التقدير في فأجبتها: قلت، عند البغداديين، فأغنى عنه، وعند غيرهم يضمر القول، كأنه قال: فأجبتها فقلت: الذي بجسمى أنه أودى بنى، فيكون ما ابتداء، وأنه الخبر، وتكون الجملة في موضع نصب بالقول المضمر، وتكون أن زائدة، على قياس ما انشده أبو زيد، من قوله:
ويمًا توافينا بوجهٍ مقسَّمٍ كأن ظبيةٍ تعطو إلى وارقِ السَّلمْ
أي كظبيةٍ.
وتكون أما هي أم دخلت على ما على قياس ما حكاه أبو زيد، من زيادة أم.
ويجوز أن تكون أن التي للتفسير، كالتي في قوله ﷿: (وَانطَلَقَ الْمَلاُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُواْ) التأويل: أي وأى هي التفسير وقوم يقولون: إن معناه: قال، أو قلت، فكان المعنى: فأجبتها أن الذي لجسمى، أو أجبتها فقلت: لجسمى، إذا جعلت ما زائدة.
[ ٨٣ ]
ويجوز أن تكون أما في قوله أما لجسمى هي أما التي قولك: أما زيد فمنطلق، وأما جسمى فشاحب، وأما جنبى فلا يلائم مضجعًا، إلا انه حذف الفاء، لنه في شعر، كما حذفه الآخر، من قوله:
فأمّا القتالُ لا قتالَ لديكمُ
والتقدير: مهما يكن من شيء فلجسمى انه، فيرتفع أن بالظرف، فإذا فتحت أن كان الظرف متعلقًا بالمحذوف الذي يتعلق به، في نحو: يوم الجمعة القتال.
ولو كسرت أن كما تكسيرها في قولك: أما اليوم فإني راحلٌ، وأما غدًا فإني مقيمٌ، لكان الظرف متعلقًا بما في أما من معنى الفعل، ولا يجوز أن يتعلق بما بعد إن لما ذكر في موضعه.
وقد أجاز قوم زيادة حرفين، كما أجازوا كلهم زيادة حرف، وأنشدوا:
كما ما امرئٍ في معشرٍ غير قومهِ ضعيف الكلامِ شخصهُ متضائلُ
بجر امرئ، على أن تكون ما في كما والأخرى زائدتين، وأنشدوه أيضًا بالرفع: كما ما امرؤٌ، على أن تكون موصولة.
ويدل على جواز توالى زيادتين، قول أمية:
طعامهمُ لئنْ أكلوا معنًّ وما إنْ لا تحاكُ لهم ثيابُ
[ ٨٤ ]
وقد أنشدوا أبياتًا أخر، في توالى زيادة حرفين، فيجوز على قياس قولهم، أن يكون الحرفان إن وما زائدين، يكون المعنى: فأجبتها فقلت: لجسمى انه أودى بنى.
ولا يجوز أن تكون أم، من أما أم المنقطعة، وقوله ما هذه الكلمة موصولة، إلا على حد الحكاية، كما قدمناه.
وكذلك لا يجوز أن تكون زائدة، لأن أم استفهام، والجواب ضرب من البخر، فلا يجوز أن تجيب بما ليس بخبر.
واختلفوا في قول الشاعر:
سقته الرَّواعدُ من صيَّفٍ وإن منْ خريفٍ فلن يعدما
فحمله سيبويه على انه إما المكسورة الهمزة التي يجئ لأحد المرين، نحو ضربت إما زيدًا وإما عمرًا، تقديره الرواعد، إما من صيف، وإما من خريف، فحذف إما، لأن المبقاة تدل عليها، ومثل ذلك في حذف إما منه في الشعر، قول الفرزدق:
[ ٨٥ ]
تهاضُ بدارٍ قد تقادمَ عهدها وإمَّا بأمواتٍ ألمَّ خيالها
فحذف إما، والتقدير: تهاض إما بدارً، وإما بأموات، فكذلك سقته الرواعد، إما من صيف، وغما من خريف، فحذف إما.
لقد كذبتكَ نفسك فاكذبنها فإن جزعا وإن إجمال صبرِ
تقديره: فإما جزعت، وإما أجملت صبرا، يدل على ذلك أنه لا يخلو [من] أن تكون إن الجزاء، أو الأخرى التي ذكرناها، فلو كانت التي للجزاء، وألحقت الفاء، في قولك: فإما جزعًا للزمك أن تذكر الجواب، ألا تراك أنك لو قلت: أنت ظالمٌ إن فعلت، لسد ما تقدم حرف الشرط، مسد الجواب، ولو ألحقت الفاء، فقلت: أنت ظالمٌ فإن فعلت، للزمك أن تذكر للشرط جوابًا، ولا تجتزئ بما تقدم، عما يقتضيه الشرط من الجزاء.
فكما أن إن في قوله: فإن جزعا في معنى إما كذلك في بيت النمر، فهذا مذهب سيبويه في البيت.
وقال أبو عبيدة: إن زائدة، تقديره: سقته الرواعد من صيف ومن خريف، وجاز زيادة إن هنا، كما جاز زيادتها في نحو: ما إن فعلت، ما إن فعلت، وهذا في نحو قولك: ضرب القوم زيدًاُ من داخل ومن خارج.
[ ٨٦ ]
وقال الأصعمي: إن للجزاء، كأنه قال: سقته الرواعد من صيف، وإن سقته من خريف، فحذف الفعل بعد إن، لأن إن قد يحذف بعدها الفعل، وإن لم يجز له في الكلام ذكر، فإذا جرى له ذكر، كان حذفه أقوى وأبين.
والمعنى في الأقاويل كلها: فلن يعدم الرىَّ.
وأنشد أبو زيد لقيس بن زهير:
قلتُ به أخاك بخير عبسٍ فإنْ حربًا حذيف وإنْ سلاما
فهذا على قياس ما ذهب إليه، في فإن جزعا غنما هو إما تقديره: قتلته فإما
حاربت حربًا وإما سالمت سلامًا، وكان المعنى: لا أبالي واحدًا منهما.
ويجوز على قياس قوله [في] فعند ذلك فاجزعى أن تكون إن للجزاء، وما قبله يسد مسد الجواب.
[ ٨٧ ]
باب