ومرّة مصدرًا، ومرّة حرف جرّ
قال الشاعر:
حمّال أثقال أهلِ الودّ آونةً أعطيهمُ الجهدَ منّى بلهَ ما أسعُ
قال أبو الحسن، في باب من الاستثناء: إنّ بله حرف جرّ.
قال أبو علىّ: ووجهُ كونه ِحرفًا، أنّه يمكن أن يقال: إنّك إن حملته على أنّه اسم فعلٍ، لم يجز، لأنّ الجمل التي تقع في الاستثناء، مثل: لا يكون زيدًا، وليس عمرًا، وعدا [خالدًا]، فيمن جعله فعلًا، ليس شئ منه أمرًا، وهذا يراد به الأمرُ، وهو اسمُ للفعل، فإذا كان ذلك كذلك لم يجز، لأنّه لا نظير له.
فإن قلت: فلم لا تجعله المصدر، لأنّ الصدر قد وقع في الاستثناء، في قولك: أتانى القومُ ما عدا زيدًا، والتقدير ُ: مجاوزتهم زيدًا، فهو مصدرُ؟
فإنه يمكن أن يقال: إن ما زائدة، وليست التي للمصدر، وعدا إذا قدرّت زيادة ما كان جملةً، فليس في ذلك دلالةُ، لاحتماله غير ذلك. والحروف قد وقعت في الاستثناء، نحو: خلا، وحاشا، ولا وجه لهذه الكلم إلاّ تكون حروفَ جرّ.
[ ٢٥ ]
فإذا كان بله زيدٍ، هنا ليس يخلو من أن يكون اسمَ فعلٍ، أو مصدرًا، أو حرفًا، وليس يجوز ُ وقوعُ اسم الفعل هنا، لما قدّمنا، ولا المصدرُ، لأنه لم تقع عليه دلالةُ، من حيث جاز أن تكون ما زائدةً في ما عدا: كان حرف جرّ، لأنّ حروف الجرّ قد وقعت في موضع الاستثناء.
وقال سيبويه: أمّا بله [زيدًا]، فتقول: دعْ زيدًا، وبله هاهنا بمنزلة المصدر، كما تقول: ضرب زيدٍ.
[قال أبو علىّ]: فمن قال: بله زيدًا، جعله يمنزلة دعْ، وسمّى به الفعل، ومن قال:
بلهُ زيدٍ، فأضاف، جعله مصدرًا، ولا يجوز أن تضيفَ، ويكون مع الإضافةِ اسمَ الفعل، لأنّ هذه الأسماءَ التي تسمّى بها الأفعالُ، لا تضاف، ألا ترى أنّه قال ك جعلوها بمنزلة النجاءك، أي لم يضيفوها إلى المفعول به، كما أضافوا أسماءَ الفاعلين والمصادرَ إليه. فهى في قوله على ضربين: مرّةً تجرى مجرى الأسماء التي تسمّى بها الأفعال، ومرة تكون مصدرًا.
وقال أبو زيد: إنّ فلانا لا يطيقُ أن يحملَ الفهرَ، فمنْ بلهِ أن يأتىَ بالصخّرة! يقول: لا يطيقُ أن يحملَ الفهرُ، فكيف يطيقُ حملَ الصّخرةِ؟
قال: وبعض العرب يقول: من بهلِ أن يحملَ الصّخرة!، فقلب، وأنشد لكعب ابن مالك:
تذرُ الجماجمَ ضاحيًا هاماتها بله الأكفّ كأنّها لم تخلقِ
[ ٢٦ ]
فما حكاه أبو زيد، من دخول من عليه، والإضافةِ والقلبِ، يدّل أنّه مصدرُ، وليس باسم فعل، لأن أسماءَ الفعل لا تضافُ، ولا يدخل عليها عواملُ الأسماءِ، ألا ترى أنّ أبا الحسن يقول: إنّ دونك ليس يبتصب على حدّ انتصابه قبل.
ويقوّى كونه مصدرًا، أنّ أبا عمرو الشّيبانّى حكى: ما بلهك لا تفعل كذا؟ أي مالك؟
ومن الناس من ينشد: بلهَ الأكفّ على [هذا] الإنشادِ اسمُ فعلٍ، كأنه قال: دع الأكفّ، فجعلها اسمًا لدعْ.
والدلالةُ على جواز ِ كونها للفعل - كما أجاز [فيه] سيبوبه - قول الشاعر:
تمشى القطوفُ إذا غنّى الحداةُ بها مشىَ الجوادِ فبلهَ الجلّةَ النّجبا
فأمّا قول الشاعر: بله م أسعُ، فيجوز على قياس قول سيبوبه أن يكونَ موضعُ ما نصبًا، ويكون في بله ضمير، ويدلّ على ذلك: بلهَ الجلّةَ النّجبا.
[ ٢٧ ]
ويجوز أن يكون حرًّا، على من أنشدَ: بله الأكفّ، وعلى إجازته، أنه مصدرُ،
وكذلك قول أبى دوادٍ:
فدتْ نفسى وراحلتىِ ورحلى نجادكَ بلهَ ما تحتَ النّجادِ
فأمّا ما يتعلق به من فيما حكاه أبو زيدٍ، من قوله: فمن بلهَ الأكفّ وبلهَ زيدٍ، كقوله تعالى:
(فضربَ الرقّابِ).
وليست الفتحة التي في بلهَ) في قول من نصب بها، الفتحة التي فيها ن في قول من أضافها، لأنها في الإضافة نصبهُ، كالتى في ضربَ الرّقابِ، وفى القول الآخرَ فقحةُ، كفتحة رويدٍ. وحكى البغداذيون: تيدكَ زيدًا، قالوا: فإذا وصلته بالكاف، لم يكن إلّا النّصب، وهذا الذي قالوه صحيحُ، وذاك أن الكاف لا تخلو من أن تكون اسمًا، أو تكون للخطاب، مجرّدةً من معنى الاسم، فإن كانت اسمًا، كان بمنزلة ضرب زيدٍ عمرًا، وإن كانت الأخرى، كان بمنزلةِ رويدك زيدًا، فإذا لم تلحقها الكافُ أجازوا فيها النّصبَ: تيدَ زيدًا وهذا يكون بمنزلة رويدَ زيدًا.
ولم أعلمْ أحدًا حكى لحاقَ الكاف بلهَ، وقياس من حعلها اسمًا للفعل أن يجوّزَ لحاقَ الكافِ لها، على قوله.
[ ٢٨ ]
وأرى أن هذا الحرف مأخوذ من التّودة، الفاءُ واوُ، أبدل منها التاءُ، والعينُ همزةُ، وقد ألزمتْ بدلَ الياءِ، بمنزلةِ ما حكاه سيبوبه، من أنه سمع [بعض َ العرب يقول]: بيسَ [فلا يحقّقُ الهمزةَ، ويدعُ الحرفَ على الأصل].
[ ٢٩ ]