سمعت أبا اسحاق ينشد:
كأن لم يكونوا حمى يتَّقى إذ الناسُ إذْ ذاكَ من عزَّ بزَّا
قوله: إذ ذاك لا يجوز أن يكون خبرًا للناس، لأنك لا تقول: الناس أمس، ولكن التقدير: غذ الناس من عز منهم بز إذ ذاك، فيرجع الذكر الذي تقدره محذوفًا إلى الناس، مثل السمن منوان بدرهم، ويكون قوله: إذ ذاك متعلقًا ببز.
ومن بمعنى الذي، ولا يكون بمعنى الجزاء؛ لأن الشرط وجوابه لا يعمل واحد منهما فيما قبله عندهم. ومن أجاز من البغداديين أن يعمل جزاء الشرط فيما تقدمه، جاز على قياس قوله أن يكون من شرطًا، وبز جوابه، وإذا منتصب الموضع جملة، والتقدير: إذ ذاك كائن أو موجود. وقال آخر:
[ ٢٤٧ ]
مسحوا لحاهمْ ثم قالوا سالموا يا ليتني في القوم إذ مسحوا اللِّحى
قوله في القوم لايكون ظرفًا، ولا حالًا؛ لأنك إن جعلته واحد منهما، كما جعلته في قوله: كأنه خارجًا حالًا، بقي إذ خبرًا عن المتكلم، فلا يجوز، كما لم يجز: يا ليتني أمس، فلا يكون في القوم إلا متعلقًا بمحذوف.
فأما إذ مسحوا فيجوز أن تعلقها مرة بليتني، وأخرى بالمستقر الذي هو في القوم؛ لأن في كل واحد منهما معنى فهل، وتعلقه بالمستقر أولى، من حيث كان إليه أقرب.
عدي بن زيد:
وحبي بعد الهدو تهادي هـ شمال كما يزجى الكسير
لا يخلو قوله: بعد الهدو من أن يكون متعلقًا بمحذوف، أو بما في حبي من معنى الفعل، أو بقوله: تهاديه.
فلا يجوز أن يكون متعلقًا بمحذوف؛ لأنك إن علقته به صار صفة للحبي، من حيث كان نكرة، والنكرة توصف بالظروف، كما توصف بالجمل، من حيث وصلت الموصولة بالظروف، كما وصلت بالجمل، والنكرة إذا كانت عينًا لا توصف بظروف الزمان، كما لا يخبر بها عنها.
فإذا لم يجز ذلك كان غما متعلقًا بما في حبي من معنى الفعل، وإما بتهاديه، والأحسن أن يكون متعلقًا بالفعل الصريح، ولا يكون متعلقًا بحبي، لأنه وإن كان ممكنًا
[ ٢٤٨ ]
أن يكون من حبا يحبو، أي يدنو بعضه إلى بعض، وينضم، فإنه قد استعمل اسمًا، فكأن ما فيه من معنى الفعل قد أزيل عنه، كما أن درا في قولهم: لله درك صار عند سيبويه بمنزلة قولهم: لله بلادك فلم يستعمل استعمال المصادر، فكذلك لا يستعمل هذا الاسم استعمال الصفات.
وإن شئت علقته بما في حبي من معنى الفعل، وإن كان على ما وصفت، ألا ترى أن الأربق والأبطح، وإن استعملا استعمال الأسماء، وكسرا تكسيرها، لم يخلع منهما معنى الوصف؛ بدلالة أنهم لم يصرفوهما، ولا نحوهما في النكرة، إذا لك يصرفوهما في النكرة، علمت أن معنى الصفة نقر فيهما، وإذا أقررت فيهما معنى الصفة، علقت الظرف والحال بهما.
عمران بن حطان:
يومًا يمانٍ إذا لاقيتُ ذا يمنٍ وإن أتيتُ معدِّيًّا فعدناني
المبتدأ محذوف، التقدير: يومًا أنا يمان، ولم يتعلق الظرف بقوله: يمان، ولكن حمل الكلام على المعنى، كأنه قال: أنتقل يومًا إذا لاقيت، فظرف الزمان متعلق بهذا المقدر.
ويلزم أن يقدر هذا التقدير، من وجهة آخر، وهو أنه جواب إذا، فكأنه قال: إذا لاقيت ذا يمن تنقلت إليه، كما أنه إذا قال: أنت ظالم إن فعلت، يصير التقدير: إن
فعلت ظلمت، وإذا متعلق بهذا الفعل الثاني المقدر، ولا يكون متعلقًا بيمان؛ لأن الظرفين من الزمان لايتعلقان بعامل إلا على طريق بدل أحدهما من الآخر، وليس ذا موضع بدل.
[ ٢٤٩ ]
واعلم أنه لايجوز: متى زيد؟ في الاستفهام، كما لايجوز في الخبر: يوم الجمعة زيد؛ لأنك في الوجهين جميعًا تسند اسم الزمان إلى الجثة، وظروف الزمان لاتكون أخبارًا عنها، وقد حكى: متى أنت وبلادك؟ ومتى أنت وأرضك؟ وهذا كلام متسع فيه، والمعنى: متى عهدك ببلادك؟ ومتى عهدك أرضك؟ فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، كما قالوا: اليوم خمر وغدًا أمر.
فأما قولهم: وبلادك، فالواو فيه بمعنى الباء، كما قالوا: بعت الشاء شاه ودرهم، والمعنى: شاة بدرهم، إلا انك لما عطفته على المرفوع ارتفع بالعطف عليه، كما قالوا: كل رجل وضيعته، فاستغنى عن الخبر، لما كان المعنى: كل رجل مع ضيعته، فكذلك استغنى هنا عن خبر المبتدأ، حيث كان المعنى: متى عهدك ببلادك؟ فأما قوله ﷿: (وَيَقُولُونَ مَتَىَ هُوَ) ف (هُوَ) ضمير الإعادة، لدلالة قوله تعالى: (فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا) عليه.
أنشد أحمد بن يحيى:
أنا أبو المنهالِ بعضَ الأحيانْ ليس عليَّ حسبي بضؤلانْ
[ ٢٥٠ ]
إن قلت: بم يتعلق قوله: بعض الأحيان فالقول فيه أنه يتعلق بأحد شيئين؛ إما أن يكون أبو المنهال كنية بعض من يقرب منه، فقال: أنا أبو المنهال، أي مثله، فيتعلق الظرف بهذا الذي يتحدث من معنى الفعل، أو يكون أبو المنهال رجلًا نبيهًا، أو ممتنعًا على من يريده، وقد عرف بذلك حتى إذا ذكر دل على النباهة والامتناع، فيتعلق الظرف بهذا المعنى، ومثل ذلك قوله تعالى، فيمن قرأ: (كَلاّ إِنّهَا لَظَىَ نَزّاعَةً لّلشّوَىَ) ألا ترى أن لظى، وإن كانت علمًا، فقد صار إذا ذكرت دلت
على التلظي، فكما انتصبت الحال عن معنى الفعل الذي في هذا الاسم، كذلك يتعلق الظرف بما في أبي المنهال، من معنى الفعل.
فأما قول الأعشى:
إذ انتمُ بالَّليل سرَّا قٌ وصبحَ غدٍ صرارهْ
فقال أبو عبيدة: زعموا أن جحدرًا - وهو ربيعة بن ضبيعة - كان يجمع القردان، فيصرها فيأتي البرك إذا أمسى، فيرسلها عليها فتنتشر، فيضم ما انتشر منها. فهذا يدل على أنه جعلهم هذا الحدث؛ لكثرته منهم، وأنهم قد عرفوا به، ولا يجوز أن تقدر
[ ٢٥١ ]
المضاف المحذوف مرادا؛ لأنه لو كان كذلك، صار اسم الزمان الذي هو صبح غد خبرًا عن العين، وهذا لا يجوز، فإذا لم يجز هذا، علمت أنه جعلهم إياه.
فأما قول أوس:
تركتُ الخبيثُ لم أشاركْ ولم أدقْ ولكن أعفَّ الله مالي ومطعمي
فقومي وأعدائي يظنُّون أنَّني متى يحدثوا أمثالها أتكلَّم
فإن الكلام فيه محمول على المعنى، وهذا يدل على صحة ما أجازه من قوله: زيد حين يأتيك أضرب، لما كان المعنى: زيد اضرب حين يأتيني، ومثل ذلك في الحمل على المعنى: إنك ما وخيرًا وإن كان العطف على غير ذلك، وكما حمل قولهم: أقائم أخواك؟ على المعنى. وكذلك التسوية في قولهم: سواء عليك اذهب أم جاء،
[ ٢٥٢ ]
و(سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ) فكذلك حمل ما ذكرناه على المعنى.
ويقوى ذلك كثرة ما جاء من حمل الظروف على المعنى، كقوله ﷿: (يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلاَئِكَةَ لاَ بُشْرَىَ يَوْمَئِذٍ لّلْمُجْرِمِينَ) فكذلك: أزيد حين يأتيك تضربه؟ وكذلك قوله: إنني أتكلم متى يحدثوا.
[ ٢٥٣ ]
باب