قال الفرزدق:
وإنّيَ من قومٍ بهمْ يتَّقى العدى ورأبُ الثّأي والجانبُ المتخوَّفُ
قوله: رأب الثأي لا يستقيم أن يحمل على يتقي، فإذا لم يستقم ذلك أضمرت له خبرًا، وجعلته مبتدأ.
ولا يستقيم أن تضمر بهم لتقدم ذكر بهم، ولكن تضمر لهم، فيكون: رأب الثأي لهم، ودل على ذلك قوله: بهم يتقي العدي؛ لأن هذا الكلام يدل على: لهم البأس والنجدة، فأضمرت لهم بذلك.
فأما قوله: والجانب المتخوف فيستقيم أن تحمله على يتقي، فيكون: بهم يتقي العدى والجانب المتخوف.
ويستقيم - وهو الأشبه - أن تحذف المضاف، فيكون التقدير: لهم رأب الثاي، ورأب الجانب المتخوف.
[هذا أيضًا باب من حذف خبر المبتدأ]
قال الفرزدق:
[ ٢٧٥ ]
وبيتان بيتُ اللهِ نحن ولاته وبيتٌ بأعلى إيلياَء مشرَّفُ
خبر المبتدأ الذي هو بيتان محذوف، تقديره: لنا بيتان، أو في الوجود بيتان، وبيت الله: مبتدأ، وخبره الجملة التي هي نحن ولاته.
وقوله:
وبيت بأعلى إيلياء مشرف
مبتدأ، وما بعده صفته، والخبر محذوف؛ لدلالة ما تقدم عليه، كقولك: زيد منطلق وعمرو، فالجملة في هذا كالمفرد، في أن المعنى: وبيت صفته كذا ونحن ولاته
أيضًا، كما تقول: زيد ضربت أباه وعمرو، تريد: وعمرو ضربت أباه، وفي التنزيل: (وَاللاّتِي لَمْ يَحِضْنَ).
فذها البيت في حذف خبر المبتدأ، الذي هو جملة خبر؛ لدلالة الجملة المتقدمة عليها، كدلالة المفرد.
فإن قلت: فلم لا تجعل بيت الله خبر مبتدأ محذوف، كأنه: أحدهما بيت الله.
فإن المعنى على ما ذكرنا، ألا ترى أنه يفخر بولايتهم البيت الأول، والبيت الثاني، فإن لم تجعل نحن ولاته خبرًا لقوله: بيت الله لم يستقم أن تضمره فتجعله خبرًا للمبتدأ الآخر، الذي هو: وبيت بأعلى إيلياء، ألا ترى أنك إنما تضمر الخبر، ولا تضمر غيره.
وقال ذو الرمة:
كلٌّ من المنظرِ الأعلى له شبةٌ هذا وهذانِ قدُّ الجسمِ والنُّقبُ
[ ٢٧٦ ]
المعنى: كل من البعد شبه لهذا الظليم، فأفرد الشبه، ولم يقل: أشباه؛ لأن كل مفرد، فأخبر عنه بالإفراد، كما قال: (إِن كُلّ مَن فِي السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ إِلاّ آتِي الرّحْمَنِ عَبْدًا)، فالشبه على هذا يريد به واحدًا، ويجوز أن يريد به جمعًا، كما قال: (وَكُلّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ)، إلا أن شبهًا لما كان مصدرًا، وقع على الجمعي، وهو على لفظ الواحد، كما أن قولك: مثل الذي بمعناه، يقع تارة على لفظ الإفراد، يراد به الجميع، في نحو: (إِنّكُمْ إِذًا مّثْلُهُمْ)، وتارة يجمع في نحو: (ثُمّ لاَ يَكُونُوَاْ أَمْثَالَكُم).
والذي أريد به كل السندي والحبشي، والبكر، فقوله: له شبه جملة في موضع خبر المبتدأ.
فأما قوله: هذا وهذان، فيحتمل غير وجه؛ منها أن يكون هذا مبتدأ، وهذان معطوف عليه، والخبر ما تقدم من الجملة، التي هي: له شبه، فحذفت لتقدم الذكر،
كما حذفت الجملة التي هي خبر، في قوله تعالى: (وَاللاّتِي لَمْ يَحِضْنَ).
ويجوز أن يكون هذا وهذان عطفًا على كل عطف بيان، ويجوز أن يكون بدلًا، ولا يجوز أن يكون صفة.
فإذا حملته على أحد هذين الوجهين، فلا بد من إضمار مبتدأ، يكون قوله: قد الجسم خبره، ويكون ذلك المبتدأ هم؛ لأن في الثلاثة من يعقل، فكأنك قلت: هم قد الجسم، ومعنى ذلك - فيما حكى عن الزيادي - أن جسمه مثل جسمه.
[ ٢٧٧ ]
الحسن: والمراد بالجسم الأجسام، أي هم سواء الأجسام منها، فحذفت ما يرجع إلى المبتدأ، أو سواء أجسامها.
والقد: مصدر، كأنه يراد به المفعول، أي مقدود الأجسام، قدًا واحدًا، فدل ذلك على التسوية التي فسرها الزيادي، ويدل على ما فسر من ذلك أنهم [قد] يقولون: هذان قدا من أديم واحد، يريدون أنهما متشبهان، وقال:
فتىً قدَّقدَّ السَّيف لا متآزفٌ ولا رهلٌ لبَّاتهُ وبآدلهْ
يريد أنه قد سوى، فهو في مضائه واستوائه كما قال الآخر:
بمنصلتٍ مثل الحسام
[ ٢٧٨ ]
والنقب: معطوف على قوله: قد الجسم.
ويدلك على أن الجسم جمعه النقب، والنقب: جمع نقبة، وهو اللون.
ولا بد من أن تضمر شيئًا، يكون النقب خبرًا له، وهو: سواءٌ، لما كان قد الجسم سواء الأجسام، دل ذلك على سواء فأضمرته، كأنك قلت: وسواء النقب منهم، وإنما أضمرت سواء ولم تضمر القد، لأن القد لا يجوز على الألوان، كما جاز على الأعيان، فأضمرت ما يجوز فيها دون ما لا يجوز، فكأنك قلت: سواء النقب منها، أو نقبتها، فيكون النقب ابتداء، وسواء الخبر، وعل قول أبي الحسن، أيهما شئت جعلته الابتداء.
قال الكميت، يذكر ذئبًا:
فقلنا له هاذاك فاستغنِ بالقرى وفي ذي الأداوي عندنا لكَ مشربُ
هاذاك: ابتداء، والخبر مضمر، كأنه قال: هاذاك الزاد، والمعنى: دونكه، وتناوله، كما أن قولهم: هذا الهلال، معناه انظر إليه، وإن كان الكلام ابتداءً وخبرًا، فهذا مثل قوله: وقائلةٍ خولانُ فانكح فتاتهمُ
[ ٢٧٩ ]
ويجوز في قياس من جعل الفاء زيادةً، في موضع هاذاك، ضربان: أحدهما أن يكون رفعًا، مثل: زيد اضربه، والآخر: أن يكون نصبًا، مثل: زيدًا اضربه.
ويجوز أن يكون هاذاك في موضع نصب، والعامل فيه الفعل الذي دلت الحال عليه، من إخراجهم الزاد، وتعريضهم إياه لتناوله له، ألا ترى أن قبل هذا البيت:
فنشنا له من ذي المزاود حصّةً وللزادِ أسارٌ تلقّى وتوهبُ
وذو الأداوي: الماء.
ومشربٌ: ارتفاعه على الخلاف، ويكون من أو في من قوله: ومن ذي الأداوي أو في ذي الأداوي الخبر.
ولا يكون من متعلقًا بالمشرب هذا، لأنه مصدر إنما يتعلق بالمحذوف. وقال أسامة بن حارث الهذلي:
[ ٢٨٠ ]
أجارتنا هل ليلُ ذي البثِّ راقدُ أم النومُ إلا تاركًا ما أراودُ
قالوا: إن المعنى: أم النوم لا يجيئني إلا تاركًا لما أطلب.
معنى هل ليل ذي البث راقدٌ: هل أرقد في ليلي، أم لا أرقد؟ فالنوم محذوف الخبر، ودل عليه هل أرقد، لأن المراد: هل أرقد أم لا؟ ومعنى هذا، ومعنى هل أرقد أم النوم لا يجيئني واحد، وأم لا تكون إلا المنقطعة، لأنها بعد هل، وقد عادل بالابتداء، والخبر الجملة التي من الفعل والفاعل، ومثله: (أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ) والمعنى: أم صمتم، كما أن معنى أم النوم لا يجيئني: لا أرقد، ومثله
في الحذف، للجملة التي هي خبر ابتداء، ما تقدم من الآية والأبيات، ومثل ذلك قول الفرزدق:
يا ليت شعري على قيل الوشاةِ لنا أصرمتْ حبلها أم غير مصرومِ
أنشد أحمد بن يحيى:
يا لهفَ ما أمّي عليك إذا علا عليّ ذوو الأضعان بالنظرِ الشزرِ
[ ٢٨١ ]
تقدير ما أمي ما لهف أمي، فحذف المضاف، لأنهم يقولون: ويل أمه، وكذلك لهف أمه، ويا لهفي، ويا لهف نفسي، قال جرير:
يا لهف نفسيَ إذ يغرّك حبلهمْ هلاّ اتخذتَ على القيونِ كفيلا
وأنشد أبو الحسن:
فلستُ بمدركٍ ما فاتَ منّي بلهف ولا بليتَ ولا لو أنّي
فكأنه قال: يا لهفي، ما لهف أمي، أي اللهف لي، لا لأمي، على تحقيق أن اللهف له.
وعليك: من صفة اللهف، وجاز الفصل بالجملة، التي هي ما أمي، بينهما، لأنه مما يسدده، ومثل ذلك قول الآخر:
ومقطرةٍ بالجسرِ قد بتُّ ضاجعًا لي الويلُ ما أمّي وأمُّ المقاطرِ
تقديره: لي الويلُ، ما ويلُ أمي، أي الويل لي، لا لأمي، ولا لأم المقاطر، على تحقيق أن ذلك له دون غيرهز
الفرزدق:
وأنت امرؤ لا نائلُ اليومِ مانعٌ من المالِ شيئًا في غدٍ أنت واهبه
تقديره فيمن رفع النائل: وأنت امرؤ لا نائل اليوم شيئًا من المال يمنعه في غد، فالهاء في مانعه مرادة، كما تراد فيمن رفع، في قوله:
[ ٢٨٢ ]
وما كل من وافى منى أنا عارفُ
وفصل بقوله: مانع بين نائل ومعموله الذي هو شيئًا من المال وهو أجنبي منه، وفصل أيضًا بين مانع وبين قوله: في غدٍ، بما هو أجنبي منهما، والمعنى: أنت امرؤ لا تنال شيئًا من المال وتمنعه غدًا، أي لا تدخر ولا تحزن، ولكن تجود به وتهبه.
وقوله: أنت واهبه ابتداء وخبر، وإن شئت جعلت أنت تأكيدًا لما في مانع، لأنه هو هو، كما أبدلت قوله سبحانه: (عَلاّمُ الْغُيُوبِ) فيمن رفع، من الذكر المرفوع في: (يَقْذِفُ).
وإن شئت جعلت (النائل) اسم العطاء، كما قال:
له صدقات ما تغب ونائل
فتنصب النائل بمانع، كأنه: لا مانع نائل اليوم من المال شيئًا، فيكون انتصاب شيء على أحد أمرين: إما أن يكون وضعه موضع المصدر، أو قدر فيه الباء، وحذفها.
و(في غد) متعلق بمانع، كأنه: لا تمنع اليوم ما تناله في غد، أي تجود بما تنال اليوم في غد.
و(أنت واهبه) ابتداء وخبر، وإن جعلت أنت تأكيدًا لما في (مانع) على المعنى،
[ ٢٨٣ ]
أضمرت مبتدأ، وإن شئت أبدلت اسم الفاعل من الذكر، كما تقدم.
وقال الأخطل:
كانت منازل ألافٍ عهدتهمُ إذ نحن إذ ذاك دونَ الناس إخوانا
لا يجوز أن يكون (إذ ذاك) خبر (نحن)، كما لا يجوز: زيد أمس، ولكن إذا الأولى ظرف (عهدتهم)، كأنه: عهدتهم إخوانا دون الناس، ويكون (دون) ظرفًا من المكان، متعلقًا بعهدتهم أيضًا، وخبر (نحن) محذوف، تقديره: عهدتهم إخوانا إذ نحن متآخون، أو متآلفون إذ ذاك، أي إذ ذاك كائن.
ويحتمل أن يكون (دون الناس) متعلقًا بالخبر المضمر، ويحتمل أن يكون: إخوانًا دون الناس، فإذا قدم الصفة صارت نصبًا على الحال.
وقال ذو الرمة:
بلادٌ يبيتُ البومُ يدعو بناتهُ بها ومن الأصداء والجنِّ سامرُ
التقدير: وفيها من الأصداء والجن سامر، لأن قوله: (يبيت البوم يدعو بناته) يدل على أن فيها البوم، فكأنه قال: فيها البوم، وفيها من الأصداء والجن سامر.
ومن الأصداء يتعلق بهذا الظرف المضمر، ولا يجوز أن تجعل المضمر
[ ٢٨٤ ]
(بها) فتقدره: بها من الأصداء والجن سامر، لأن (بها) هذه ليست بمستقر، فهو مثل (تبًا له) و(ويلًا) ألا ترى أنه لم يجز في (تبًا له) و(ويلًا) أن ترفع (ويلًا) وتضمر له، لما لم يكن مستقرًا.
ويجوز أن تحمل (سامرٌ) على (يبيت)، فتشرك (سامر) مع (البوم)، التقدير: ويبيت سامر من الأصداء، فيكون (ومن الأصداء) حالًا، مثل:
لميةَ موحشًا طللُ
والوجه الأول أوجه، لأنك لا تفصل فيه بين حرف العطف والمعطوف.
[ ٢٨٥ ]