هذا باب من
الأصوات
ولحاقِ لامِ التّعريف لها
قال ذو الرّمّة:
ونادى بها ماءٍ إذا ثارَ ثورةً أصيبحُ نوّامُ إذا قام يخرقُ
وقال:
لا يغشُ الطّرفَ إلاّ ما تخونّهُ داعٍ ينتديه باسم الماءِ مبغومُ
وقال آخرُ:
يدعونني بالماء ِ ماءٍ أسودا
[ ٣٠ ]
قال سيبوبه، في لو وليت ونحوه، إذا جعل اسمًا: جعلوه بمنزلة ابن عرسٍ، وقال في الحاء والجيم، ونحوه: جعلوه بمنزلة البّاس. ممّا يدلّ على ما قال، قول النمّر:
علقتْ لوّا تكرّرهُ إنّ لوّا ذاك أعيانا
فوصفه بذاك، يدلّ بمنزلة اب، عرسٍ، وزيدٍ.
فيقول القائلُ: إنّ هذا الضّربَ من قبيل لو وغاق، ونحوه، فكيف ألحقَ لامَ التعريف، في قوله: باسم الماءِ، وقد قال في البيت الآخر: بها ماءٍ على القياس.
فقول في ذلك أن قوله: باسم الماءِ إن شئتَ قلت: إنّ تقديره: يناديه بالماء، والاسم دخوله وخروجه سواءُ، كقوله: ثم اسمُ السّلامِ عليكما، أي السّلامُ، ومثل [ذلك] قول الشاعر:
لو أنّ حىَّ الغانياتِ وحشا
أي الغانيات، وأنشد أبو زيد:
يا قرّ إنّ أبكَ حىّ خويلد قد كنت ُ خائفه على الإحماقِ
[ ٣١ ]
وأنشد أبو الحسن:
أبو بجرٍ أشدُ النّاسِ منّا علينا بعد حىّ أبى المغيرهْ
وأنشد أحمد بن إبراهيم:
وحىّ بكرٍ طعّنا طعنةً نجرا
وحكى في أبيات، أنه سمع من يقول فيها: قالهنّ حىُّ رياحٍ رياحًا.
ومثل حىّ في هذا: ذو فمن ذلك قول الشّمّاخ:
أطارَ نسبيلهُ عنه جفالًا وأدمجَ دمجَ ذى شطنٍ بديعِ
[ ٣٢ ]
ومثله: ذو آلِ حسّان.
وإن شئت جعلتَ الاسمَ المسمّى، على الاتساع، لمصاحبته له، وكثرةِ الملابسةِ، ولا يكون ذلك بأبعد من قولهم: ولد له ستون عامًا ونحوه، وإسناد الفعل إلى الستّين، لمّا كانت الولادةُ فيها.
فإن شئتَ قلتَ: إن التقدير ُ: يناديه باسم معنى الماءِ، فحذف المضافَ، واسمُ معنى الماء هو الماءُ، فيكون التقدير ُ: باسمِ ماءٍ، وتكون الألفُ واللامُ فيه زائدةً، لأنّها لم تلحق هذا القبيل، ألا ترى أنّهم لم يلحقوه غاق وصهٍ، ونحوه.
فإن قلت: فقد ألحقوهما الخازبازِ، والغالب عليه عندكُ أنّه صوتُ، ويقوّى ذلك اشتقاقهم منه الخزباز، والخازباءُ، وهو بمنزلة هلّل ولبّى، ونحو ذلك، فيمن جعله تثنيةً.
قيل: هذا الغالب عندنا على الخازبازِ، ولكن جاز دخول اللامِ فيه، ولم يكن بمنزلةِ غاق وطيخَ ووقبّ وطقّ ونحو ذلك، ممّا أجرى مجرى سامّ أبرص عند سيبوبه،
[ ٣٣ ]
لأنهم قد أوقعوه أيضًا على غير الأصوات، ألا ترى أنهم قد قالوا: إنه ورم، وقد أنشد أبو زيد:
يا خازباز أرسل ِ الّهازما إنّى أخاف أن تكون لازما
وقد قالوا أيضًا: إنّه نبات، قال الشاعر:
تقلّع فوقه القلعُ السّوراى وجنّ الخازبازِ به جنونا
فلّا جاء لغير الصّوت، لزمه الألف واللامُ.
وقد يجوز أن يشبّه ما كان من باب العبّاس بباب سامّ أبرصَ، لأنّ ما دخله الألفُ واللامُ من ذلك كثيرُ، يدلّك على ذلك قول الراعى:
فلمّا دعتْ شيبًا بجنبىْ عنيزةٍ مشافرها في ماءٍ مزنٍ وباقلِ
[ ٣٤ ]
وقال ذو الرمّة:
تنادينَ باسمِ الشّيبِ في متهدّمٍ جوانبه من بصرةٍ وسلامٍ
وإنّما شيب حكاية صوت جذبها الماءَ، ورشيفها له عند الشّربِ. وقال:
دعهنّ ردفىِ فارعوينَ لصوتهِ كما رعتَ بالجوتَ الظّماَء الصّواديا
[ ٣٥ ]
الجوتُ: دعاءُ الإبل إلى الماءِ. وقال آخر:
وأرقع الجفنة بالهيه الرثّع
وحكى بعض البغداديّين: أنّ العرب تقول: كيف لى بفلان؟ فيقال: كلّ الكيفِ، والكيفَ، وأين مثلك؟ فيقال: كلّ الأينِ، والأينَ. وحكى سيبوبه: لا من أين. فحكى البناءَ والأعرابَ جميعًا، مع دخولِ لام المعرفة عليه، ومّما يقوى ما حكاه من ذلك، أنّ أبا زيدٍ أنشد:
يحجلُ فيها مقلزُ الحجولِ بغيا ًعلى شقّيه كالمشكولِ
بخطّ لامِ ألفٍ موصولِ والزّاىَ والرّا أيّما تهليلِ
[قال: أدخل الألفَ واللام، فتركه على البناء الذي كان عليه].
[ ٣٦ ]
قال: يصفُ جنديًا، فكما تركه على ما كان عليه، قبلَ إلحاقِ اللام، من كونهِ على حرفين، أحدهما حرفُ لين، فلم يخرجه بذلك عن حكم الأصوات، كذلك إذا أدخلَ الامَ.
ويقوّى ذلك أنّ لحاقَ اللامِ الأسماءَ لا يوجبُ لها الأعرابَ، ألا ترى قولهم: الآن، والذى، والتى، واللاتى، ونحوِ ذلك. فأمّا ما ذكرهَ سيبوبه، من أنّ منهم من يقول: هذا يومُ أثنين مباركًا فيه، فيحذفُ اللامَ منه، فالذي فعل ذلك خالف بينه وبين الأسماءِ الأخرِ، لأن تلك على أمثلةِ الأسماءِ التي ليست بعددٍ، فأشبه من أجل ذلك العّباس َ ونحوه.
ولمّا كان اثنان على لفظ العددِ، جعله بمنزلةِ (أمثلة) الأسماء التي لا تشبه الصّفات، إذا جعلتْ أعلامًا. والذي ألحق اللامَ فقال: الاثنان، جعله بمنزلةِ الأحدِ، لأنه عددُ، وقد أدخلوا اللامَ، فكأنّه أراد الشيءَ بعينه في العددَ، كما يريده في الصّفة، فجعله بمنزلةِ تسميتهم الاسمَ بالفضلْ، في إلحاق لامِ المعرفةِ به، لمّا جعله إيّاه في المعنى، ولم يقولوا هذا في زيدٍ، وإن كان في الحقيقة زيادةً في عدد المولودِ له، وفى عدّتهِ، كما فعلوا ذلك بالفضل، لأنّ ذلك كلّه مذهبُ ووجهُ، فله أن يستعمل أحدهما ويرفضَ الآخر، وله أن يجمعَ بينهما، كما قال:
[ ٣٧ ]
والتّيمُ ألأمُ من يمشىِ وألأمهمْ ذهلُ بن تيمٍ بنو السّودِ المدانيسِ
فألحقَ مرّةً، ولم يلحقْ أخرى. وقال ابن الرّقاع:
أرواحُ أمْ بكرةُ فاغتداءُ بديونٍ لم نقضهنّ الشّفاء
الشّفاء: اسمُ امرأةٍ.
ولم يتمكن إلحاق اللام في المصادر غير الصفات، إذا سمي بها، نحو زيدٍ، وعونٍ، وعمرٍو، لأن الأصل في إلحاق اللام إنما هو في الصفات، لأنها تصيرُ بمنزلة الوصف الغالب، نحو النابغة. ويجوز أن يكون الذين أستجازوا إلحاق اللام المصدر، إذا صار علمًا، نحو التيم، والفضل، والغمر، هم الذين جعلوا المصدر بمنزلة الوصف، فأجروه مجراها، في إلحاق اللام، كما أجروها مجرى الصفات، حيث قالوا: عدلةُ، فأنثوا كما أنثوا الصفة. وهذا يتجه على قول من قدر المضافَ، ثم حذفه، وأقام المضافَ إليه مقامه،
[ ٣٨ ]
ولا يكون على قول من جعله الشيء بعينه، لأن ذلك لا يلحقه التأنيثُ، إذ كان معنى ليس بعين، إلا أن تقول: إنهم قد يؤنثون للفظِ، كقوله:
وكنا إذا الجبارُ صعر خده ضربناه فوق الأنثيين على الكردِ
وقد يحتمل قوله: والتيم ألأمُ من يمشي وجهًا آخر، وهو أن تجعل التيم جمعًا،
كيهودىّ ويهودَ، ثم تعرفه، كما قال الله تعالى: وقالت اليهود، فأنثَ وألحق اللامَ. ويهود إذا كان المراد به الإفراد، لا يلحقه اللام، لأن الاسم قد صار غالبًا يراد به القبيلةُ.
ويقوّى ذلك قولهُ: وألأمهم.
وأمّا قولهُ:
يومُ كثيرُ تناديهِ وحيّلهْ
فإعرابه على قياس من أعربَ سفارِ ونحوه، إذا سمّى به، وقول الآخرَ:
[ ٣٩ ]
بحّى هلا يزجونَ كلّ مطيّةٍ أمامَ المطايا سيرها متقاذفُ
وتركه على البناء، على قياس من تركه مبنيًا مع التّسمية.
[ ٤٠ ]
باب من