أنشد أحمدُ بن إبراهيم، قال أنشدتنى امرأةُ من بنى قريط بن أبى بكر بن كلاب:
أوّه من ذكرى حصينٍ ودونه نقًا هائلُ جعد الثّرى وصفيحُ
قال: قالت: أوّهِ من ذكرى [أوّتِ من ذكرى]، وأوّيةِ من ذكرى، كلّ ذلك تأوّهُ.
قال أبو علىّ ﵀: أمّا أوّهِ [من ذكرى]، فمن قولهم، أوّاهُ، وآهةَ الرجلِ الحزينِ، وكان القياسُ أن تسكّنَ الهاءُ التي هي لامُ، لأنّ ما قبلها متحرّكُ، وما قبل الآخر من أفّ ولبّ غير متحرّك، ومن ثمّ أسكنوا الآخرَ من قولهم:
بذخْ بقرقارِ الهديرِ بذّاخْ
[ ١٥ ]
قال أحمد بن يحيى: معناه افخرْ به. إلا أنّه حرّك الآخر، من أوّهِ للإتباع، إذ قد فعلوا [ذلك] ببعض المعرب، نحو أخوكَ.
وأمّا أوّت من ذكرى، فمن ذكرى، فمن قولهم: آوّتاهْ، الفاء همزةُ، والعينُ والّلامُ من باب قوّةٍ.
ويحتمل ضربين: أحدهما أن يكون الفعلُ سمّىَ بغعلةٍ، كما سمّىَ بلبّ، وبأفّ، والكسرةُ فيه للبناء، ويقاربُ ذلك قولهم: كيّةَ، ودّية َ.
والآخرُ: أن يكون على فعلةٍ، والألفُ على حدّ التي في منتزاح، لأنّه لو كانت فاعلةً لا نقلبت اللامُ ياءً،
[ ١٦ ]
ولم تدغم العين فيه، ألا ترى أنّك لو بنيت مثل فاعلةٍ من قويت، لقلت: قاويةُ غدًا، ويمكن أن تكون فاعلةً في الأصل، إلاّ أنّ الواو صحّتْ، لأنه لم يشتق منه فعل، فيلزم قلب الواو الى الياء، فلمّا لم يجر على الفعل، وكانت مبنيّة على التأنيث، [صحّتْ] كما صحّت في شقاوة وغباوة، ونحو ذلك.
ويجوز أن تكون أوّت من ذكرى فعلة، سمّى بها الفعل، ألا ترى أنّهم قالوا: كان من الأمر كيّةَ وكيّةَ، وذيّةَ وذيّة، فكنوا بها لاعن الجمل، كذلك تكون اسمًا للفعل.
وأمّا أويّةِ من ذكرى فينبغى أن يكون تحقير أوّت، وحقرت كما حقّرت الأسماء المبهمة ُ، كما حقّر الذي والّتى، تحقيرها، ففتح الأوّل منه، كما فتح من المبهمة، ومن الذي، وهذه أجدر، لأنّها أقلّ تصرفاّ، والضمير الذي فيه لا يمنع من تحقيره، الا ترى أن رويد مصغّر، وهو اسم الفعل، لأن الضمير [الذي] فيه على حدّ الضمير الذي في اسماء الفاعلين، وما شبّه بها من الصفات.
ويجوز أن تكون أوّية تصغير آوّة، كقولك في حارثٍ: حريثُ، وأما قول الشاعر:
أولى فأولى يا امرأ القيس بعدما خصفنَ بآثار المطىّ الحوافرا
[ ١٧ ]
فإن أولى وزنه أفعل، من ولى يلي، كأنه يريد وليه الشّرُّ، وما يكرهه، وهو اسيمُ، إلا أنّه لا ينصرف، لأنه قد صار علمًا للوعيد، فصار بمنزلة رجلٍ اسمهُ أحمدُ، كما أنّ ما حكاه أبو زيد، من قولهم:
ما رأيت عنده أبعد، علم كذلك، فكذلك قولهم:: [أولى] وأمّا في التنزيل:
(أولى لك فأولى. ثم أولى لك فأولى)، فهذا خطاب للموعد، وموضعه رفع بالابتداء، وحذف الخبرُ الذي هو
لك بعد قوله: (أولى) الثانية، كما حذف من قولهم: زيدُ منطلقُ وعمرو.
فإن قال قائل: أيجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف، ويكون التقدير: الوعيد أولى لك من غيرك، فحذف المبتدأ، وألزم الحذف المبتدأ، وألزمَ الحذفُ الخبرَ، كما ألزمَ الحذفُ الصفّةُ، في قولهم: رأيته عامّا أوّل، وقول الشاعر:
يا ليتها لأهلى إبلا أو هزلت في جدب عامٍ أوّلا
أو هل يجوز أن يكون أفعل ميتدأ، والمراد به: أفعل من غيرك، ولك الخبرُ؟
[ ١٨ ]
فالقول في ذلك: أنّ أولى لا يجوز في واحد من التقديرؤين، أن يكون أفعل من كذا، كما كان ذلك في عامٍ أوّل، ونحو قوله: (فإنّه يعلمُ السّرّ وأخفى)، لأنّ أبا زيدٍ حكى أنّهم يقولون: أولاة الآن، وهاه الآن، إذا أودوا، فدخول علامة التأنيث على أفعل يدّلك أنّه ليس بأفعل من كذا، وأنّه مثل أرملةٍ، وأضحاةٍ، في أنّه علة أفعل، لا يراد فيه اتّصالُ الجارّ به، إلاّ أنّهم جعلوا المؤنث فيه أيضا معرفة، كما جعلوا المذكّرُ كذلك، فصار شئٍ سمّىَ بأضحاة، فلم ينصرف.
فأمّا ما في البيت من قوله: أولى فأولى يا امرأ القيس، فإنّ الخبر منه محذوف، للعلم به، ألا ترى أن الكلمة استعملت كثيرًا في الوعيد، حتى صارت علمًا لله، فحذف الخبر لذلك.
والمعنى في [قوله] بعد ما خصفنّ بآثار المطّى [الحوافرا]: [بعدما]
[ ١٩ ]
خصفنّ بآثار قوائم آثار الحوافر، ومثل ذلك في المعنى:
مستحقباتُ رواياها جحافلها يأخذنَ بينَ سوادِ الخطّ فالّلوبِ
ومثله قول الأعشى:
وما خلتُ أبقى بيننا من موّدة عراضُ المذاكى المسنفاتِ القىئصا
فإن قلت: أيجوز أن يكون أولى اسمًا للفعل، وفيه ضمير المخاطب، كأفّ،
[ ٢٠ ]
ولبّ، وشتّان، ووشكان، وسرعان، وما أنشده أبو زيدُ، من قوله:
لو شكان ما غنّيتمُ وشمتّمُ بإخوانكمْ والعزّ لم يتجمّع
ويكون لك في أولى لك لا يكون الخبر، ولكنه بمنزلة قولهم: لك في هلمّ لك للتّبيين، وفى سقيًا لك، ونحو ذلك، ويكون امتناع التّنوين من الدّخول عليه، كامتناعه من الدّخول على سرعان ونحوه، [لا] كما امتنع من الدّخول على غير المنصرف.
فالقول ذلك أنّ أبا زيدٍ حكى [عنهم] أنهم يقولون: أولاة الآن، بالرفع، وهذا تأنيث أولى، ولو كان اسمًا للفعل، لم يرفع، ألا ترى أنك لا تجدُ فيما سمّىُ به الفعل شيئًا مرفوعًا، فتجعل أولى مثله.
فأمّا الكسر في أوّة فللبناء، ولا يكون التقديرُ بالكلمة، بالإضافةَ، لأنّ هذه الكلمُ لم تضف.
[ ٢١ ]
فإن قلتُ: فهلاّ جازت الإضافة فيها، كما جازت إضافةُ أسماءِ الفاعلين، والصفّات المشبّهة بها، وفى كلّ من ذلك ضميرُ.
فالقول أن ّ ذلك الضميرَ، الذي في اسم الفاعلِ، لمّا لم يقعْ به اعتدادُ، صار الاسم الذي يتضمنه بمنزلة غلامٍ، ورجلٍ، وليست هذه الأسماءُ كذلك، ألا ترى أنها قد قامت مقام الجمل، في نحو: صه، ورويد عليّا، فلمّا مقامها لم تجز إضافتها، كما لم تجز لإضافة الجمل.
فإن قلت: فقد قالول: رويدُ زيدٍ.
فهذا ليس سمّىَ به الفعلُ، ولكنه المصدر المصغّر بحذف الزّوائد، وعلى هذا وصف به، في نحو: ضعه وضعًا رويدًا، وكذلك القول في بله زيداّ، من نصب زيدًا، جعل بله اسمًا للفعل، ولا يجوز إضافته على هذا القول، ومن قال: بله زيدٍ، جعله مصدرًا مضافًا، مثل رويدُ زيدٍ.
وإذا لم يجز إضافة هذه الأسماء، كانت الهاء في تراكها، ومناعها، في موضع
[ ٢٢ ]
نصب، على حدّ انتصابها في: اتّركها، وامنعها، ولو جاز تقديم الضمير عليها،
لقلتَ: إيّاها تراكِ، ولكنّ التّقديم عليها لا يجوز عند أصحابنا، ومن ثمّ حملوا قول الشاعر:
يا أيّها المائح دلوى دونكا
على مضمر عامل فيه، غير دونك، لأنهم لا يجيزون: زيدًا دونك، وعلى هذا تأوّلوا الأية (كتاب الله عليكم) ولم يحملوها على (عليكم).
فمّا ما حكاه أبو زيدٍ من قولهم: أولا الآن، فالآن متعلقُ بمحذوف، كما تقول: الوعيد الآن، أو غداّ.
وما حكاه من قولهم: هاه الآن، فاسم الزّمان متعلق بما هو اسم الفعل، خلاف الأول.
[ ٢٣ ]
ولا يجوز أن يكون الآن [الآخرُ] في موضع خبرٍ، كما كان ذلك في قولهم: أولاة الآن، ألا ترى أنّ هذه الأسماءَ لم يخبرْ عنها، في موضعٍ من كلامهم، كما لم يخبر عن الجمل.
[ ٢٤ ]
هذا باب