قال الشاعر:
ما يضرُّ البحرَ أمسى زاخرًا أنْ رمى فيه غلامٌ بحجرْ
القولُ في فاعل يضرُّ أنه يحتملُ أن يكون أحد شيئين، أحدهما: أن تجعلَ ما استفهامًا، فيصيرُ في يضرُّ ضميرها، ويكون أن رمى في موضع نصبٍ، على هذا، فيكون التقدير: بأنْ رمى فيه، كأنّه: أيُّ شيءٍ يضرُّ يرمي غلامٌ فيه بالحجر؟
ويجوز أن تجعلَ ما نفيًا، فيصيرُ موضعُ أنْ رمى رفعًا، بأنه فاعلٌ، تقديره: ما يضرُّ البحرَ رميُ غلامٍ فيه بحجرٍ، ومن ذلك قوله:
ما ضرَّ تغلبَ وائلٍ أهجوتها أم بلتَ حيثُ تناطحَ البحرانِ
إن جعلتَ ما استفهامًا، صارَ في ضرَّ ذكرٌ، يكون فاعلَ قولك: ضرَّ،
[ ٤٧٠ ]
وعائدًا إلى المبتدأ، كقولها:
ما كان ضرَّك لو مننتَ ورُّبما منَّ الفتى وهو المغيظُ المحنقُ
فكما أنّ فاعلَ ضرّك في هذا البيت، في المعنى ما يعودُ إلى ما كذلك يكون قوله: ما ضرَّ تغلبَ وائلٍ: أيُّ شيءٍ ضرَّها. وهذا هو الوجهُ.
فإن قلت: فهل يجوزُ أن أجعلَ ما نفيًا، في قوله: ما ضرَّ تغلبَ وائلٍ؟ فإنَّك إن جعلتها كذلك لم يكن للفعلِ فاعلٌ.
فإن قلت: أجعلُ الفاعلَ فيه أحد شيئين، أحدهما: أنَّي إذا قلتُ: ما ضرَّ، دلَّ الفعلُ على المصدر، فأجعلُ الفاعلَ ضميرَ المصدر، فيكون التقديرُ: ما ضرَّها ضرٌّ، أو ضيرٌ، لأنه بمعنى الضُّرِّ، وقد قال: (لا ضيرَ)، فأجعله بمنزلةِ: قيلَ فيه قولٌ، وذهبَ به مذهبٌ، ويكون قوله:
أهجوتها أم بلتَ حيث تناطحَ البحرانِ
اتِّصاله بالكلام على المعنى، كأنه يريد: هجوكَ لها وبولك في هذا المكان سواءٌ، في أنَّهما لا يضرُّانها، ويقوِّي ذلك أنه ليس باستفهام، ألا ترى أنه ليس يستفهمه عن ذلك، ومثل هذا في تأويل سيبويه، قولُ الشاعر:
فقلتُ تحمَّلْ فوق طوقك إنَّها مطبَّعةٌ من يأتها لا يضيرها
[ ٤٧١ ]
ألا ترى أنّ الفاعلَ لا يكونُ إلاَّ ما دلَّ عليه يضيرها، لأنه ليس في الكلام ما يجوز أن يكون فاعلًا غيرَ ذلك.
والآخر: أن يكون الكلامُ محمولًا على المعنى، فيكون الفاعلُ ما دلَّ عليه أهجوتها أم بلتَ، كأنه قال: ما ضرَّ تغلبَ وائلٍ هجاؤك وبولك بهذا المكان، وحسَّن تجويزَ ذلك، أنَّ ما ذكرنا من هذين الاسمين قد تعاقبا لفظَ الاستفهام، فجاءَ: (سواءٌ عليهمْ أستغفرتَ لهمْ أمْ لمْ تستغفرْ لهمْ)، وقال:
سواءٌ عليك اليومَ أنصاعتِ النَّوى بخرقاَء أم أنحى لكَ السَّيفَ ذابحُ
وقال:
ولا أنا ممَّن يزجرُ الطَّيرَ همُّهُ أصاحَ غرابٌ أم تعرَّضَ ثعلبُ
فما دخلتْ عليه الهمزةُ وأم في موضع خبر المبتدأ، وقال النَّمر بن تولب:
سواءٌ عليها الشَّيخُ لم يدرِ ما الصِّبا إذا ما رأتهُ والألوفُ المقتَّلُ
[ ٤٧٢ ]
فكما كان هذان الاسمان في موضعِ خبر المبتدأ، كذلك يجوز أن يكونا فاعلين في هذه المواضع، ويحملُ الكلامُ على المعنى.
وإن شئتَ جوَّزتَ في قولها:
ما كان ضرَّك لو مننتَ
أن تكون ما نافيةً، فأضمرتَ في الفعل الضُّرَّ، أو الضَّيرَ.
ولا يستقيمُ أن تجعلَ المنَّ الذي دلَّ عليه قولها: لو مننتَ الفاعلَ، كما استقام ذلك في همزة الاستفهام، وأمْ، ألا ترى أنه ليس في لوْ ما في الهمزة وأم من معاقبة الاسمين بعدَ لوْ كما تعاقبا بعدَ سواءٍ في قولِ النَّمر، ونحوه.
ومن ذلك قولُ الأسودِ بن يعفر:
تحاماكَ الحتوفُ وأفلتوني أخو الملهوفِ والبطلِ المحامي
الواو في أفلتوني ضميرٌ لما يتقدَّم ذكره، وليس على أكلوني البراغيثُ،
[ ٤٧٣ ]
فهو في المعنى كقول الآخر:
يموتُ الصَّالحون وأنت حيٌّ تخطَّاك المنايا لا تموتُ
ونحوهُ في المعنى قولُ الشَّمَّاخ:
ولكنِّي إلى تركاتِ قومي بقيتُ وغادروني كالخليعِ
ومثلُ قولِ الأسودِ: وأفلتوني، وهو يريدُ الموت، قولُ النَّمر بن تولبٍ:
شهدتُ وفاتوني وكنتُ حسبتني فقيرًا إلى أن يشهدوا وتغيبي
وقال: تحاماكَ الحتوفُ، فجاء به على الخطاب، كما قال الأعشى:
شتَّانَ ما يومي على كورها ويومُ حيَّانَ أخي جابرِ
[ ٤٧٤ ]
أرمي بها البيدَ إذا هجَّرتْ وأنتَ بينَ القروِ والعاصرِ
يريد: وأنا كذلك، ألا ترى أنَّ قبله:
أرمي بها البيدَ إذا هجَّرتْ
وقوله: أخو الملهوف بدلٌ من الضَّمير الذي في أفلتوني، وهو اسمٌ مضافٌ مفردٌ، يرادُ به الكثرةُ، وفي التنزيل: (وإن تعدُّوا نعمةَ اللهِ لا تحصوها)، ولا ينبغي أن يكونَ على: ضربَ زيدٌ رأسه، لأنه لا يريدُ أنَّ بعضَ من فاته أخو الملهوف، ولكنْ جميعهم، وعكسُ هذا في البدل، ما أنشده أبو عبيدة:
وأدخلُ الجوفَ أجوافَ البيوتِ على مثلِ النِّساءِ رجالٍ ما لهمْ غيرُ
فالجوفُ واحدٌ، يرادُ به الكثرةُ، ألا ترى أنه لا يخلو من أن يرادَ به الإفرادُ أو الكثرةُ، فلو أريدُ به المفردُ، لم يجزْ، لأنَّ البدلَ إنما يكون وفقَ المبدلِ منه، أو بعضه، ولا يكونُ أن يزيدَ عليه.
فإذا كان كذلك علمتَ أن الجوفَ يرادُ به الكثرةُ، فلذلك استقام أن تبدلَ
[ ٤٧٥ ]
الأجوافُ منه، فصار بمنزلةِ: ضربتُ زيدًا رأسه، ومثل ذلك في أنه أريدَ بالمفردِ فيه الكثرةُ، قولُ النَّمر:
حتى إذا قسمَ النَّصيبُ وأصفقتْ يده بجلدةِ ضرعها وحوارها
أراد بالنَّصيب الأنصباءَ، ألا ترى أنَّ الميسرَ إنَّما تكون فيه أنصباءُ عدَّةٌ، ليس نصيبًا واحدًا.
وقال ذو الرُّمَّة:
إذا تنازعَ جالاَ مجهلٍ قذفٍ أطرافَ مطَّردٍ بالحرِّ منسوجِ
تلوى الثَّنايا بأحقيها حواشيهُ ليَّ الملاءِ بأبوابِ التَّفاريجِ
كأنَّه والرَّهاءُ المرتُ يركضهُ أغراسُ أزهرَ تحتَ اللَّيلِ منتوجِ
فاعلُ يركضُ لا يخلو من أن يكون الآل، أو الرَّهاءَ المرت، فالدَّليلُ على
[ ٤٧٦ ]
أنه الآلُ، دونَ الرَّهاء، أنهم يصفون الآل برفعِ الموضعِ الذي يكونُ فيه، فمن ذلك قوله:
ورفَّع الآلُ رأسَ الكلبِ فارتفعا
المعنى: رفع الآلُ هذه الهضبةَ، التي هي رأسُ الكلب، وكان القياسُ: رفَّعها فترفَّعتْ، إلاّ أنَّ ارتفع جاء كقوله:
وقد تطوَّيتُ انطواءَ الحِضبِ
لأنَّ ارتفع مطاوعٌ، كما أنَّ ترفَّع كذلك، ومن ذلك قوله:
وساحرةِ السَّرابِ من الموامي ترقَّصُ في عساقلها الأرومُ
[ ٤٧٧ ]
فالتَّرقُّصُ ارتفاعٌ من المترقِّص، وكذلك قولُ الآخر:
وهمَّ رعنُ الآلِ أن يكونا بحرًا يكبُّ الحوتَ والسَّفينا
تخالُ فيه القنَّةَ القنونا إذا بدتْ نوبيَّةً زفونا
كان التقدير: تخالُ فيه القنَّةَ ذات القنون، أي التي تكون معها، نوبيَّةً زفونًا، فالمفعولُ الثاني نوبيَّة، لأنَّ القنَّةَ السَّوداء، لاهتزازها في منظرة العين شبَّهها بنوبيَّةٍ تزفنُ، فكما وصفَ بالتَّرقُّصِ، وصفَ بالزَّفن، ولا يكون القنونا المفعول الثانيَ، لأنه لا يخالُ في الآلِ، الشيءُ الواحدُ، اشياءَ، ولكن يخالُ أنها تهتزُّ وترتفعُ، ومن ثمَّ قالوا: زهاهمُ الآلُ، ومن ذلك قوله:
إذا الشَّخصُ فيها هزَّهُ الآلُ أغمضتْ عليه كإغماض المقضِّي هجولها
هجولها: فاعلُ أغمضتْ، والهجلُ: بطنٌ من الأرضِ، والمعنى: أنه جعل انتفاءَ استبانةِ الشَّخص فيه، بمنزلةِ إغماضةِ العين على الشيء، والتقدير: أغمضتْ مثل إغماضِ الميِّتِ، لأنَّ المقضِّيَ الميِّتُ.
والهزُّ: تحريكٌ كالرَّقص، ويدلُّ على أنّ الهزَّ في ارتفاعٍ قوله:
ورفَّع الآلُ رأسَ الكلبِ فارتفعا
[ ٤٧٨ ]
فإذا كان الآلُ هو المحرِّكَ، والرافعَ لهذه المواضع التي تكون فيه، فكذلك فاعلُ يركضُ هو السَّرابُ. والضَّميرُ الذي في قوله: كأنَّه هو للآلِ، أي: والرَّهاءُ المرتُ يركضُ الآلَ، وركضهُ إيَّاه هو كهزِّه له، ويكون ذلك في ارتفاعٍ، بدلالة ما أنشدناه.
وإذا كان كذلك علمتَ أن قوله:
كأنَّنا رعنُ قفٍّ يرفعُ الآلا
على القلب، والمعنى: يرفعه الآلُ، فقلب، كقوله:
مثلُ القنافذِ هدَّاجونَ قد بلغتْ نجرانَ أو بلغتْ سوآتهمْ هجرُ
فعلى قياسِ القلب، يجوز أن يكون فاعلُ يركضُ الرَّهاءَ، الذي هو اسمُ الموضع، كما كان فاعلُ يرفعُ، في قوله: يرفع الآلا القفَّ، وكذلك ممّا إذا لم يحوجْ إليه تصحيحُ وزنٍ، أو إقامةُ قافيةٍ، فلا ينبغي أن يحملَ عليه.
ومن قال: زيدًا ضربته، قال: كأنه والرّهاءَ المرتَ يركضهُ، لأنّ الرّهاءَ مركوضٌ، وفاعله السَّرابُ، كما أن زيدًا مضروبٌ.
ومن قدَّر القلبَ، لم يجزْ نصبَ الرّهاءِ، لأنه فاعلٌ، على قوله، وليس بمفعولٍ في اللَّفظ.
وفاعلُ أغمضتْ الهجولُ، التقديرُ: أغمضتْ عليه هجولها، فلم يرَ الشَّخصُ،
[ ٤٧٩ ]
كإغماضِّ المقضِّي - وهو الميِّتُ - عينه، فحذف المفعولَ به، وهذا في المعنى كقوله:
ترى قورها يغرقنَ في الآلِ مرَّةً وآونةً يخرجنَ من غامرٍ ضحلِ
فأغمضتْ، كقوله: يغرقنَ، ويدلُّك على أنَّ قوله: يغرقنَ يريدُ به أنه لا يظهرُ للعين، قوله:
وآونةً يخرجنَ من غامرٍ ضحلِ
وقال ابنُ الرِّقاع:
وإذا بدا علمٌ لهنَّ كأنَّه في الآلِ حينَ بدا ذؤابةُ عائمِ
أي قد غطَّى الآلُ الجبلَ، فإنّما يظهرُ رأسه، كما يبدو رأسُ السَّابح. وقال أيضًا:
إذا علوا ظهرَ حزباءٍ تحاملهمْ آلُ الضُّحى وإذا ما أسهلوا غرقوا
تحاملهمْ: تحمَّلهم. وروى محمدُ بن السَّريِّ، أنَّ الآل بالضُّحى: الذي يرفعُ الشُّخوصَ، والسَّرابُ: نصفُ النَّهار، ويدلُّ على ذلك قوله:
ورفَّع الآلُ رأسَ الكلبِ فارتفعا
وقوله:
إذا تنازعَ جالاَ مجهلٍ قذفٍ
فإنَّ منازعةَ جاليِ المجهلِ وجانبيه لأطرافِ المطَّردِ، إنَّما هو حدوثه فيه،
[ ٤٨٠ ]
وانتساجه به، فجعله منازعةً له، كما أنَّ العجَّاجَ في قوله:
من رصفٍ نازعَ سيلًا رصفا
جعل جرى الماءِ من السَّيل إلى الرَّصفِ، منازعةً من الرَّصفِ للسَّيل.
وجوابُ إذا قوله: تلوى الثَّنايا، والمعنى: تلوى ثنايا هذين الجالينِ، أي الثَّنايا التي تتَّصل بأحقيها، أي بأوساطها، حواشيَ هذا الآلِ.
وليُّها له: هو ألاَّ يطَّردَ فيه اطِّراده في المستوى. أي يلوي عن الثَّنايا، ولا يطَّردُ فيها، كما يلوَى السِّترُ عن هذه الأبواب، فلا يسبلُ على جميعه.
والجملةُ التي هي قوله: والرَّهاءُ المرتُ يركضه في موضعِ نصبٍ على الحالِ، والعاملُ فيها معنى الفعل، والمعنى: كأنَّ السَّرابَ، أو الآلَ راكضًا الرَّهاءَ، مطرٌ، لأنَّ ذلك يشبَّهُ بالماءِ، ويظنُّ إيَّاه.
والأغراسُ: حميعُ غرسٍ، وهو الماءُ الذي يخرج مع الولد، فاستعارَه للمطر، أي
كأنَّه مطرُ سحابٍ أزهر، خرج ماؤه ليلًا.
[ ٤٨١ ]
ومثل قوله:
كأنّه والرّهاءُ المرتُ يركضه
في أنَّ الفاعلَ يكونُ مرَّةً الأرضَ، ومرَّةً ما يجري عليها، قوله:
فظلَّ السَّفا من كلِّ قنعٍ جرى به يخزِّمُ أوتارَ القيونِ نواصلهْ
ففاعلُ جرى، من قوله: من كلِّ قنعٍ جرى به القنعُ، على قياسِ ما جاءَ من قوله:
ما زالَ مذْ وجفتْ في كلِّ هاجرةٍ بالأشعثِ الوردِ إلاَّ وهو مهمومُ
ألا ترى أنَّ فاعلَ وجفتْ الأرضُ، وجعلها هي الواجفةَ بالأشعث، وإنّما الأشعثُ هو الواجفُ في الأرض، وهذا كما قالوا: سالتْ بهم الفجاجُ، والمعنى أنهم هم سالوا، وجروا في الفجاج.
ويجوز على تركِ الاتِّساعِ والقلبِ، أن يكونَ فاعلُ جرى السَّفا، دونَ القنعِ، كما أنَّ فاعلَ يركضه المطَّردُ، دونَ الرّهاءِ، ويبيِّنُ ذلك قوله:
وحتَّى رأينَ القنعَ من فاقِئ السَّفا قد انتسجتْ قريانهُ ومذانبهْ
المعنى: قد انتسجتْ قريانهُ بالسَّفا، فانتساجهُ به جريهُ فيه. وإن شئتَ قدَّرتَ حذفَ المضاف: انتسجتْ سفا قريانه.
[ ٤٨٢ ]
ومثلُ قولِ ذي الرُّمَّة:
ما زال مذْ وجفتْ في كلِّ هاجرةٍ
قولُ الشَّمّاخ:
طوى ظمئها في بيضةِ القيظِ بعدما جرت في عنانِ الشِّعرَيينِ الأماعزُ
أي بعدَ ما جرت الأماعزُ بالسَّراب، على ظاهرِ اللَّفظ، وإن شئتَ قدَّرتَ حذفَ المضاف، فكان التقديرُ: بعدَ ما جرى سرابُ الأماعزِ، أو آلها، بها، إلاّ أنَّك حملتَ اللّفظَ على الأماعزِ، فأنَّثتَ على ذلك.
أنشدَ محمدُ بن السَّريِّ، لنصيبٍ:
وقالوا عهدناهُ وفي كلِّ ليلةٍ يحلُّ به من طالبِ العرفِ راكبُ
يحتمل قوله: من طالبِ العرف أمرين، أحدهما: أن يكونَ أراد الجمعَ، فحذف الياءَ، لالتقاء السَّاكنين، مثل: (محلِّي الصَّيدِ)، ويكون الرَّاكبُ بعضَ الجملةِ، كما تقولُ: يحلُّ به من المعتفين ناسٌ، والمعنى: فريقٌ راكبٌ، أو قبيلٌ راكبٌ.
[ ٤٨٣ ]
والآخرُ: أن يكون الراكبُ هو الطالبَ، كما تقول: تلقى من زيدٍ الأسدَ، وتلقى بعمروٍ شجاعًا وعالمًا.
و:
يأبى الظُّلامةَ منه النَّوفلُ الزُّفرُ
ويكون طالبُ العرفِ اسمَ الجنس، فلا يكون واحدًا، ولكنْ كما أنشده أبو زيدٍ، من قولِ الراجز:
إنْ تبخلي يا جملُ أو تعتلِّى أو تصبحي في الظاعن المولِّي
وكما تقول: نعمَ الرجلُ، ونعم غلامُ الرجل، وفي التنزيل: (وإنْ تعدُّوا نعمةَ اللهِ لا تحصوها)، ويكون أفردَ راكبًا لمَّا كان الأوَّلَ في المعنى، وإن كان المرادُ به
[ ٤٨٤ ]
الكثرةَ، لأنَّ الأوَّلَ أيضًا على لفظ الواحدِ، وقد جاء المفردُ في الإيجاب، يرادُ به الكثرةُ قال:
فقتلًا بتقتيلٍ وضربًا بضربكمْ جزاَء العطاسِ لا ينامُ من اتَّأَرْ
وقد قالوا: الجاملُ، والباقرُ، وقال ﷿: (فكنتمْ على أعقابكمْ تنكصونَ. مستكبرينَ به سامرًا تهجرونَ)، فجاء (سامرًا) يرادُ به الكثرةُ، وقال تعالى: فقطعَ دابرُ القومِ الَّذين ظلموا)، فهم فاعلٌ يرادُ به الكثرةُ.
ومثلُ كونِ الراكبِ، الطالبَ في المعنى، قولُ أبي ذؤيب، يصفُ سيلًا:
فمرَّ بالطَّيرِ منه فاعمٌ كدرٌ فيه الظِّباء وفيه العصمُ أجناحُ
[ ٤٨٥ ]
مرَّ منه يريدُ: من السَّيل، والمعنى: مرَّ هو، كقوله:
بنزوةِ لصٍّ بعدَ ما مرَّ مصعبٌ بأشعثَ لا يفلى ولا هو يقملُ
وهو الأشعثُ.
وأجناحٌ: جمعُ جانحٍ، مثلُ صاحبٍ وأصحابٍ، وقيل: الجانحُ: المكبُّ على وجهه، وأمَّا قولُ أبي وجزةَ:
وأرى كريمكَ لا كريمةَ دونهُ وأرى بلادكَ منفقعَ الأجوادِ
فيقال: جيدَ الرجلُ، فهو مجودٌ: إذا عطشَ، فمنقعُ الأجواد: أي مروى العطاش، ليس أنَّ الأجوادَ جمعُ مجودٍ، ولكنْ كأنَّه جعل الواحدَ جائدًا، فاعلًا، على معنى النَّسب، كلابنٍ وتامرٍ، أي ذو عطشٍ، ثم جمعه على أفعالٍ، كأصحابٍ.
وقال أبو حيَّةَ النُّميريّ، يصفُ حمارًا:
إذا ريدةٌ من حيث ما نفحتْ لهُ أتاهُ بريَّاها خليلٌ يواصلهْ
[ ٤٨٦ ]
يقال: ريحٌ رادةٌ، وريدةٌ، وريدانةٌ، للّين. وريّاها: ريحها، وخليلٌ: يعني أنفه. يقول: تأتيه الرِّيحُ، لتنسُّمهِ إيَّاها بأنفه.
فإذا هذه: التي هي ظرفٌ من الزَّمان، لأنّ المعنى: إذا نفحتْ ريحٌ تنسَّمها، وإذا كان كذلك، كانت ريدةٌ مرتفعةً بفعلٍ مضمرٍ، تفسيره نفحتْ، مثل: (إذا السَّماءُ انشقَّتْ) ونحو ذلك، ومن متعلّقةٌ بالمحذوف الذي فسَّره نفحتْ، وما أضيف إليه حيثُ ما حكاه أحمدُ بن يحيى: من حيثُ وليس.
ومثلُ حذفِ الفعل، الذي تقتضيه إذا هنا، ما جاء من حذف الفعلِ، الذي تقتضيه لو في قول الشاعر. . .
وإن شئتَ قلت: إنَّ حيثُ مضافةٌ إلى نفحتْ، وريدةٌ مرتفعةٌ بفعلٍ
[ ٤٨٧ ]
مضمرٍ، دلَّ عليه نفحتْ، وإن كان قد أضيف إليه حيث، كما دلَّ الفعلُ الذي في صلةِ أنَّ في قولك: لو أنَّك جئتني لأكرمتك، وأغنى عنه، فكذلك هذا الفعلُ، المضافُ إليه
حيث، أغنى عن ذلك الفعلِ، لمَّا دلَّ عليه، كما قلنا في لوْ ألا ترى أنَّ المضافَ إليه، مثلُ ما بعدَ الاسمِ الموصولِ، في أنَّ كلَّ واحدٍ منهما لا يعملُ فيما قبله، ومع ذلك فقد أغنى الفعلُ الذي في صلةِ أنَّ عن الفعل الذي تقتضيه لوْ، وإن كان قبلَ الصِّلة، فكذلك الفعلُ المضافُ إليه حيث أغنى عن ذلك الفعل.
وقال ابنُ كراعٍ:
وإذا الرِّكابُ تكلَّفتْها عطَّفتْ ثمرَ السِّياطِ قطوفها ووساعها
الرِّكابُ: واحدها راحلةٌ، كما أنَّ النِّساءَ واحدها امرأةٌ، والتقدير: إذا تكلَّفَ أصحابُ الرِّكابِ هذه الناقةَ، أي سيرها، وتكلُّفهم لسيرها إنما هو أن يريدوا منهنَّ أن يسرنَ كسيرها.
وإن شئتَ لم تقدِّرْ حذفَ المضاف، وتركتَ الكلامَ على ظاهره.
وقوله: عطَّفتْ أي عطَّفتْ هذه الناقةُ، ففاعلُ عطَّفتْ ضميرها، أي عطَّفتْ هذه الناقةُ ثمرَ السِّياط، القطوفَ والوساعَ، لأنهنَّ يقصِّرن عن سيرهنَّ، فيضربن حتى يلحقنَ بها، فلمَّا ضربنَ من أجلها، جعل ضربهم إيَّاهنَّ ضربًا منها لهنَّ،
[ ٤٨٨ ]
كما يقولُ القائلُ، إذا ضربَ من أجلِ زيدٍ: ضربني زيدٌ، فالناقةُ ضميرها فاعلُ عطَّفتْ، وتعدَّى عطَّفتْ إلى مفعولين، كما يتعدَّى: ردَّيتُ زيدًا ثوبًا، إلى مفعولين، لأنَّ العطافَ الرِّداءُ، فيما فسِّر.
ومثلُ ذلك، في أنَّه لمَّا ضربها بالسُّوطِ، جعله رداءً لها، لوقوعِ الضَّربِ موقعَ الرِّداء، وإن لم يكن رداءً في الحقيقة، قولُ الزَّاجر:
يمطو ملاطاهُ بحمراَء فرِى وإن تأبَّاها تردَّى الأصبحي
ومثله قولُ الآخر:
إيَّاكِ أن توشَّحي بالأصبحي
ومثله في أحدِ التفسيرين قوله:
وداهيةٍ جرَّها جارمٌ جعلتَ رداءكَ فيها خمارا
[ ٤٨٩ ]
أي جعلتَ رداءكَ فيها سيفًا، ضربتهم به، أي جعلته موضع الخمار، كما جعلتَ السَّوطَ موضعَ الرِّداء، وقد يكون على هذا، قوله ﷿: (فبشِّرهمْ بعذابٍ أليمٍ) أي اجعلِ الإنذارَ بالعذابِ مكانَ البشارة.
والتفسيرُ الآخرُ في البيت: أن تعمَّم بالرِّداءِ، للتشمُّرِ، والجدِّ في أمره، كقول النابغة:
يحثُّ الحداةَ عاصبًا بردائهِ يقي حاجبيهِ ما تثيرُ القنابلُ
ومثلُ قولِ ابنِ كراعٍ، قولُ رؤبةَ، إلاَّ أنه يعني فرسًا:
ناجٍ يعنِّيهنَّ بالإبعاطِ إذا استدى نوَّهنَ بالسِّياطِ
[ ٤٩٠ ]
أي إذا اشتدَّ جريهُ فعرقَ، نوَّهَ أصحابُ غيرها بالسِّياطِ، ليلحقنه، فحذفَ المضافَ.
وقال القطاميُّ:
إذا التَّيَّازُ ذو العضلاتِ قلنا إليكَ إليكَ ضاقَ بها ذراعا
فاعل ضاقَ التَّيَّازُ المتقدّم ذكره، وضاقَ جواب إذا، والتَّيَّازُ يرتفع بفعلٍ مضمر، يفسِّره قلنا، التقدير: إذا خوطبَ التَّيَّازُ، وقلنا معناه: قلنا له، وهو مفسِّرٌ لخوطبَ أو كلِّم، ونحو ذلك، ممَّا يفسِّره قلنا له.
ورفعُ التَّيَّازِ كإنشادِ من أنشدَ:
إذا ابنُ أبي موسى بلالٌ بلغتهِ
[ ٤٩١ ]
والمعنى: ضاقَ ذرعُ التَّيّازِ بأخذِ هذه الناقةِ، لأنه لا يضبطها، من شدَّتها ونشاطها، فكيف من هو دونه؟
ومن أنشد:
إذا ابنُ أبي موسى بلالٌ
بالرفع، قولُ لبيد:
فإن أنت لم ينفعكَ علمكَ فانتسبْ لعلَّك تهديكَ القرونُ الأوائلُ
ألا ترى أنَّ أنت يرتفعُ بفعلٍ في معنى هذا الظَّاهر، كأنه لو أظهرته: فإن لم تنتفعْ. ولو حمل أنت على هذا الفعل الظاهر، الذي هو ينفعك، لوجب أن يكونَ موضعَ أنت إيّاكَ، لأنّ الكافَ الذي هو سببهُ هي مفعولةٌ منصوبة.
[ ٤٩٢ ]
فهذا البيتُ يقوِّي إنشادَ من أنشد:
إذا ابنُ أبي موسى
بالرفع، على إضمار فعلٍ، في معنى المضمرِ، غير الظاهرِ نفسِه.
وقال الفرزدق:
إذا هو أعطى اليومَ زادَ عطاءه على ما مضى منه إذا أصبحَ الغدُ
تقديره: زادَ الغدُ عطاءه، على ما مضى منه. وتقدير: زاد عطاءه الغدُ، على وجهين، أحدهما: زاد صاحبُ الغدِ، أو: زادَ الغدُ، والمعنى: في الغدِ، فاتَّسع، وجعل الظَّرفَ مفعولًا به، فجعله فاعلًا، على ذلك، وعلى أحدِ الوجهين: نهارك صائمٌ.
وجوابُ إذا الأولى، قد سدَّ مسدَّ جوابِ إذا الثانيةِ، ومثلُ ذلك في الجوابِ قوله:
إذا سعدُ بنُ زيدِ مناةَ سالتْ بأكثرَ في العديدِ من التُّرابِ
رأيتَ الأرضَ مغضيةً لسعدٍ إذا فرَّ الذَّليلُ إلى الشِّعابِ
فجوابُ إذا الأولى، سدَّ مسدَّ جوابِ إذا الثانية، ومثل ذلك قوله:
إذا عدَّ قومٌ مجدهمْ وبيوتهمْ فضلتمْ إذا ما أكرمُ الناسِ عدِّدوا
وقال:
جرى ابنُ أبي العاصي فأحرزَ غايةً إذا أحرزتْ من نالها فهو أمجدُ
[ ٤٩٣ ]
الفاءُ من جواب إذا محذوفةٌ، التقدير: إذا أحرزتْ فمن نالها.
والفاءُ في قوله: فهوَ أمجدُ على حدّ التي في قوله تعالى: (الَّذين ينفقونَ أموالهمْ
باللَّيلِ والنَّهارِ سرًَّا وعلانيةً فلهمْ أجرهمْ عندَ ربِّهمْ).
وأمجدُ يجوز أن يكون بمعنى ماجدٍ، ويجوز أن يكون المعنى: فهو أمجدُ ممَّن لم ينلها.
وأنشد سيبويه، لعمرانَ بنِ حطَّانَ:
ولي نفسٌ أقولُ لها إذا ما تنازعني لعلِّي أو عساني
وأنشدَ لرؤبةَ:
يا أبتا علَّكَ أو عساكا
قال: الكافُ منصوبةٌ. قال: ولو كانت الكافُ مجرورةً، لقال: عسايَ، ووجهُ ذلك: أنَّ عسى لمَّا كانت في المعنى بمنزلةِ لعلَّ، وقال: لعلَّ وعسى طمعٌ وإشفاقٌ، فتقاربا، أجرى عسى مجرى لعلَّ، إذ كانت غيرَ متصرِّفةٍ، كما أنَّ لعلَّ كذلك، فوافقتْها في العمل، حيث أشبهتها في المعنى، والامتناعِ من التصرُّف.
[ ٤٩٤ ]
فإن قلت: إذا صارتْ بمنزلتها لهذا الشَّبه، فما المرفوعُ بها، وهي إذا صارت بمنزلةِ لعلَّ اقتضى مرفوعًا، لا محالةَ، لا محالةَ، لأنّه لا يكون المنصوبُ في هذا النَّحو بلا رافع؟
قيل: إنَّ ذلك المرفوعَ الذي تقتضيه محذوفٌ، ولم يمتنعْ أن تحذفه، وإن كان الفاعلُ لا يحذف، لأنَّها إذا أشبهتْ لعلَّ جازَ أن يحذفَ، كما جازَ حذفُ خبرِ هذه الحروف، من حيث كان الكلامُ في الأصل، الابتداءَ والخبر، فحذفتَ، كما تحذفُ أخبارَ المبتدأ، وكذلك المرفوعُ الذي تقتضيه عسى حذف على هذا الحدِّ، كما حذف الخبرُ من لعلَّ، في قوله: علَّك أو عساكا، وقوله: لعلِّي أو عساني، وكما حذف في:
إنَّ محلًاّ وإنَّ مرتحلًا
وكما حذف الخبرُ، في قوله تعالى: (إنَّ الَّذينَ كفروا ويصدُّونَ عنْ سبيلِ اللهِ)، لا
كما يحذفُ الفاعل.
[ ٤٩٥ ]
ويقوِّي ذلك أنَّهم قد قالوا: عسى الغويرُ أبؤسا، فجعلوها بمنزلةِ ما يدخل على الابتداء والخبر.
وممَّا يقوِّي حذفَ ذلك، لهذه المشابهة، وأنَّ حذفه لا يمتنعُ، من حيث امتنع حذفُ الفاعلِ: أنَّ ليس لمَّا كانت غيرَ متصرِّفة، صارت عينها بمنزلةِ ليت في السُّكون، ولم يكن في يائها الكسرُ والسُّكونُ، كما كان في صيدَ.
ويكون ذلك المحذوفُ غائبًا، كأنَّه: عساكَ الهالكُ، أو عساكَ هو.
فإن قلت: فإن جاء شيءٌ بعدَ شيءٍ، من هذه الأبيات التي تشبه ما ذكر من:
عساك تفعلُ، ولعلِّي، أو عساني أخرجُ، فما يكون الفاعلُ على قوله؟
قيل: أمَّا على ما ذهب إليه، من أنه بمنزلةِ لعلَّ، فلا نظرَ فيه، ويكون بمنزلة: لعلَّك تخرجُ، والقولُ فيه كالقولِ فيه.
وأمَّا على القولِ الآخر، الذي رأيناه غيرَ ممتنع، فهو أشكلُ، لأنَّ الفاعلَ لا يكون جملةً، فإن شئتَ قلتَ: إنّ الفعلَ في موضع رفعٍ، بأنَّه فاعلٌ، وكأنَّه أراد: عساني أن أخرجَ، فحذفَ أنْ وصار أنِ المحذوفةُ في موضعِ رفع،
[ ٤٩٦ ]
بأنه فاعلٌ، كما كان في موضعِ رفعٍ بالابتداء، في قولهم: تسمعُ بالمعيديِّ خيرٌ من أن تراه، وكقولِ أبي دؤادٍ:
لولا تجاذبهُ قد هربْ
وقد جاء ذلك في الفاعل نفسه، أنشد أحمد بن يحيى:
وما راعنا إلا يسيرُ بشرطةٍ وعهدي به فينا يفشُّ بكيرِ
فكما أنَّ هذا على حذف أنْ، وتقديره: ما راعنا إلاَّ سيره بشرطة، كذلك يكونُ فاعلُ عسى، في نحو: عسى يفعلُ، إنما هو على: عسى أن يفعلَ، كقوله تعالى: (وعسى أن تكرهوا شيئًا)، فتحذفُ أنْ، وهي في حكم الثَّبات.
ولو قال قائلٌ: إن عسى في عساني وعساكَ، قد تضمَّن ضميرًا مرفوعًا، وذلك الضمير هو الفاعل، والكافُ والياءُ في موضع نصب، على حدِّ النصب، في قوله: عسى الغويرُ أبؤسا، لا على حدِّ تشبيهه بلعلَّ، ولكنْ على أصل هذا الباب، كأنه عدَّاه إلى المظهر، الذي هو أبؤس: كان وجهًا.
[ ٤٩٧ ]
فأمَّا فاعلها فإنه لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون قد جرى له ذكرٌ، أو لم يجرِ له ذكر، فإن كان ذكره قد جرى فلا إشكالَ في إضماره، وإن لم يجر له ذكرٌ، فإنما تضمره لدلالةِ الحالِ عليه، كما ذكره من قولهم: إذا كان غدًا فأتنا، فكذلك يكون إضمارُ الفاعل في عسى، وتكون على بابها، ولا تكون مشبَّهةً بلعلَّ.
والأوَّلُ الذي ذهب إليه، كأنَّه إلى النَّفس أسبقُ.
وممَّا يرتفع بالفعل، ما ذكره من أنَّ بعضهم أنشدَ لأوسِ بن حجرٍ:
تواهقُ رجلاها يداها ورأسه لها قتبٌ خلفَ الحقيبةِ رادفُ
ووجهه: أنّ المعنى: تواهقُ رجلاها يديها، فحذفَ المفعولَ، لأنَّ المفعولَ قد حذفَ كثيرًا في كلامهم، وصار له هنا من الحسنِ مزيَّةٌ، لدلالةِ الفاعلِ على المفعول، في باب فاعلَ، وأضمر فعلًا ارتفع به يداها، كما تضمر الأفعالُ الأخرُ، في هذا الباب،
[ ٤٩٨ ]
فكأنه قال: تواهقُ رجلاها يديها تواهقُ يداها، ومثل ذلك، في الفعل المبنيِّ للمفعول، قولُ الشاعر:
ليبكَ يزيدُ ضارعٌ لخصومةٍ ومختبطٌ ممَّا تطيحُ الطَّوائحُ
لمَّا قال: ليبكَ يزيدُ فدلَّ ليبكَ على الفعل المبنيِّ للفاعل، حملَ ضارعٌ على ذلك، كأنه قال: ليبكهِ ضارعٌ، ومثله قراءةُ من قرأ: يسبِّحُ لهُ فيها بالغدوِّ والآصالِ. رجالٌ)، لمَّا ذكر (يسبَّح له فيها بالغدوِّ)، فدلَّ على فاعل (يسبَّح) حمل قوله ﷿: (رجالٌ) عليه، وكذلك قراءة من قرأ: (وكذلك زيِّنَ لكثيرٍ من المشركينَ قتلُ أولادهمْ شركاؤهمْ).
[ ٤٩٩ ]
وعكسُ بيتِ أوسٍ، إنشادُ من أنشد:
قد سالمَ الحيَّاتُ منه القدما الأفعوانَ والشُّجاعَ الشَّجعما
أضمر الفعلَ والفاعلَ، فرفع الحيّات بسالمتْ، كأنه قال: سالمتِ الأفعوانَ.
ومن ذلك ما أنشده، من قولِ الشاعر:
فكرَّتْ تبتغيه فوافقتهُ على دمه ومصرعه السِّباعا
فقوله: السِّباع محمولٌ على فعلٍ آخرَ، كما كان الأفعوان محمولًا على فعلٍ آخرَ، غيرِ سالمَ الظاهر، وكما كان يداها في بيت أوسٍ، محمولًا على فعلٍ آخرَ،
[ ٥٠٠ ]
فكذلك السِّباع، وكأنَّ المعنى: فصادفت البقرةُ على دمِ ولدها أثرَ السِّباع، لا السِّباعَ أنفسها، كما تقول: هذا ضربُ زيدٍ، لما مضى من ضربه. تريد: هذا أثره، فعلى هذا قوله في ذلك.
ويجوز بعدُ: أن يكونَ الضميرُ المنصوبُ، في وافقته لأحدِ ثلاثة أشياء، لا يكونُ في واحدٍ منها ضميرُ الولد:
أحدها: أن يكون كنايةً عن المصدر، كأنه: وافقَ الوفاق، فأضمر المصدرَ، لدلالة الفعلِ عليه، وعلى هذا عندنا قراءةُ من قرأ: (فبهداهمُ اقتدهِى قلْ لا أسألكمْ).
ويجوز أن تكون الهاءُ للمكان، اتَّسع، فحذف الجارَّ، كأنَّ الأصل: كان وافقَ الولدَ في مكرِّه، أي في مكان كروهِ، أو زمانه.
فإذا أمكن في الضَّمير، من وافقته هذا، جاز أن يكونَ السِّباعُ مفعولًا لهذا الفعلِ الظاهرِ، دونَ فعلٍ أخرَ مضمرٍ، كما لو ذكرتَ المصدرَ، أو اسمَ الزَّمان، واسمَ المكان، فعدَّيته إلى أحدِ ذلك، أو إلى جميعه، كان السِّباعُ مفعولَ الظاهر.
[ ٥٠١ ]
وقال لبيدٌ:
أحكمَ الجنثيُّ من عوراتها كلَّ حرباءٍ إذا أكرهَ صلّْ
قد فسِّرَ الجنثيُّ تفسيرين، وينشدُ: الجنثيُّ، فمن أنشده بالرفع، جعله الحدَّادَ،
والحرباء: المسمارُ الذي يجمع رأسَ حلقِ الدِّرع، أي أتى به محكمًا، فهو يملأ الموضعَ الذي يجعلُ فيه، ولا يكونُ فيه نقصٌ عنه.
ومن نصب الجنثيَّ جعله السَّيفَ، ومعنى أحكمَ: منع، كأنه: منع السَّيفَ منها كلُّ حرباءَ، ومن ذلك حكمةُ الدّابَّةِ، لردِّها من غربها، ومنعها إيّاه.
ومثل ذلك، في أن الفاعلَ يكون مرَّةً فاعلًا، ومرَّةً مفعولًا، قولُ ذي الرُّمَّةِ:
ربلًا وأرطى نفتْ عنه ذوائبهُ كواكبَ القيظِ حتى ماتت الشُّهبُ
يروى: نفتْ عنه ذوائبه كواكبَ، وذوائبه كواكبُ. فمن رفع الذوائبَ، جعل أغصانَ الشَّجر هي النَّافيةَ للحرِّ عن الثَّور.
ومن نصبها جعلَ كواكبَ الحرِّ هي التي نفتِ الأغصانَ، كأنه ألقتْ ورقها، فصارتْ لا تكنُّ.
والهاءُ في عنه للثَّور.
[ ٥٠٢ ]
قال محمدُ بن السَّريّ: ونصب ربلًا، وأرطى، أراد: يقيِّظُ ربلًا وأرطى، وكذلك قوله:
وأن لا ينالَ الرَّكبُ تهويمَ وقعةٍ من الَّليل إلاّ اعتادني منكِ زائرُ
تنصبُ أيُّهما شئتَ، وترفعُ أيَّهما شئتَ، وقد قرئ: (لا ينالُ عهديَ الظَّالمونَ).
ومن ذلك قولُ أبي ذؤيبٍ:
ذكر الورودَ بها وأجمعَ أمرهُ شؤمًا وأقبلَ حينه يتتبَّعُ
يجوز في حينه الرفعُ، والنَّصبُ، على أنه مفعولٌ به، كأنه: اقبلَ الحمارُ يتتبَّعُ حينه.
والرَّفعُ على وجهين، أحدهما: أن يكون مرتفعًا بأقبلَ، فيكون التقديرُ: أقبلَ حينُ الحمار يتتبَّعه، أي يتتبَّعُ الحمارَ، فحذف الذِّكرَ العائدَ إليه.
[ ٥٠٣ ]
ويكون حينه مرتفعًا بالابتداء على أن يكونَ في أقبلَ ذكرٌ من الحمار، أي أقبل
الحمارُ، حينه يتتبَّعُ، يتتبَّعه خبر الابتداء، ويحذفُ الذِّكرُ منه، كما حذفَ من قوله:
كلُّه لم أصنعِ
كأنه: أقبل الحمارُ وحينه يتتبَّعه، كما تقول: أقبل زيدٌ ويده على رأسه.
الأعشى:
ربَّ خرقٍ من دونها يخرسُ السَّفرُ وميلٍ يفضي إلى أميالِ
من أنشده: يخرسُ السَّفرَ ففاعله ضميرُ الخرق، ومن أنشد: يخرسُ السَّفرُ، أراد يخرسُ فيه السَّفرُ، والراجعُ إلى الموصوفِ الهاءُ المحذوفةُ.
فأمَّا قوله: من دونها ففي موضعِ جرٍّ بكونه وصفًا للنكرة، وفيه ضميرُ الموصوف، على قياسِ قولِ سيبويه عندي، ومتعلِّقٌ بمحذوف، ولا يجوز أن يتعلَّقَ بيخرس، فتنوي به التأخيرَ، ألا ترى أنه قد جرى على النكرة، فهو بمنزلة معه من قولك: مررتُ برجلٍ معه صقرٌ صائدٍ به، يتعلَّق بمحذوف، ولا يتعلَّق بالفعل الظاهر، لأنك إن علَّقته بالظاهر، لزمك أن تقدِّرَ فيه التأخيرَ.
[ ٥٠٤ ]
فأمَّا قوله: يخرسُ السَّفرَ، فموضعه يحتمل ضربين، أحدهما: أن يكونَ جرًَّا، لكونه صفةً للمجرور، كما أنَّ قوله: من دونها كذلك، فهو صفةٌ بعدَ صفةٍ، فكما أنَّ قوله: مباركٌ في قوله: وهذا كتابٌ أنزلناهُ مباركٌ) صفةٌ بعدَ صفة، كذلك يكون ما في البيت.
والآخرُ: أن تجعله في موضع نصبٍ، حالًا من الذِّكر الذي فيه.
وفي قولك: يخرسُ السَّفرَ في كلِّ واحدٍ من الإنشادين، ذكرٌ يعودُ إلى ذي الحال، الذي هو الذّكرُ، الكائنُ في الظَّرف.
وأنشد أحمد بن يحيى، لجرير:
شفَّتْ فؤادكَ إن لم يأتِ خازنها راحٌ ببردِ قراحِ الماء مقطوبُ
قال: الهاءُ للرَّاح، المعنى: شفَّت فؤادك عدمُ راحٍ، أو خزنُ راحٍ، والتقدير: إن لم
يأتِ خازنُ الراحِ بها، فحذف بها، وألحق علامةَ التأنيثِ الفعلَ، على لفظِ الراح، وإن كان المعنى لغيرها.
أنشد أبو زيد:
فلو كان لا يرضيكَ حتَّى تردَّني إلى قطريٍّ ما إخالكَ راضيا
[ ٥٠٥ ]
فاعلُ يرضيك ما تدلُّ الحالُ عليه، كأنه قال: فإن كان لا يرضيك شأني، أو أمري، حتى تردَّني، فأضمر، كما أضمر، فيما حكاه من قولهم: إذا كان غدًا فائتني، ولا يكون أن تضمرَ المصدرَ، كما أضمر في قوله سبحانه: (ثمَّ بدا لهمْ من بعدِ ما رأوا)، لأنَّ البداءَ الذي هو المصدر، قد صار بمنزلة العلم والرأي، ألا ترى أن الشاعر قد أظهره في قوله:
لعلَّكَ والموعودُ حقٌّ لقاؤهُ بدا لكَ في تلك القلوصِ بداءُ
فهو مثلُ: قد قيلَ فيه قولٌ، ونحو ذلك.
فأمَّا قوله:
فقلتُ تحمَّلْ فوقَ طوقك إنَّها مطبَّعةٌ من يأتها لا يضيرها
فمن قدَّر فيه التقديمَ، كان فاعلُ لا يضيرها: ضيرٌ، فأضمر الضَّيرَ، لدلالة يضيرُ عليه، والضَّيرُ قد استعمل استعمالَ الأسماء، في نحو: لا ضيرَ، كأنه قد صار اسمًا لما يكره ولا يرادُ.
ومن قدَّر الهاء محذوفةً، أمكن أن يكون الفاعلُ عنده أحدَ شيئين، أحدهما: الضَّيرُ، كقول من قدَّر التقديم، ويجوز أن يكون فاعلُ يضيرُ ضميرًا من الذي تقدَّم ذكره.
[ ٥٠٦ ]
وقال بعضُ البغداديِّين، في قوله:
فإن كنتَ لا يرضيك
حمله على المعنى، كأنه قال: لا يرضيك إلاَّ أن تردَّني إلى قطريّ، وحتَّى دلَّ عليه. فهذا غيرُ بعيدٍ.
ولا يجوز أن تكونَ حتَّى وما بعدها، الفاعلةَ، كما لا يجوز أن تكونَ كي مع صلتها، فاعلةً.
أنشد سيبويه:
تساورُ سوارًَّا إلى المجدِ والعلا وفي ذمَّتي لئن فعلتَ ليفعلا
قوله: وفي ذمَّتي قسمٌ، وجوابه: ليفعلا.
فإن قلت: إن قوله: وفي ذمَّتي ليس بكلامٍ مستقلٍّ، والقسمُ إنما هو جملةٌ.
فالقولُ: أنه أضمرَ في الظَّرف، اليمينَ أو القسم، لدلالة الحالِ عليه، كما اضمر في قوله سبحانه: (ثمَّ بدا لهمْ) الفاعلَ، وصار (ليسجننَّهُ) كالجواب، لأنَّ (بدا) بمنزلة: علمَ اللهُ، وذاك أنه علمٌ.
ومن لم يرفعْ بالظَّرف، فينبغي أن يكون المبتدأ عنده محذوفًا، ويبيّن ذلك قولهم:
عليَّ عهدُ اللهِ لأفعلنَّ.
[ ٥٠٧ ]
وقال الأعشى:
ما بكاءُ الكبير بالأطلالِ وسؤالي وما يردُّ سؤالي
دمنةٌ قفرةٌ تعاورها الصَّيفُ بريحينِ من صبًا وشمالِ
اعلم أنَّ قوله: سؤالي بعد قوله: بكاء الكبير حملٌ للكلام على المعنى، وذاك أنَّ الكبير لمَّا كان المتكلِّمَ في المعنى، حمل سؤالي عليه، ألا ترى أنَّ: ما بكاءُ الكبيرِ إنَّما هو: ما بكائي وأنا كبيرٌ! وبكاءُ الكبير بالأطلال، ممَّا لا يليقُ به، لأنه اهتياجٌ لصبًا أو تصابٍ، وذلك ممّا لا يليقُ بالكبير، ومن ثمَّ قال الآخرُ:
أتجزعُ أنْ دارٌ تحمَّل أهلها وأنت امرؤٌ قد حلَّمتكَ العشائرُ
فحمل سؤالي على المعنى.
فأمَّا قوله: وما يردُّ سؤالي دمنةٌ قفرةٌ فإنّ ما تحتملُ ضربين، أحدهما: أن تكونَ استفهامًا في موضع نصب، كأنه قال: أيُّ شيءٍ يرجع عليك سؤالك من النَّفع؟ وقد
تقول: عاد عليَّ نفعٌ من كذا، وردَّ عليَّ كذا نفعًا، ورجع عليَّ منه نفعٌ، ويكون دمنةٌ منتصبًا بالمصد، الذي هو سؤالي، فالبيتُ على هذا مضمَّنٌ.
[ ٥٠٨ ]
والآخرُ: أن تكونَ نفيًا، كأنه قال: ما يردُّ سؤالي، أي جوابَ سؤالي، دمنةٌ، فالدِّمنةُ فاعلُ قوله: تردُّ، ومثل هذا قوله:
وقفنا فسَّمنا فردَّتْ تحيَّةً
إنما هو: جوابَ تحيّةٍ، وكذلك قوله تعالى: (فحيُّوا بأحسنَ منها أوْ ردُّوها) أي ردُّوا جوابها.
وقد قيل في قوله: فردَّت تحيَّةً قولان، أحدهما: ردَّت التحيّة، أي لم تقبلها، والآخر: ردّتْ تحيّةً، أي ردَّت جوابها، كما تقدَّم، وذلك لما رأينا في وجهها، من البشاشة، وإن لم تكلَّمْ.
فالتقدير: وما يردُّ جوابَ سؤالي دمنةٌ، فالبيتُ على هذا مضمَّنٌ أيضًا، لأنَّ الفاعلَ الذي هو دمنةٌ فعله في البيت الذي هو قبلَ البيت الثاني، فيجوز أن تقول: وما تردُّ، فتؤنِّث، على لفظ الدِّمنة، وتذكِّر، على المعنى.
وقال ابنُ حلِّزة:
وبعينيكَ أوقدتْ هندٌ النارَ أخيرًا تلوي بها العلياءُ
قيل في العلياء قولان، أحدهما: أنه أراد بالعلياء، العالية، وهي الحجازُ، وما يليه من بلادِ قيسٍ وغيره.
[ ٥٠٩ ]
وقيل: العلياءُ: ما أشرفَ من الأرض.
فأمّا القولُ الأولُ، فعلى أنه حرَّف الاسمَ، للحاجة إلى إقامةِ القافية، وهذا في الشِّعر قد جاء في غير شيءٍ، فمن ذلك ما أنشدناه عليُّ بن سليمان:
بني ربِّ الجوادِ فلا تفيلوا فما أنتمْ فنعذركمْ لفيلِ
قال: أراد: ربيعةَ الفرسِ، فوضعَ موضعَ الفرس، الجوادَ، ومن ذلك قولُ الآخر:
أنشدناه محمدُ بن السَّريّ:
وقاَء عليه اللَّيثُ أفلاذَ كبدهِ وكهَّلهُ قلدٌ من البطنِ مردمُ
وإنَّما الاسمُ: الأسدُ، ومن ذلك قوله:
ربَّ مسقيٍّ بغيليْ أسدٍ قد تقدَّمت بفرَّاطِ السِّبا
والاسمُ: ذراعا الأسد. وقال:
أبوكَ عطاءٌ ألأمُ الناسِ كلِّهمْ فقبِّحتَ من نسلٍ وقبِّحَ من كهلِ
والاسم: عطيَّةُ.
فكلُّ هذا قد حرِّفَ فيه الاسمُ.
[ ٥١٠ ]
ويجوزُ في تلوى بها العلياءُ وجهان آخران، أحدهما: أن يكون أراد: ساكنَ العلياء، فحذف المضافَ، والآخر: أنه نسب الفعلَ إلى العلياء، لأنه فيها.
وتلوي بها: أي ترفعها، وتصوِّبها، كما يلوي الرجلُ بثوبه، إذا كان يلوِّح به للقوم.
ومثلُ قوله: بعينيكَ أوقدتْ قولُ أبي وجزةَ:
وهنَّ بالعينِ من ذي صارخٍ لجبٍ هولٍ ولوَّاحةٍ بالموتِ مرجاجِ
أي هذه الحميرُ بمرأىً من الصائد. وقال: من ذي صارخٍ وهو يريدُ قوسًا، لأنه حمله على العودِ، أو الفلق، ثم قال:
شاكتْ رغامى قذوفِ العين
ففي قوله: شاكتْ ضميرٌ من قوله: من ذي صارخٍ، إلاَّ أنّه أنَّث،
[ ٥١١ ]
لحمله على القوس. وقال ابنُ أحمر:
منى لكَ أن تلقى ابنَ هندٍ منيَّةٌ وفارسَ ميَّاسٍ إذا ما تلبَّبا
فاعلُ منى لك قوله: منيَّةٌ، وحسن ذلك، لأنَّ المنيَّةَ قد صارتْ بمنزلة القدر والمقدارِ، فصار بمنزلة قولك: قد قيل فيه قولٌ وذهب به مذهبٌ.
وروى أبو موسى: أن تلقى ابن هندٍ منيتهُ، فالفاعلُ على هذا ما دلَّ عليه الفعلُ،
كما حذف من قوله ﷿: (ثمَّ بدا لهمْ منْ بعدِ ما رأوا).
والمنى، والمنيَّةُ، قد صار بمنزلة القدرِ والتقدير، كما صارَ البداءُ بمنزلة الرأي.
وأنشد محمد بن السَّريّ، لذي الرُّمَّة:
خدبٍّ حنا من صلبه بعدَ سلوةٍ على قصبِ منضمٍّ الثَّميلةِ شازبِ
مراسُ الأوابي عن نفوسٍ عزيزةٍ وإلفُ المتالي في قلوبِ السَّلائبِ
وللشَّولِ أتباعٌ مقاحيمُ برَّحتْ به وامتحانُ المبرقاتِ الكواذبِ
وأن لم يزلْ يستسمعُ العامَ حولهُ ندى صوتِ مقروعٍ عن العذفِ عاذبِ
[ ٥١٢ ]
الموصوف محذوفٌ، تقديره: على قصبِ بعيرٍ، منضمِّ الثَّميلة، وهذا البعيرُ هو الخدبُّ، في المعنى، والتقدير: خدبٌّ حنا صلبه على قصبِ منضمٍّ، فعلى متعلِّقٌ بحنا، والتقدير: خدبٌّ حنا صلبه على قصبِ منضمٍّ، فعلى متعلِّقٌ بحنا، وتعلُّقه به على أنه حالٌ، ولا يكون مفعولًا به، لأنَّ الفعل قد استوفى مفعوله، وهو قوله: من صلبه على القولين جميعًا.
وفاعلُ حنا قوله: مراسُ الأوابي والبيت مضمَّنٌ.
فأمَّا عن في قوله: عن نفوسٍ عزيزةٍ، فتتعلَّق بالأوابي، كأنَّ التقدير: أبينَ عن نفوسٍ عزيزةٍ.
والمراسُ: مصدرٌ مضافٌ إلى المفعول، وفاعله الفحلُ، في المعنى، كأنه: مراسُ هذا الفحلِ الأوابي.
[ ٥١٣ ]
ولا تكون عن متعلِّقةً بالمراس، لأنه يصير التقديرُ: يمارسُ عن نفوسٍ، وإنّما يمارس عن نفسٍ واحدةٍ، لا عن نفوسٍ، فهو يتعلَّق بالأوابي، دونَ المراس، أي يأبينَ عن نفوس.
وقوله:
وإلفُ المتالي في قلوبِ السَّلائبِ
كأنه وضع الإلف موضع الحبِّ، لأنَّ الإلفَ مصدرُ ألفتُ المكانَ، وألفتُ زيدًا، وقالوا: آلفته.
وقوله: وللشَّولِ أتباعٌ، فإن الظَّرفَ في موضعِ نصبٍ، على حدِّ:
لعزَّةَ موحشًا طللُ
فتقديره: وحنا من صلب هذا الفحلِ أتباعٌ للشَّولِ، مقاحيمُ، فالأتباعُ يرتفعُ بالعطفِ على الفاعل، الذي هو مراسُ الأوابي.
وبرَّجتْ به في موضعِ رفع، لكونه صفةً للنكرة، التي هي أتباعٌ مقاحيمُ، أي حنا من صلبه مخافةُ أتباعٍ مقاحيمَ، أي مخافته إيَّاها، على طروقته، أن يضربَ فيها، فيطردها عن الطَّروقة، ويخرجها منها، ومثله في المعنى قولُ أبي النجم:
شذَّبَ عنها الجذعَ من عاليها والجهلَ والشَّادنَ من سخالها
وقوله: وأن لم يزلْ في موضع رفعٍ أيضًا، بالعطف على حنا.
[ ٥١٤ ]
ويستسمعُ معناه: يسمعُ، كقوله تعالى: (وإذا رأوا آيةً يستسخرونَ) أي يسخرون.
وقوله: الجذع. . .
أنشد أبو سعيدٍ المكفوفُ:
إذا ما القينةُ اللَّعساءُ قامتْ تقرِّفُ عن أناملها الخضابا
جلتْ عن عنقرٍ بدماثِ وادٍ تضمَّنَ سيل أبطحهِ السَّحابا
قال محمدُ بن السَّريّ، عن أبي سعيدٍ: شبَّه موضعَ البياض، من الذي قرِّفَ من الخضاب، بالعنقر، قال: والعنقر: أصلُ البرديّ الأبيضِ.
فأمّا فاعلُ تضمَّنَ فالوادي، وسيل أبطحه مفعوله، وانتصابُ السحاب بالمصدر، الذي هو سيل، والمصدرُ مضافٌ إلى الفاعل، وهو الأبطح، والتقدير: سالَ أبطحه من ماءِ السَّحاب، فلمَّا حذفَ الحرفَ، وصل الفعلُ إلى السَّحاب، المقامِ مقامَ المضاف.
أنشد يعقوبُ:
كما نوَّرَ المصباحَ للعجمِ أمرهمْ بعيدَ رقادِ النائمين عريجُ
عريجٌ: رجلٌ معرِّجٌ على مصباحه، بأن زاد في دهنه، كأنه قال: نوَّر بالمصباحِ عريجٌ للعجم أمرهمْ، فحذف الجارَّ، ووصلَ الفعلُ إلى المفعول، فصار متعديًَّا إلى
[ ٥١٥ ]
مفعولين، مثل: (أستغفرُ اللهَ ذنبًا، ونحوه.
والكاف، في كما تتعلَّق بمكتشِّف، لأنه تنويرٌ، فكأنه قال: راتقٌ منوَّرٌ تنويرًا، كتنويرِ عريجٍ للعجم بالمصباح، أمرهم، أي: كما نوَّر في موضعٍ مظلمٍ، لا يبصرون فيه، فجاء بالمصباح، فتكشَّف لهم أمرهم.
والتكشُّفُ الذي يتعلَّقُ الكافُ به، في البيت الذي قبلَ هذا البيت، وهو:
يضيءُ سناهُ راتقٌ متكشِّفٌ أغرُّ كمصباح اليهودِ دلوجُ
قيل: مصباحُ اليهودِ في كنائسهم أدومُ.
وراتقٌ: رتقَ السَّماءَ كلَّها، ومرَّ يدلحُ بحمله، ويدلج.
وأنشد يعقوبُ، لأبي النَّجم:
للشِّقِّ تهوى جوفها مفتوحا تحكي الفصيلَ الهادلَ المقروحا
قال: تهوِى هذه الأتانُ، أي جوفها خالٍ منفتجحٌ، فيريدُ: تهوِي منفتحًا جوفها، جوفها: بدلٌ من الضَّمير، الفاعلِ الذي في الفعل، مثل: ضربتُ زيدًا رأسه.
[ ٥١٦ ]
وأرادَ يعقوبُ فيما أرى - بما قال، المعنى، دونَ ما عليه اللفظُ، وجعل الراجزُ، الحالَ عن البدل، الذ هو الجوف، والحملُ على البدل أحسنُ، وقد جاء الحملُ على المبدلِ منه، قال:
وكأنَّه لهقُ السَّراةِ كأنَّه ما حاجبيه معيَّنٌ بسوادِ
وقال آخر:
إنَّ السُّيوفَ غدوَّها ورواحها تركتْ هوازنَ مثلَ قرنِ الأعضبِ
فجعل الخبر فيه عن المبدلِ، دونَ البدلِ.
وتحكي الفصيلَ، تقديره: تحكي فمَ الفصيل، الهادلَ المقروحَ، ألا ترى أنَّه إنَّما يشبِّه انفتاحَ الجوفِ، أو الضَّربةِ، بانفتاحِ فمِ هذا الفصيلِ.
وقال النابغة:
خلَّتْ سبيلَ أتيٍّ كان يحبسهُ ورَّفعتهُ إلى السِّجفينِ فالنَّضدِ
[ ٥١٧ ]
المعنى: خلَّت الوليدةُ سبيلَ أتيٍّ، كان يحبسُ ماءه، فحذف المضافَ، ففاعل يحبسُ ضميرٌ، يعودُ إلى الضَّمير، الذي في كان، وذلك الضَّميرُ يعودُ إلى سبيل الأتيّ، ويدلُّك على حذف المضاف، أن السَّبيلَ يحبسُ ماءَ الأتيِّ، لا الأتيَّ، والأتيُّ: جدولُ الماءِ. قال الأصمعيُّ: أتِّ لمائك، أي اجعلْ له أتيًَّا.
وفاعلُ يحبسُ السَّبيلُ، كأنَّ السَّبيلَ يحبس الماءَ، لانطمامه.
وقالوا في قوله: ورفَّعته: هو من قولهم: ارتفع إليَّ، أي تقدَّمْ، ورفعته إلى الوالي، وليس يريدُ الارتفاعَ، الذي هو علوٌّ.
وقال أبو ذؤيبٍ:
إذا نهضتْ فيه تصعَّدَ نفرها كقترِ الغلاء مستدرًّا صيابها
فاعلُ تصعَّد ما تضمرُ ممَّا دلَّ عليه قوله: نهضتْ، أي إذا نهضتْ فيه تصعَّد نهوضها، على نفرها، من قولك: تصعَّدني الأمرُ، أي شقَّ عليَّ، وشبَّهها في ذهابها وسرعتها، بالقترِ، وهي القطبةُ التي يرمى بها الهدف، والواحدةُ: قترةٌ.
ومستدرًّا: منقلبًا، ليس بمستريح.
صيابها: قصدها.
[ ٥١٨ ]
والغلاءُ: جمعُ غلوةٍ، وقد يكون الغلاءُ مصدرَ غاليتُ، ويكون الصِّيابُ جمعَ صايبٍ، كصاحبٍ وصحاب.
أنشد أحمد بن يحيى:
فلا تسليني واسألي عن خليقتي إذا ردَّ عافى القدرِ من يستعيرها
القولُ فيه: أنه مثلُ: ضربَ زيدًا غلامه، و(لا ينفعُ نفسًا إيمانها) لمَّا تقدَّم ذكرُ القدر، أضمرها في الصّلة.
وعافى في موضعِ نصب، بأنه مفعولٌ به، ولكنّه أسكنَ للضَّرورة.
ومعنى ردَّه لم يعطهِ إذا سأل، من قوله: عفاه يعفوه، واعتفاه: إذا جاءه يطلبُ خيره.
ومنْ في موضع رفعٍ، بأنه فاعلُ ردَّ.
[ ٥١٩ ]
وقيل في قوله:
وقفنا فسلَّمنا فردَّت تحيَّةً
قولان، أحدهما: لم تقبلها، كأنَّ ذاك لخوفِ رقبةٍ، أو لغير ذلك، فهذا كالردِّ، فيما أنشده أحمد بن يحيى، وكقوله:
وليس للمحلفِ مثلُ الرَّدِّ
والقولُ الآخرُ، في ردَّت: أنها قبلت التَّحيةّةَ، فأجابت عنه، لما رئي من البشاشةِ في وجهها، وإن كان قال في آخر البيت:
ولم ترجعْ جوابَ المخاطبِ
فيكون على هذا التأويل، كقوله: (فحيُّوا بأحسن منها أو ْ ردُّوها) أي لا تمتنعوا من أن تجيبوا بأحسن منها، أو بمثلها.
وتسكينُ الياء في موضع النَّصب، كثيرٌ، وقد جاء بعض ذلك في الكلام.
أنشد أحمد بن يحيى، لأسماء بن خارجة:
أوَ ليس من عجبٍ أسائلكمْ ما خطبُ عاذلتي وما خطبي
[ ٥٢٠ ]
القولُ في فاعل ليس أنه يحتملُ أمرين، أحدهما: أن تضمرَ الحديثَ، والآخر: أن تريد أن وتحذفها، كأنه: أوَ ليس من عجبٍ أن أسائلكم، فتحذف أنْ. قال أحمد بن
يحيى: يعجبني تقومُ، كان هشامٌ يقوله. والفراءُ قال: محالٌ، لأنه لا صاحبَ للإعجاب. والقولُ في ذلك قولُ هشام، لأنَّ أنْ قد جاءت محذوفةً في نفس الفاعل، في البيت الذي أنشدناه، وجاء في الابتداء في قولهم: تسمع بالمعيديّ خيرٌ من أن تراه فقوله: خيرٌ خبر المبتدأ، وتسمع في موضع رفعٍ بالابتداء، كما أنَّ قوله: يسيرُ بشرطةٍ في البيت، في موضع رفعٍ بأنه فاعل. ويدلُّك على ذلك عطفهم عليه الاسمَ، كما كان يعطف عليه إذا ظهرتْ، وذلك قولهم: تسمعُ بالمعيديّ لا أن تراه، فكما استوى الابتداءُ والفاعلُ، في دخولِ الجارِّ عليهما، في (كفى باللهِ)، وبحسبكَ، كذلك استويا في حذف أن معهما.
ويدلُّ على جواز حذفه من الفاعل، حذفهم له من خبر المبتدأ، في نحو قوله:
وحقُّك تنفى من المسجدِ
ألا ترى أن خبر المبتدأ بمنزلة الفاعل، في افتقاره إلى المبتدأ الذي تقدَّمه، كافتقار الفاعل إلى فعله.
ويدلُّك على أنَّ هذا الحذفَ في أنْ بمنزلة الإثبات: أنّ من العرب - فيما زعموا -
[ ٥٢١ ]
من يحذف أنْ وينصبُ الفعلَ. حكى أبو عثمان، عن قطرب، أنه سمع من يقول:
ألا أيُّهذا الزاجري أحضرَ الوغى
بالنصب، وحكى أحمدُ بن يحيى: خذِ اللصَّ قبل يأخذك. وحكى أبو الحسن نحو ذلك، فهذا يدلُّك على أن الحذفَ عندهم بمنزلة الإثبات، في هذا الموضع، فكذلك يكون إذا حذف قبلَ الفعل الذي يكون معه فاعلًا. وحذفُ أنْ وإرادتها قد كثر، وما كثرَ كثرته لم ينبغ إحالته، وقال الفرزدق:
فحقُّ امرئٍ بين الوليد قناتهُ وكندةُ فوق المرتقى يتصعَّدُ
تقديره: أن يتصعَّد، فحذف أن، والمعنى: يتصعد فوق المرتقى، فتقدُّمُ فوقَ كتقدُّمِ بالعصا في قوله:
كان جزائي بالعصا أن أجلدا
أو بمنزلة قوله تعالى: (يومَ يرونَ الملائكةَ لا بشرى يومئذٍ للمجرمينَ). قال أبو الحسن: إنما يكون هذا في المجرور، والظرف بمنزلة المجرور، لأنّ الجارَّ مرادٌ معه.
[ ٥٢٢ ]
وقال أبو دواد:
أنارُ أبينا غيرَ أنّ ضيافه قليلٌ وقد يؤوى إليها فيكثرُ
جمع ضيفًا على ضياف، لأنه على وزن كعبٍ وكعاب، وكلبٍ وكلاب.
فأما قوله: يكثر ففاعله الضيفُ، كأنه أضمر ما يدلُّ عليه الضِّياف، لا الجمعُ الذي هو الضِّياف. وقد يكون ضيفٌ للكثير. وفي التنزيل: (هؤلاءِ ضيفي). فيجوز أن يكون ردَّه إلى الواحد، الذي هو الأصلُ، لأنّ الأصلَ مفردٌ، أو يكون جعله كالحجال المسجَّفِ، والسِّمام المذعَّفِ، وكقوله:
مثل الفراخِ نتِّفتْ حواصلهُ
[ ٥٢٣ ]
أو يكون جعل فاعله الأوىَّ، لأنّ قوله: يؤوي قد دلَّ عليه.
وقوله: قليلٌ مفردٌ، يرادُ به الكثرةُ، ألا ترى أنه خبرُ جمعٍ، ومثل ذلك قولُ الآخر:
وما ضرَّنا أنا قليلٌ وجارنا عزيزٌ وجار الأكثرينَ ذليلُ
وقال أبو دواد:
ضروحُ الحماتينِ سامي الذِّراعِ وثوبٌ إذا ما انتحاهُ الخبارا
يكون فاعلُ انتحاه مضمرًا، المعنى: انتحاه الراكبُ إلى الخبار، أو للخبار، ونحاه، وانتحاه، مثلُ نهبه، وانتهبه.
[ ٥٢٤ ]
قال:
وهبَّتْ شمالًا آخرَ اللَّيلِ قرَّةً ولا ثوبَ إلاّ درعها وردائيا
يكون فاعلُ هبَّتْ مضمرًا، أي هبَّت الرِّيحُ شمالًا قرَّةً، ويجوز: وهبَّتْ شمالٌ قرَّةً،
على الحالِ من النكرة، و: شمالٌ قرَّةٌ، على وصف النكرة بمثلها.
فأما قوله: آخرَ الليل فيجوز فيه ثلاثةُ أضربٍ، أحدها: أن ينتصبَ بهبَّتْ أي هبَّتْ في هذا الوقت.
والآخرُ: أن ينتصبَ بمحذوفٍ، على أن يكون وصفًا لشمالٍ، النكرةِ، كما تقول: حضرتُ قتالًا آخرَ الليل، فتصفُ الحدثَ بأسماءِ الزَّمان، كما تخبر بها عنه.
والثالث: أن يتعلق بمضمر، يدلُّ عليه قرَّةٌ، ويدلُّ على جواز ذلك قوله:
ألا حيِّيا ليلى أجدَّ رحيلي وآذن أصحابي غدًا بقفولِ
فكما أنَّ غدًا لا يكونُ إلاَّ متعلِّقًا بمحذوف، كذلك يجوز أن يكون آخرَ الليل كذلك، ودلَّ عليه قرَّةٌ كما دلَّ على المضمر القفولُ، في البيت الآخر.
وقال جريرٌ، فيما أظنُّ:
وما يستوي عقرُ الكزومِ بصوأرٍ وذي التَّاجِ تحت الرَّايةِ المتسيِّفُ
[ ٥٢٥ ]
المعنى: لا يستوي عقر الكرومِ، وعقرُ ذي التاجِ، ولا يكون على هذا الظاهرِ، ألا ترى أنه ينفي المساواةَ عن العقرين، إلاّ أنه لمّا كان ذكر العقر، قد جرى، كان في حذفه إيّاه بمنزلة ذكره له، وهذا كما قال في قوله:
أكلُّ امرئٍ تحسبين امرءًا ونارٍ توقَّدُ بالَّليل نارا
لمَّا كان ذكر كلِّ قد تقدَّم، استغنى بذلك عن تكريره، وعلى ذلك تأوَّلَ أبو الحسن، قراءة من قرأ: (كذلكَ يطبعُ اللهُ على كلِّ قلبِ متكبِّرٍ جبَّارٍ).
وعقرُ ذي التاج: المصدرُ فيه مضافٌ إلى الفاعل.
والمتسيِّفُ: صفةٌ على الموضع، لأنَّ المتسيِّف هو ذو التاج، في المعنى، وإن شئت جعلت المتسيِّفَ فاعلًا، وجعلت المصدرَ مضافًا إلى المفعول بع، نحو: أعجبني ضربُ زيدٍ عمروٌ.
[ ٥٢٦ ]
وقد يجوز أن ينشد: عقرُ الكزومِ بصوأرٍ، وذو التاج، فتحذفَ المضافَ، وتقيم
المضافَ إليه مقامه، والمذهبُ الأول أحسن، لأنك في هذا تعمله وهو محذوفٌ، وقد قام الثاني مقامه، وإذا قام الثاني مقامه، صار الحكم له، يدلُّك على ذلك قوله سبحانه: (واسألِ القريةَ التي كنَّا فيها)، فجعل الصِّفة على القرية، وليس كذلك الوجهُ الأولُ، لأنَّ المصدرَ فيه بمنزلةِ الملفوظِ به.
وقال:
منتْ لكَ أن تلاقيني المنايا أحادَ أحادَ في شهرٍ حلالِ
[ ٥٢٧ ]
المنايا: المقادير، وهي رفعٌ بأنها فاعلة، وأن تلاقيني: في موضع نصبٍ، بأنه مفعولٌ به، كأنه: قدَّرتْ لك المقاديرُ لقائي فردين، في شهرٍ حلالٍ، يحلُّ فيه القتال.
وجاز إسنادُ المنايا إلى منتْ، لأنها جمعٌ، وليس في منتْ دلالةٌ على جمع، فهو بمنزلة قوله تعالى: (فإذا نفخَ في الصُّورِ نفخةٌ واحداةٌ).
فأمّا قوله:
منتْ لك أن تلقى ابنَ هندٍ منيَّةٌ وفارسَ ميَّاسٍ إذا ما تلبَّبا
فإن قلت: كيف جاز هذا، والتقديرُ: قدِّرَ لك قدرٌ؟
فإنّ التأنيث فيه، قد جعله بمنزلةِ: نفخَ نفخةٌ، وأيضًا: فإنَّ هذا النَّحوَ، ممَّا يسندُ إليه الفعلُ، يصيرُ إقامته مقامَ العينِ مجوَّزًا فيه، ما لم يكن يجوَّزُ قبل ذلك، لما دخل فيه، من المعنى الزائد على ما يدلُّ عليه المصدرُ.
ابنُ سلاّم، عمَّن أخبره، قال: نظر الفرزدقُ إلى عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيدٍ يطوف بالبيت يتبختر، فقال:
تمشي تبخترُ حول البيتِ منتخيًا لو كنتَ عمرو بن عبد اللهِ لم تَزدِ
[ ٥٢٨ ]
فاعل يزيد الانتخاءُ، أي: لم يزدِ نخاؤك، لو كنتخ، على ما أنت عليه، منه الآن، فحذف ذلك، لتقدُّمِ قوله: منتخيًا، ودلالته عليه.
ومن أنشد: لم تزدِ، كان المعنى كذلك أيضًا، إلاّ أنك حذفتَ المضافَ، لدلالةِ ما تقدَّم عليه، وأقمتَ المخاطبَ مقامه، فاللفظ على: لم تزدْ أنت أيُّها المخاطب، والمعنى على: لم يزد انتخاؤك، وقد يجوز: لم تزدْ نخوتك، لأنَّ النَّخوةَ، والانتخاء يتقاربان.
وقد يجوز أن يكون: لم تزد، التاء للخطاب، على غير حذف المضاف، ولكن: لم تزد أنت في النَّخوة، على ما أنت عليه. كلُّ ذلك متَّجهٌ.
وقال عديُّ بن زيدٍ:
من رأيتَ المنونَ عرَّينَ أمْ منْ ذا عليه من أن يضامَ خفيرُ
فاعلُ عرَّين المنونُ، وجعله جمعًا في هذا الموضع، ويمكن أن يكون جعله للجنس، كقوله تعالى: (إنَّ الانسانَ لفي خسرٍ) ثمَّ استثنى منه الجميعَ، وكقول النَّمر:
حتَّى إذا قسم النَّصيبُ وأصفقتْ يده بجلدةِ ضرعها وحوارها
ويجوز أن يكون جعله جمعًا، وإن كان على لفظِ الواحد، كقوله ﷿: (إنَّ الكافرينَ كانوا لكمْ عدوًَّا مبينًا)، وقوله تعالى: (فإنْ كانَ من قومٍ عدوٍّ لكمْ)،
[ ٥٢٩ ]
وقد وضعوا الواحدَ في موضعِ الجمع، في مواضعَ كقول جرير:
الواردون وتيمٌ في ذرى سبأٍ قد عضَّ أعناقهمْ جلدُ الجواميسِ
وقال:
بني نميرٍ ماذهِ الخنافقُ المالُ هديٌ والنِّساء طالقُ
وجبلٌ يأوي إليه السَّارقُ
ومثلُ ذلك، في وضعِ الواحدِ موضعَ الجميع، قول الآخر:
ألا هلك الشِّهابُ المستنيرُ ومدرهنا الهمام إذا نغيرُ
وحمَّالُ المئينَ إذا ألمَّتْ بنا الحدثانُ والأنفُ النَّصورُ
فمن الناس من يذهب إلى أنه ذهب بالحدثان، إلى الحوادث، فأنَّث على ذلك، وكأنّه
جعله اسمًا للجنس، وحمل الكلام على المعنى، لأنه جمعٌ، فأنَّث على ذلك.
أنشد أبو عبد الله اليزيديُّ، عن الأحول:
[ ٥٣٠ ]
ومستنبحٍ بعدَ الهدوءِ دعوته وقد حانَ من ساري الشتاءِ طروقُ
يكابدُ عرنينًا من الليل باردًا تلفُّ رياحٌ ثوبه وبورقُ
قال أبو عبيدة، فيما روى أبو عبد الله: الشَّمالُ تلفُّ ثوبه، والبروق لا تفعلُ ذلك. قال: وليس هذا بغلطٍ، إذا كان الشيءُ من سبب الأول، وصفوه، وأضافوه إليه، في التشبيه، قال: وقال الأصمعيُّ: هذا كقول الرَّاعي:
فلمَّا دعتْ شيبًا بجنبي عنيزةٍ مشافرها في ماءِ مزنٍ وباقلِ
قال: وإنما يكون لمشافرها في الماءِ صوتٌ، ولا يكونُ في النَّبت.
قال: وهذا في العطف جائزٌ.
ومثل ذلك، ما أنشده أبو عبيدة، من غير رواية أبي عبد الله:
فعلا فروعَ الأيهقانِ وأطفلتْ بالجهلتين ظباؤها ونعامها
ولا يكون: أطفلت النَّعامةُ، وجاز ذلك في العطف، كأشياءَ تجوزُ في العطف،
[ ٥٣١ ]
ولا تجوز في غيره، نحو: ربَّ رجلٍ وأخيه، وكلُّ شاةٍ وسخلتها، ونحو:
متقلِّدًا سيفًا ورمحا
وأنشد أبو عبيدة:
ونابغةُ الجعديِّ بالرَّملِ بيته عليه صفيحٌ من ترابٍ وجندلِ
[ ٥٣٢ ]
فهذا مثلُ الأبيات الأول، لأنه لا يكون صفيحٌ من تراب، كما يكون من الجندل، إلاّ أنَّ ذلك غيرُ معطوفٍ، والأشياءُ المتَّسعُ فيها، في الأبياتِ الأخر، معطوفةٌ على غيرها، كقوله:
مشافرها في ماءِ مزنٍ وباقلِ
وإنما تدعو مشافرها الشَّيبَ، إذا كانت في الماء، ولا تدعو الشِّيبَ إذا كانت في
البقل، ومثل ذلك قولُ الآخر:
تداعينَ باسمِ الشِّيبِ في متثلِّمٍ جوانبه من بصرةٍ وسلامِ
والشِّيبُ: ما تسمعُ من صوت المشافر، عند رشيفها الماء.
ومثل قوله: صفيحٌ من ترابٍ وجندلِ قول الآخر:
علفتها تبنًا وماءً باردًا حتَّى شتتْ همَّالةً عيناها
[ ٥٣٣ ]
وقال عديُّ بن الرِّقاع، يذكر حمارًا:
فأوردها لمَّا انجلى الليلُ أودنا فضًا كنَّ للجونِ الحوائمِ مشربا
قوله: أودنا فاعله لا يخلو من أحد شيئين: إمَّا أن يكون: دنا الانجلاءُ، فأضمر الانجلاءَ، لتقدُّمِ دلالةِ الفعلِ عليه، مثل قوله ﷿: (فلمَّا جاءهمْ نذيرٌ ما زادهمْ إلاَّ نفورًا)، أي ما زادهم مجيئه، أو يكون أضمر النَّهارَ، لدلالة الليل عليه، كما أضمر الآخرُ الرَّعدَ، لدلالة البرقِ عليه، في قوله:
فبتُّ إخاله دهمًا خلاجا
والقولُ الأولُ الوجه، أي: لمَّا انجلى الليلُ، أودنا الانجلاءُ، أي لمَّا أسفر، أو دنا الإسفارُ.
ولو حملته على الوجهِ الثاني، لكان المعنى: فلما دنا النَّهارُ، أو دنا النهارُ، فخيَّرتَ بين شيئين، أحدهما هو الآخر، فليس ذلك بمتَّجه.
ولو جعلتَ أو كالتي في قول الشاعر:
وكان سيَّانِ أن لا يسرحوا نعمًا أو يسرحوه بها واغبرَّت السُّوحُ
وجعلت فاعلَ دنا النَّهارَ، كان أمثلَ شيئًا، لأنك قد تقول: قعدتُ أو جلستُ أنتظره، ولو قلت: قعدتُ أو قعدتُ، لم يجز ذلك.
[ ٥٣٤ ]
وقوله: فضًا، روى محمدُ بن السَّريّ: أنه جمعُ فضيةٍ، وهو الماءُ المستنقعُ وأصلها: فضاءٌ، مثلُ قصعةٍ وقصاعٍ، فقصرَ.
قال: وروى الأصمعيُّ أيضًا: أضًا.
قال: والجونُ: الحمر الضاربةُ ألوانها إلى السَّواد.
وقد أنشد أبو عبيدة:
ألا سبيلَ إلى خمرٍ فأشربها أولا سبيلَ إلى نصرِ بن حجَّاجِ
قال: تمنَّتها جميعًا، وأنشد:
بكرتْ بالَّلوم تلحانا في بعيرٍ ضلَّ أوحانا
وقال النابغة:
تجذُّ السَّلوقيَّ المضاعفَ نسجهُ وتوقدُ بالصُّفَّاحِ نارَ الحباحبِ
اختلف في فاعل تجذُّ وتوقدُ، فذهب أبو عبيدة إلى أنَّ فاعلَ توقد،
[ ٥٣٥ ]
وتجذُّ الخيلُ، لا السُّيوفُ، ومثلُ تأويل أبي عبيدةَ هذا، قولهُ ﷿: (فالمورياتِ قدحًا)، في صفة خيل.
قال: والصُّفَّاح، والصُّلاّعُ: الصَّفا الذي لا ينبت، وقال: ليس المذكورُ في البيت بالصَّخر، ولكنْ صفَّاحُ البيضِ، والسَّاعدُ من الحديد، ففاعلُ توقدُ، أو يوقدنَ الخيلُ، والخيلُ: اسم الرجال على الأفراس، والتقدير: وتوقد الخيلُ بضرب الصُّفّاح، نار الحباحب، فحذف المصدرَ، واقام المضاف إليه مقامه، وتأويلُ المصدر، الإضافةُ إلى المفعول به، كقوله سبحانه وبحمده: (منْ دعاءِ الخيرِ)، والمعنى: من دعاء الإنسانِ الخيرَ، فكذلك: وتوقدُ الخيلُ بضرب السُّيوفِ، الصُّفّاحَ نار الحباحبِ.
وفي قول الأصمعيّ، فاعلُ توقد السُّيوفُ، لا الخيل، كأنَّ السُّيوفَ تقطعُ الدُّروعَ، وكلَّ شيءٍ، حتى تصلَ إلى الحجارة، فتقدحَ، وتورى. قال: والصُّفَّاحُ: حجارةٌ عراضٌ.
فالباء في قوله: ويوقدنَ بالصُّفّاح على قول الأصمعيّ، يحتمل ضربين، أحدهما: أن يكون مثل: توقد في البيت النارَ، لأنَّ الصُّفّاح مكانٌ كالبيت.
[ ٥٣٦ ]
والآخر: أن يكون مثل: كتبتُ بالقلم، لأنه، وإن كان مكانًا، فهو آلةٌ، ألا ترى أنَّ القدحَ قد يكون به، فيكون آلةً له، كما يكونُ القلمُ آلةً للكتابة. ويقوِّي قولَ الأصمعيّ قولُ النَّمر بن تولبٍ:
تظلُّ تحفرُ عنه
وقال الأعشى:
فإنِّي وجدِّك لو لمْ تجيءْ لقد قلق الخرتُ إلاّ انتظارا
قال محمد بن السَّريّ، عن أبي عبيدة: ضربه مثلًا. والخرتُ: ثقبُ الفأسِ.
وقال ابن الأعرابيّ: يقول: لو لمْ أتكَ فسدّ عليَّ أمري، وصعبَ، كما يقلقُ خرتُ الفأس، إذا اتَّسع ثقبها عن عودها، فيسقط العزدُ. يقالُ: قلقَ خزته: إذا فسد عليه أمره. وقريبٌ من هذا ما أنشده ابن الأعرابيّ:
أرطُّوا فقد أقلقتمُ حلقاتكمْ عسى أن تفوزوا أن تكونوا رطائطا
[ ٥٣٧ ]
والمعنى: لقد قلق عود الخرت، ألا ترى أنَّ الخرتَ على حالٍ واحدة، وإنما يقلق العودُ المدخلُ الخرتَ.
وقوله: أقلقتم حلقاتكم عندي، مثل قوله: لقد قلق الخرتُ، كأنه يقولُ: أفسدتم أمركم، بتغافلكم.
فأمَّا قوله: أن تكونوا فيجوز أن يكون نصبًا، وأن يكون رفعًا.
فالنَّصبُ: أن يريدَ: أن تفوزوا بأنْ، فيحذفَ الحرفَ، فيصلَ الفعل، ويجوز أن يكون جرًَّا، على قولِ الخليل.
والرفعُ: أن تجعله بدلًا من أن تفوزوا، لأنَّ كونهم رطائط، فوزٌ.
أنشد أبو عبيدة، للفرزدق:
وعضَّ زمانٍ يا بن مروانَ لم يدعْ من المالِ إلاّ مسحتًا أو مجلَّفُ
قد أنشد: إلاّ مسحتًا، وإلاّ مسحتٌ، نصبًا ورفعًا، فمن نصبه كان يدعْ من التَّرك،
ومسحت مفعول الترك، وحمل مجلَّفٌ بعده على المعنى، لأنَّ معنى لم يدع من المال إلاّ مسحتًا تقديره: لم يبقَ من المالِ إلاّ مسحتٌ، فحمل مجلَّفٌ على ذلك، ومثل ذلك في الحمل على المعنى، من أبيات الكتاب، قوله:
[ ٥٣٨ ]
بادت وغيَّر آيهنَّ مع البلى إلاّ رواكدَ جمرهنَّ هباءُ
ومشجّجٌ أمَّا سواءُ قذاله فبدا وغيَّر ساره المعزاءُ
لأنَّ معنى بادتْ إلاَّ رواكدَ معناه: بها رواكدُ، فحمل مشجَّجًا على ذلك. ومثل ذلك قول الآخر:
فلم يجدا إلاَّ مناخَ مطيَّةٍ تجافى بها زورٌ نبيلٌ وكلكلُ
ومفحصها عنها الحصى بجرانها ومثنى نواجٍ لم يخنهنَّ مفصلُ
وسمرٌ ظماءٌ واترتهنّ بعدما مضت هجعةٌ من آخرِ الَّليلِ ذبَّلُ
لأنّ معنى: فلم يجدا إلاّ مناخَ مطيَّةٍ: بها مناخُ مطيَّةٍ، فكذلك قوله: لم يدعْ من المال إلاّ مسحتًا معناه: بقي مسحتٌ.
[ ٥٣٩ ]
قال أبو عمر: وهذا قولُ اخليل، وليس البيتُ في الكتاب، فلا أدري أسمعه عنه، أم قاسه على هذه الأبيات؟
قال أبو عبيدة: المجلَّف: المجرَّف الذي بقيتْ منه بقيَّةٌ.
وأنشد لسويد بن أبي كاهلٍ:
أرَّقَ الركَ خيالٌ لم يدعْ من سليمى ففؤادي منتزعْ
قال لم يدع: لم يستقرّْ، فكأنّ يدعْ يفعلُ من الدّعةِ، التي هي الاستقرارُ، وخلافُ النَّصب.
وأنشد يعقوبُ، لخفاف بن ندبة، يذكر فرسًا:
إذا ما استحمَّتْ أرضه من سمائهِ جرى وهو مودوعٌ وواعدُ مصدقِ
[ ٥٤٠ ]
قال: يعدُ صدقًا في القتال.
فإن قلت: مودوعٌ، ممَّ هو؟
فالقولُ فيه: أنه مفعولٌ من الدَّعة، كأنه يريدُ: أن هذا الفرسَ لسبقه وعتقه، لا كلفةَ عليه في الجري، فهو فيه بمنزلة المتَّدعِ.
فإن قلت: إنَّك لا تقول: ودعته، وقوله:
أرَّق الرّكبَ خيالٌ لم يدعْ
يدع فيه: فعلٌ غيرُ متعدٍّ.
فإنه يجوز أن يكون كما حكاه أبو زيدٍ، من قولهم: رجلٌ مفؤودٌ، للجبان، ورجلٌ مدرهمٌ، قال: ولم يستعمل لهما فعلٌ، ويجوز أن يكون مثل: دلوِ الدالْ،
[ ٥٤١ ]
ومن أجوازِ ليلٍ غاضِ، ونحو ذلك.
أنشد عن الأصمعيّ:
إذا ما المعسياتُ كذبن أبدى جريُّ المحصناتِ إلى النَّزيلِ
فاعلُ أبدى مضمرٌ، وهو هذا الذي يقري الضِّيفانَ، لأنَّ النَّزيلَ الضَّيفُ. والمحصن: المدَّخر من الطَّعام. والجريُّ: الرَّسول، وجعله رسول المحصنات، وهو المدَّخر من الطعام، لأنه يحملها، ويتولَّى إطعامها، ومثله:
إذا المعسياتُ كذبن الصَّبو حَ خبَّ جريُّكَ بالمحصنِ
وقال ابن مقبل:
يظلُّ الحصانُ الوردُ فيها مجلَّلًا لدى السِّترِ يغشاه المصكُّ الصَّمحمحُ
قال بعضهم: المصكُّ الصَّمحمحُ: من صفة الحصان. وروى محمد بن السَّريّ، عن ابن الأعرابيّ: المصكُّ الصَّمحمحُ، يعني به البعيرَ الكبيرَ، العظيمَ. يقول:
فمن شدَّة البرد يغشى هذا الجملُ الحصانَ، ليصير معه في السِّترْ.
[ ٥٤٢ ]
فعلى القول الأول يرتفع المصكُّ بأنه صفةٌ للحصان، وفاعلُ يغشى ضميرُ الحصان، أي يغشى الحصانُ السِّترَ، من شدَّةِ البرد.
وموضع يغشى نصبٌ على الحال من الحصان، والعامل فيه يظلُّ، تقديره: يظلُّ الحصانُ مجلَّلًا غاشيًا، فيكون فاعلُ يغشاه ضمير الحصان.
ويجوز أن يكون حالًا من الضَّمير الذي في مجلَّل، والعاملُ فيها المجلَّل، فإذا كان كذلك، عاد الضميرُ الذي في يغشى إلى الضَّمير.
ويجوز أن يكون فاعلُ يغشى ضميرًا عائدًا إلى السِّتر، أي يغشى السِّترُ الحصانَ، ويكون حالًا من السِّتر، الذي هو مضافٌ إليه.
وعلى القول الثاني - وهو قول ابن الأعرابيّ - يكون فاعلُ يغشى المصكُّ.
قال:
لو بغير الماءِ حلقي شرقٌ كنت كالغصَّانِ بالماءِ اعتصاري
موضع حلقي رفعٌ، بأنه فاعل، والرافعُ له فعلٌ مضمرٌ، يفسِّره شرقٌ، كأنّه: لو شرق حلقي بغير الماء. ولا يكون شرقٌ خبر حلقي هذا الظاهر، لأنَّ ما بعد لولا يكون مبتدأ، كما أنَّ ما بعد إنْ، وما بعد إذا لا يكون كذلك.
[ ٥٤٣ ]
فإذا لم يجزْ أن تجعله خبرَ حلقي الواقعِ بعد لو، لأنه يرتفع بفعلٍ مضمر، وما ارتفع بفعلٍ مضمر، لا يجوز أن يكون له خبرٌ، على حدّ الخبر، في: زيدٌ منطلقٌ، كما أنَّ ما ارتفع بفعلٍ مضمر، لا يكون له على هذا الحدِّ: وجب أن تضمر لقوله: شرقٌ مبتدأ، يكون شرقٌ خبره، ويكون المبتدأ المضمر، الذي قولك: شرقٌ خبره، جملةً من مبتدأ وخبرٍ، وقعتْ موقعَ التي من الفعل والفاعلِ، كما أنَّ قوله: (أمْ أنتمْ صامتونَ) بمنزلة: أم صمتُّمْ فيكون هو شرقٌ بمنزلة: شرقَ، تفسيرًا للفعل المضمر بعد لوْ، ويكون ذلك بمنزلةِ ما يحملُ على المعنى، ألا ترى أنَّ هو شرقٌ بمنزلة شرقَ، في المعنى.
وقوله: بغير الماء يتعلَّق الجارُّ فيه بالفعل، الرافعِ لحلقي، كأنه: لو شرقَ بغير الماء حلقي شرقَ، لأنّ هو شرقٌ قد وقع موقع شرقَ، وهو أسهلُ من أن تعلِّقه
بشرقٍ، هذا الظاهر. وهذا يدلُّ أنَّ هذه الأشياءَ، على فعلٍ مضمر، يفسِّره الظهر، ألا ترى أنَّك إن تقدِّر هذا المضمر، لزم أن يكون لو قد ابتدئ بعدها الاسمُ. فإذن ثبت في هذا الموضع، إضمارُ الفعل، فحكمُ سائر ما أشبهه مثله.
ومثل تفسير شرقٍ الذي هو اسمُ الفعل، الذي ارتفع به قوله: حلقي دلالةُ
[ ٥٤٤ ]
أفعل، في قوله ﷿: (هو أعلم من يضل عن سبيله)، على الفعل، الذي صار في قوله: (من يضل عن سبيله) في موضع نصب، ألا ترى أن (من) في موضع استفهام، والاستفهام إنما تعلق عنه الأفعال، ونحو أفعلُ لا يعلق قبله، كما لا يلغى، فهذا مثل شرق في البيت، لاجتماعهما جميعًا، على الدلالة على فعلٍ مضمر.
فأمَّا قوله: بالماء اعتصارى فموضعه نصبٌ، بأنه خبر كنت، والعائد إلى الاسم، الياء في اعتصارى.
وكالغصَّان في موضع حالٍ، والعاملُ فيه كنت، ولا يكون الخبر، لأنَّ الحال إذا تقدمت لم يعمل فيها معنى الفعل، كما يعمل في الظرف، إذا تقدمه.
ولا تكون الباء في قوله: بالماء كالجار في قوله تعالى: (إني لكما لمن النّاصحين)، ولكنه يتعلق بمحذوف في موضع خبر المبتدأ، ألا ترى أنك لو قلت: إني من الناصحين لكما، لتعلقت اللام بالنُّصح، ولو قلت: كنت مروري بزيد، لن تتعلق الباء بالمرور، إنما تتعلق بمحذوف.
وقال الأعشى:
هذا النهار بدا لها من همها ما بالها بالليل زال زوالها
[ ٥٤٥ ]
قال محمد بن السري: رواها أبو عمرو الشيباني: هذا النَّهار، بالنَّصب وبالنصب أيضًا رواها أبو الحسن. وقال الأصمعي: لا أدري ما هذا!
وقال أبو عبيدة: قال أبو عمرو بن العلاء: زال زوالها بالرفع، قال: صادف مثلًا، وهي كلمةٌ يدعى بها، فتركها على حالها، ولم ينظر إلى القافية.
وقال غيره: زال زوالها، وهي لغةٌ. قال: يقولون: زلت الشيء من مكانه، فأراد: زال الله زوالها.
وقال أبو عمرو الشيباني: زال الهمُّ زوالها، دعا عليها أن يزول الهمُّ معها حيث زالت. انتهت الحكاية عن أبي بكر.
وحكى أيضًا عن محمد بن يزيد، في موضعٍ آخر: يقال: زلت الشيء، وأزلته. قال: فهذا، على هذا القول، دعا عليها، كأنه قال: زال زوالها، كما تقول: أزال الله زوالها.
قال: هذا قول البصريين والكوفيين. قال: وقال أبو عثمان: ارتحلت بالنهار، وأتاه طيفها بالليل، فقال: ما بالها بالليل زال خيالها زوالها، كما تقول: أنت شرب الإبل، والمعنى: تشرب شربًا مثل شرب الإبل، فحذفت لعلم السامع.
وحكى غير محمد بت السَّريّ، عن أحمد بن يحيى، عن أبي عمرو بن العلاء: زوالها بالرفع، قال: صادف مثلًا فأعمله، وهي كلمةٌ يدعى بها، فتركها، ولم ينظر إلى القافية، ما هي.
وعن أبي عبيدة: زال زوالها، يريد: أزال زوالها، فألقى الألف، وإلقاؤها لغةٌ. قال: وقال الأصمعيُّ: لا أدري ما هذا!
[ ٥٤٦ ]
قال أحمدُ: وقال غيره: زال ذلك الهمُّ زوالها، دعا عليها أن يزول الهمُّ معها حيث زالت. انتهت الحكاية عن احمد بن يحيى.
القول في ذلك: أنَّ هذا في قول من نصب النهارَ يجوز أن يكون إشارةً إلى أحد أربعة أشياء:
أحدها: أن يكون إشارةً إلى الارتحال، كأنه لما قال: رحلت غدوةً، قال: هذا الارتحال بدا لها النهار.
ويجوز أن يكون إشارةً إلى ما، أو إلى ضميره الذي في بدا من قوله:
فما تقول بدا لها.
ويجوز أن يكون إشارةً إلى البداء الذي دلَّ عليه بدا.
ويجوز أن يكون إشارةً إلى الهمِّ، كأنه: هذا الهمُّ بدا لها من همِّها. أي من همومها، فيكون (من همِّها في موضع نصبٍ على الحال.
والهمُّ لا يخلو من أحد أمرين: إمّا أن يكون الهمُّ، الذي هو العزمُ على الشيء، كقوله:
هممتُ ولم أفعلْ وكدتُ وليتني
أو الهمُّ الذي بمعنى الغمِّ، كقوله:
وهمٍّ لنا منها كهمِّ المخاطرِ
[ ٥٤٧ ]
فإن جعلته العزمَ، وهو الأشبه، كان المعنى: هذا الهمُّ بدا لها، وهذا العزمُ، فأمضته، واستمرَّت عليه، فما بالها، أي فما بالُ خيالها طارقًا بالَّليل! وكلُّ واحدٍ من ذلك، يجوز أن يكونَ فاعلَ بدا، من قوله: هذا النهارَ بدا لها.
ومن رفع النهار، فقال: هذا النهار، جعله صفةً لهذا، وهو رفعٌ بالابتداء، والذِّكرُ العائدُ إليه من الخبر محذوفٌ، تقديره: بدا لها فيه، فحذفَ، كما حذف من قولهم: السَّمنُ منوانِ بدرهمٍ، ونحوه. وفاعلُ بدا فيمن رفع النهار ما كان يكون فيمن نصبه، إلا أنه يجوز في قياسِ قول أبي الحسن، ان يكونَ من همِّها أيضًا في موضع رفعٍ، وتقديره: هذا النَّهارُ بدا لها فيه همُّها، فما بالُ خيالها!
ومن نصب النهارَ في قوله: هذا النهارَ احتمل أمرين، أحدهما: أن يكون ظرفًا لبدا، تقديره: بدا لها في هذا النهار.
والآخر: أن يكون على: زيدًا مررتُ به، لأنَّ فيه المقدَّرة في قوله: هذا النّهار بدا لها فيه في موضعِ نصبٍ، كما أنَّ به في قولك: زيدٌ مررتُ به، كذلك.
فأمَّا فاعلُ زال في قولِ من رفع، فقال: زوالها فهو الزَّوالُ المرفوعُ، المضافُ
إلى ضمير المؤنَّث، ويدلُّ على جواز ذلك، وأنه مثلٌ، كما حكاه أحمدُ بن يحيى، ومحمدُ بن السَّريّ، عن أبي عمرو بن العلاء، قولُ أبي دوادٍ الإياديّ:
سألتْ معدٌّ هذه بجديةٍ من جارُ يقدمَ عامَ زوالها؟
[ ٥٤٨ ]
فأمَّا زالَ، على هذه الرواية، فتكون التي عينها واوٌ، من زوال يزول، فيصير بمنزلة قولهم: خرجتْ خوارجه، وما أشبه ذلك، ممَّا يفيد فيه الفاعل، الذي من لفظِ الفعل، زيادةً على إفادةِ الفعل.
ويجوز أن يكون من زال، التي عينها ياءٌ، وهو فعلٌ متعدٍّ إلى مفعولٍ. قال يعقوبُ: زلته فلم ينزلْ، كما تقول: مزتهُ فلم ينمزْ، فيكون المعنى: امازَ حركتها عنها، وفارقتها، وهو دعاءٌ بالهلاك، لأنَّ خركة الحيِّ إنما تبطلُ في أكثر الأمرِ، لموتٍ أو بليَّةٍ.
فأمَّا من قال: زالَ زوالها فنصب، فإنَّ فاعل زال المنتصب بعدها، زوالها لا يخلو من أحدِ ثلاثة أشياءَ: إمَّا ان يكون اسمَ الله ﷿، او الهمَّ الذي في البيت، وهو قوله: من همِّها، أو الخيالَ المرادَ بقوله: ما بالها بالَّليل.
وموضع بالَّليل نصبٌ على الحال، والمعنى: ما بالها بالَّليل على خلاف رحلتها بالنَّهار، ومفارقتها لنا!
فالقولُ: أن فاعلَ زالَ الخيالُ، قول أبي عثمان، وهو قوله، فيما ذكرنها قبلُ: زال خيالها زوالها، كما تقول: إنما أنت شرب الإبلِ. يريدُ أنَّ المعنى: زال خيالها زوالًا مثل زوالها، كما أنَّ قولك: إنما أنت شربَ الإبل، تقديره: أنت تشربُ شربًا مثلَ شربِ الإبل.
وزال على هذا القولِ، التي عينها واوٌ.
وأمَّا كون فاعل زال الهمَّ، فهو قول أبي عمروٍ الشيبانيّ، وذلك أنه قال،
[ ٥٤٩ ]
فيما حكي عنه: زال الهمُّ زوالها، وقال: دعا عليها، أن يزول الهمُّ معها، حيث زالتْ،
وينبغي أن يكون جعل الهمَّ، الذي هو الغمُّ، وليس بالعزم، لأنه إن جعله العزمَ، لم يكن دعاءً عليها، بل هو إلى الدُّعاءِ لها أقربُ، وقدَّر في الكلام معها ليصحَّ الدعاءُ عليها، ويختصُّ الهمُّ بزواله معها.
وانتصابُ الزوال، على أنه مصدرٌ، تقديره: زال الهمُّ معها زوالًا مثل زوالها. وزال هي التي عينها واوٌ، في هذا القول.
فأمَّا كون فاعلِ زال اسم الله ﷿، فقد قاله أبو عبيدة، فيما حكاه أحمدُ بن يحيى، وحكاه محمدُ بن السَّريّ غير منسوبٍ إلى أبي عبيدة، فقال: وقال غيره - يعني غير أبي عمرو بن العلاء - أراد: أزال اللهُ زوالها. فزوالها، على هذا القول، ينتصبُ انتصابَ المفعول به، ولا ينتصبُ انتصابَ المصدر.
وزال يجوز أن تكون التي عينها ياءٌ، ويجوز أن تكونَ التي عينها واوٌ. فإن جعلتها التي عينها ياءٌ، وهي التي حكاها سيبويه، فقال: زايلتُ: بارحتُ، فعملتَ بقوله: زايلتُ، أنَّ العينَ منها ياءٌ.
ومعنى زال زوالها: سلبها اللهُ حركتها، وعرَّاها منها، وهذا دعاءٌ بالهلاك، لأنَّ خلوَّ الحيوان من حركته، في أكثر الأمرِ، إنَّما هو للموت، أو لبليَّةٍ تحلُّ به، وعلى هذا قالوا: أسكت الله نأمته، والنأمةُ والنئيمُ: ضربٌ من الحركة.
ومما يدلُّك على تعدِّي زال هذه، قولُ ذي الرُّمَّة:
وبيضاَء لا تنحاشُ منَّا وأمُّها إذا ما رأتنا زيلَ منَّا زويلها
[ ٥٥٠ ]
فبناؤه للمفعول يدلُّك على أنه متعدٍّ.
فأمَّا الزَّويلُ، فيجوز أن يكون لغةً في الزوال، كما قالوا: صحاحٌ وصحيحٌ، ويجوز أن يكونَ بناه للقافية، على فعيل، كما قال الهذليُّ: خريجُ.
ويجوز أن يكون زال في هذا القول، الذي هو خلافُ ثبت، وعينه واوٌ، وذلك لا يخلو من أحد أمرين: إمَّا أن يكون أرادَ: ازالَ، فحذف الهمزةَ، كما جاء دلوُ الدالْ،
ومن أجوازِ ليلٍ غاضِ، ونحو ذلك، فالفعلُ في حذف الهمزة منه، كاسمِ الفاعل.
وإمّا أن يكون لغةً في زالَ، فتقول: زالَ، وزلته، كما تقول: غاضَ الماءُ، وغضته، وسارتِ الناقةُ، وسرتها.
وقال الأعشى:
كناطحٍ صخرةً يومًا ليفلقها فلم يضرها وأوهى قرنه الوعلُ
فاعل يضرها يجوز أن يكون أحد ثلاثة أشياء: الناطحُ، الذي تقدّم ذكره، والنَّطح، الذي دلَّ عليه الناطح، والضَّيرُ، الذي دلَّ عليه لم يضرها.
[ ٥٥١ ]
فإن جعلت فاعلها الناطحَ، في قولك: فلم يضرها، إن جعلت الفاءَ زائدةً: أمران، أحدهما: أن يكون صفةً لناطحٍ، النكرة، والآخرُ: أن يكون صفةً للصَّخرة، لأنَّ لكلِّ واحدٍ منهما ذكرًا في الجملة.
وإن جعلت فاعلَ يضرها النَّطحَ، أو الضَّير، كان صفةً للصخرة، ولم يجزْ أن يكون وصفًا للنَّاطح، لأنه لا ذكر له على هذا، في الجملة التي هي يضرها.
وإن لم تجعل الفاء زائدةً، ولكن جعلتها على معنى الجزاء، لأنّ المعنى: كمن نطح صخرةً يومًا، لم يكن صفةً لواحدٍ منهما.
وفي ناطحٍ ذكرٌ للموصوفِ المحذوف، التقديرُ: كوعلٍ ناطحٍ صخرةً، يدلُّك على ذلك قوله:
وأوهى قرنه الوعلُ
فأمَّا يومًا فلا يخلو من أحدِ ثلاثة أشياءَ، إمَّ أن يكونَ متعلّقًا بمحذوفٍ، على أن يكون صفةً للصَّخرة المذكورة، أو بالفلقِ أو بالنَّطح.
فلا يجوز أن يكون وصفًا للصَّخرة، لأنها اسمُ عين، واليومُ من أسماء الزَّمان، ولا يكون متعلِّقًا بالفلقِ، لتقدُّمه على الصِّلة، فإذا لم يجز هذانِ، علمتَ أنه متعلِّقٌ بالنَّطحِ.
هذا آخر ما عمله أبو عليٍّ الحسن بن أحمد بن عبدِ الغفار الفارسيُّ. ﵀.
نسخته من نسخةٍ مقابلةٍ على أصل المصنَّف، ووافق الفراغُ من نقله يوم الخميس،
[ ٥٥٢ ]
لليلتين بقيتا من صفر، سنة ثمانٍ وعشرين وخمس مائةٍ. وكتب أحمدُ بن منيرٍ بن أحمد بن مفلحٍ الطرابلسيّ، حامدًا لله تعالى، ومصليًا على سيد الأولين والآخرين محمد نبيّه. صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه، وسلِّم تسليما.
[ ٥٥٣ ]