فلما نظرت الأشجار إلى طرب البان بينها، وتمايُله دونها، لامُوه على كثرة تمايله، وعَنَّفوه على عجبه بشمائله، فتمايل هنالك البان، وقال: لقد ظهر عُذرى عند الناس وبان، فمن ذا يلومني على تمايل أغصاني، واهتزاز خرصاني، وأنا الذي بسطت لي الرياض مطارفها، وأظهرت لي الأزهار زخارفها، وأهدت اليَّ نسماتُ الأسحار لطآئفها. فإذا رأيت ساعة نشور أموات النبات قد اقتربت، ورأيت الأرض وقد اهتزت وربت، ونفخ في صور رعدي ونسخ حكم وعيدي بإنجاز وعدي، وحان ورود وردى، فأنظر إلى الورد وقد ورد، وإلى البرد وقد شرد، وإلى الزهر وقد اتقد، وإلى الحب وقد انعقد، وإلى الغصن اليابس وقد اكتسى بعد ما انجرد، وإلى اختلاف المطاعم والمشارب وقد اتحد، فاعلم أن خالقها أحدٌ، ومنوعها صمدٌ، وموجودها بالقدرة قد انفرد، فلا يفتقر إلى أحدٍ، ولا يستغنى عنه أحدٌ، ولا يشاركه في ملكه أحدٌ، فهو الأحد الصمدُ
[ ٥٤ ]
الذي لم يلد ولم يُولد ولم يكن له كفوًا أحد.
فهناك تمايلت قدودي طربًا بطيب شهودي، وترنمت بلابل سعودي على تحريك عودي، ثم تدركني عنايةُ معبودي، فأفكرُ في عدمي ووجودي، وفوات مقصودي، فأنعطف إلى الورد فأخبره بورودي، وأخلع عليه من برودي، وأستخبره عن مصدري وورودي؛ فقال لي: وجودك كوجودي، وموجودك كموجودي، وركوعك كسجودي، فأنت بخضرة قدودك، وأنا بحُمرة خدودي، فلهمَّ نجعلُ في النار وقودك ووقودي، قبل نارُ خلودك وخلودي.
فقلت: إذا صح الائتلاف، ورضيت لنفسك بالتلاف، فليس للخلان من خلال، فنقطف على حكم الوفاق، ونختطف من بين الرفاق، وتُصعّدُ أنفاسنا بالاحتراق، وتقطر دموعنا بالإشفاق، فإذا فنينا عن صور أشباحنا، وبقينا بمعاني أرواحنا، فسيّان غدوّنا ورواحنا. وفي ذلك أقول:
وَرَدَ الوَرْدُ بَشِيرًا بالذي فيه من لُطْف المَعَانِي قَدْ حَوَى
فَانْثَنَى البانُ لهُ منْعَطِفًا لاثِمًا نَشرَ الذي فيه انطَوَى
مَالَ يَشْكوُ أَهْيف القدْ له فَرْطَ مَا يَلْقَاهُ من حَرٍّ الجَوَى
فَرَثاَهُ الَورْدُ إذْ قَالَ لَهُ نَحْنُ خِلَّانٌ تَسَاهَمْنَا الهَوَى
فأَنَا أنّتَ كما أنْتَ أَنَا نَحنُ في المَغْنَى جَمِيعًا بالسَّوَى
[ ٥٥ ]
كم رُمِينَا في لَظَى نارٍ فلا صَاحِبِي ضَلَّ ولاَ قَلْبِي غَوَى
ولَكُمْ قَدْ فرّقَتْ أيدي النَّوَى بَيْنَنَا والغُصْنُ مِنَّا ما ذَوَى
ألم تَرَ أَحْشَاؤنا قد حُشِيَتْ بِلَهِيب النَّارِ وَالقَلْبُ اكتَوَى
وِبهَا أنْفَاسُنا قَدْ صُعِّدتْ مِثْلَ مَا قَدْ قُطّرت منّا القُوَى
كلُّنا نَشْكُو بِشجْوٍ وَاحِدِ ولكُلٍّ في هَوَاهُ ما نَوَى
قَسَمًا حَقًّا يَمِينًا صَادِقًا بالذي قُدْمًا على العرشِ اسْتَوَى
إنَّ في شَرْحِ غَرامِي عِبرةً لذَوِي القَلْبِ إذا القَلْبُ ارعَوَى
كُنْتُ بالأمسِ كِبِدْرٍ طَالعٍ وَأَنَا اليومَ كَنَجْمٍ قَدْ هَوَى
[ ٥٦ ]