الخال: أخو الأم، والخالة أختها الخال: الخيلاء، ويقال رجل ذو خال أي: خيل، ومنه قول الشاعر يذكر مخلًا:
خال أبيه لبني بناته
يريد: ما كان من الخيلاء في أبيه صار في بناته، ومنه قول الآخر:
والخال ثوب من ثياب الجمال
والخال: الجمل الضخم، وأنشد ابن الأعرابي في نوادره:
غثاء كبير لا عزيمة عندهم يسوءان خيالانًا عليها العمائم
شبههم بالإبل في أبدانهم لا في عقولهم.
وقال الشاعر:
لقد عظم البعير بغير لب وكل شيء ضخم فهو خال
ولذلك يقال للسحابة: خال، قال الشاعر:
باتت تشيم بذي هرون من حضن خالًا يضيء إذا ما مزنة ركدا
[ ١ ]
والخال ضرب من البرود. وقيل: من ثياب اليمن وإياه عنى الشماخ بقوله في زائيته:
وثوبان من خال وتسعون درهمًا على ذاك مقروض الجلد ماعز
والخال: الرجل الحسن القيام على المال، ويقال: هو خال مال وخائل مال: إذا كان كذلك.
والخال: ضرب من النبت.
والخال: الظلف والغمز في الدابة، كقول الشاعر حيث يقول:
نادى الصريخ فردوا الخيل قانية تشكوا الكلال وتشكوا من خالًا
والخال: اسم مكان، قال الزمخشري في (كتاب الجبال والأمكنة والمياه): والخال: جبل تلقاء الدثينة قال الشاعر:
أهاجيك بالخال الحمول الدوافع فأنت لمهواها من الأرض نازع
قال ياقوت في كتاب"المشترك وضعًا والمختلف صقعًا": ذات الخال في موضع آخر في قول عمرو بن معدي كرب:
وهم قتلوا بذات الخال قيسًا
والخال: جمع خائل من الخيلاء، ومنه قول النمر بن تولب:
بان الشباب وحب الخالة الخلبه وقد صحوت فما بالقلب من قلبه
يريد: جمع خائل، وخالب من الخلابة، وقد نظم بعضهم هذه المعاني المشتركة في أبيات:
أتعرف أطلالًا شجونك بالخال وعيش زمان كان في العصر الخال
ليالي ريعان الشباب مسلط علي بعصيان الإمارة والخال
إذا أنا خدن للغوي أخو الصبا وللغزل المدلح ذو اللهو والخال
والخود تصطاد الرجال بفاحم وخد أسيل كالوذيلة والخال
إذا رئمت ربعًا رئمت رماغها كمارئم الميثاد ذو الرثية والخال
ويقتادني منهم رخيم دلاله كما اقتاد مهرا حين يألفها لخال
زمان أفدى من تراح إلى الصبا بعمي من فرط الصبابة والخال
وقد علمت أني وإن ملت للصبا إذا القوم كعوا لست بالرعش الخال
ولا أرتدي إلا المروءة حلة إذا ظن بعض القوم بالعصب والخال
وإن أبصرت المحمول ببلدة تنكبتها وابتسمت خالًاعلى خال
فحالف محلفي كل حلف مهذب وإلاتخالفني محالا إذا خال
وإني حليف للسماحةوالندى كما اختلفت قيس وذبيان بالخال
ويا ليتنا والحلف كل مهند لما ريم من صم العظام به خال
والشامة هي الخال، وتجمع على شام، تقول: رجل مشيم ومشيوم، كما في مخيل ومخيول.
وماله شامة ولا نهراء، أي ناقة سوداء ولا بيضاء، والأشيم الرجل الذي به شامة، والجمع شيم، مثل أبيض وبيض، وهذا أصل وضع اللغة في الشامة، ويطلق على النكتة السوداء، ثم غلب الاستعمال لذلك ثم أطلقت الشامة على النكتة من أي لون كان صباغها، ألا ترى قول رسول الله ﷺ لما نزلت: (يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم) إلى قوله: (ولكن عذاب الله شديد) قال عمران بن الحصين: أنزلت عليه الآية وهو في سفر، فقال: "أتدرون أي يوم ذلك؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "ذلك يوم يقول الله تعالى لآدم: ابعث بعث النار فقال: يا رب وما بعث النار، قال: تسع مئة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة" فأنشأ المسلمون يبكون فقال رسول الله ﷺ: "قاربوا وسددوا فإنها لم تكن نبوة قط إلا وبين يدها جاهلية، قال: فتؤخذ العدة من الجاهلية، فإن تمت وإلا كملت من المنافقين، وما مثلكم ومثل الأمم إلا كمثل الرقمة في ذراع الدابة، أو الشامة في جنب البعير" ثم قال: "إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة" فكبروا ثم قال: "إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة" فكبروا، فقال: ولآ أدري أقال الثلثين أم لا؟. رواه الترمذي فانظر إليه ﷺ كيف أطلق الشامة، وجعلها في جنب البعير، والبعير قد يكون أزرق وأحمر وغير ذلك، وماله غرض إلا النكتة القليلة من أي لون كان جنب البعير.
[ ٢ ]
ألا تراهم يقولون: أرض الشام، والشام شامة، وعده ابن الأسيوطي خمسة أجناد، الأول من الفرات جند قنسرين وجند حمص ثم جند دمشق، ثم جند الأردن، ثم جند فلسطين، قيل: كل جند [من] هذه عرضه من ناحية الفرات إلى ناحية فلسطين، وطوله من الشرق إلى البحر، وقد ذهب بعضهم إلى تسمية (أي الشام) شامًا وشامات له، يعني اختلاف أراضيه في ألوان ترابها، وقد علمت أن بعض تربه أبيض، وبعضها أسود، وبعضها أحمر، وبعضها أصفر، وبعضها كالدر، ويختلف كل لون منها إلى ذاته في الأشدية، والأضعفية اختلافًا كثيرًا، فصح أن إطلاق الشامة ههنا كونه شامة في الأرض. إذا الشام بمجموعة لو كان لونًا واحدًا لكان كالنكتة الخفية في أديم الأرض، ثم إنهم تجاوزوا في استعمال الشام إلى أن أطلقوها على غير اللون، فأطلقوها على كل شيء قليل وقوعه، فقالوا: فلان في قومه شامة إما لمزية بالكرم والحلم، أو بالشجاعة وغير ذلك من الصفات الحميدة، وما أحسن قول ابن الساعاتي:
لولا صدودك يا أما مة مابت أندب عهد رامه
لما وقفت على القدود الهيف أسجع كالحمامه
أبكي ليالي غبطة كانت بخد الشام شامه
فأطلق الشامة على لياليه التي قطعها بالشام، لأنه استلذ زمانها، واستطاب أوقاتها من بين الليالي، ولذلك يجوز إطلاق الحال على كل نكته من أي لون كانت.
قال الصابئ في خادمه رشيد وكان أسود:
قد قال رشد وهو أسود للذي ببياضه يعلو علو الخاتن
ما فخر خدك بالبياض وهل ترى إن زدت فيه [مزيد محاسن]
ولوأن مني فيه خالًا زانه ولو أن منه في خالًا شانني
فأطلق الخال على النكتة من البياض.
وقال أحمد بن إبراهيم الحسني بابن أم الحرمين:
وعاكس الليل وبر الدجى نجده والخال أهواه
فالبدر خال في محيا الدجى والليل خال في محياه
فجعل البدر خالًا، وهو نكته بين البياض والصغر في سواد الليل، وعكس هذا الشريف فقال:
إن لمعت ليلًا نجوم السماء بيضاء على أدهم مرخي الإزار
أوجب العكس مثلًا لها في الأرض فلسود نجوم النهار
وما أحسن قول القائل، وقد أبدع في سوداء:
يا أبنوسي التي ألهو بها ما بال ثغرك وحده قد فضضا
أصبحت كذلك شامة مسودة وبسمت عنه فكان خالًا أبيضا
وذكرت بقول الصابئ قول [ابن] قلاقس [يمدح] السعيد السعدا
أو كان كافورًا بمعجز أحمد قد كان إنسانًا لعين زمانه
فالدهر يعلم أنك الكحل الذي خلع الجمال به على إنسانه
ولمن مرا شفه وخال خدوده وأحم فودية وسر جنانه
لون بوجه البدر منه إشارة شانت سواه فرفعت من شإنه
وكأنما علق الشباب بحبه فأرعاه ما راق من ريحانه
قوله: خلع الجمال به على إنسانه يشير إلى قول أبي الطيب المتنبي في قصيدة مدح بها كافور الإخشيدي:
فجاءت به إنسان عين زمانه وخلت بياضًا خلفها وآماقيا
وهذا نهاية الحسن في مدح السود، وكما قالوا في الشيء المستلذ المستجاد: هو شامة. كذلك يقولون: هو خال.
قال أبو إسحاق إبراهيم بن حماد المغربي:
وذات ليل ضمنا وكأنه في خد ذاك العصر حسنًا خال
وله:
وما الدهر إلا صفحة بل طلعة لثمت بها ليل وصلك خالا
وقال شيخنا ابن الساعاتي في المعنى:
غابوا وما فكرتي فيهم بغائبة فاللحظ للقلب لا للعين والأذن
وربما ليلة كانت بقربهم خالًا لهوت به في وجنة الزمن
والحسنة أصل وضعها في اللغة أنها ضد السيئة، فنقلها العرف والاصطلاح بين الناس إلى الخال، إما لأنهم نحوا [ذلك] لمناسبة بينهما وبين الحسن في الاشتقاق، وإما أنهم لما رأوها نكتة سوداء في الجسم، قالوا: حسنة، كما قالوا للديغ سليمًا، وللمهلكة مفازة، فتفاءلوا للديغ بالسلامة، وفي المهلكة بالفوز والنجاة منها. على أن الرياشي قال: قلت لابن الأعرابي: إن الأصمعي يزعم أنما سميت مفازة تفاؤلًا إلى اسم الفوز والنجاة منها، وإنما هي مهلكة، ومثل هذا التفاؤل قولهم للديغ سليمًا تفاؤلًا إلى اسم النجاة؟ فقال ليس هذا شيئًا، إنما المفازة المهلكة، فقال فاز الرجل وفوز، إذا هلك ومات، قال كعب ابن زهير:
[ ٣ ]
فمن للقوافي شأنها من يحوكها إذا ما ثوى كعب وفوز جرول
فلو كان كما يزعم للزم أن يقال للمضلة مهداة، وللمعطشة مرواة. وأما السليم فإنما سمي لأنه أسلم لما به.
قال الرياشي: فذكرت ذلك للأصمعي، فقال: لا يقال أسلم فهو سليم، لأن مفعلًا يجيء منه فعل، فرددته على ابن الأعرابي: فقال هذا عمرو بن كلثوم يقول:
مشعشعة كأن الحص فيها إذا ما الماء خالطها سخينا
وقد قيل: ماء مسخن وسخين، فحكيته للأصمعي، فلم يقبل معنى سخينا سخيت أنفسنا من السخي لا من السخن، فنقلته إلى ابن الأعرابي، فقال: قل له: إنهم قالوا: الشرب منقع ونقيع، وكلام مبرض وبريض، وشيء مبهم وبهم، وصبي مؤتم ويتيم، والقوم كان دأبهم في الشتاء أن يشربوا الخمر بالماء المسخن، فأوردت ذلك على الأصمعي، فقبله كله.
قلت: كيف ذهب على الأصمعي﵀- مثل هذا حتى فسر سخينا بالسخا، فإن ذلك فاسد المعنى. إنما يتعلق السخا باستعمالهم لها وسكرهم بها على ما هو مشهور في كلامهم ألا ترى إلى قول عنترة العبسي:
وإذا صحوت فما أقصر عن ندى وكما علمت شمائلي وتكرمي
يعني ارتاح للعطاء في الصحو كما ارتاح في السكر.
وقال آخر:
فإذا سكرت أوهبت ما ملكت يدي من غير إشفاق ولا إملاق
وهذا أشهر من أن يستشهد بشيء. على أن الجوهري قال في صحابه: سخينا أي: جدنا بأموالنا، وقول من قال: سخينا من الخونة، نصب على الحال ليس شيء مما يتعلق ب"سخينا" من القواعد التي لابأس بذكرها.
قال أبو الفضل بن جهور: أنشد رجل أبا عثمان المازني:
غافت الماء في الشتاء فقلنا بردته تصادفيه سخينا
ففكر ثم أنشد:
أيها السائلونني عن عويص حارت الأفكار أن تستبينا
إن لاما في الراء ذات إدغام فافصلنها ترى الجواب يقينا
قلت: البيت الأول في بادئ الأمر مستحيل المعنى في الظاهر، لأنه يكون أمرها بتبريده لتصادفه سخينا، وهذا تناقض.
وفي الباطن إذا فكر فيه ذو اللب كان مستقيمًا، لأن الأصل بل ردية، فأدغم اللام في الراء إذا اجتمعتا أيهما سبق بالسكون أدغم في الثاني سواء تقدم الراء أم اللام، كقوله تعالى: (ينشر لكم ربكم) ويجوز النطق بالثاني المدغم فيه.
وأما قوله: كأن الحص فيها، بالحاء المهملة، والصاد المشددة والمهملة، يريد به الزعفران والورس، معناه أنها حمراء، فإذا مزجت بالماء انسلخت الحمرة إلى الصفرة، قال أبو بكر بن دريد:
وحمراء قبل المزج صفراء بعده بدت في ثيابي نرجس وشقائق
حكت وجنة المعشوق حرفًا فسلطوا عليها مزاجًا فاكتسب لون عاشق
وأخذه ابن وكيع فقال:
كأن الحباب المستدير بطوقها كواكب در في سماء عقيق
صببت عليها الماء حتى تعوضت قميص بهار من قميص عقيق
-جمع ماانقطع - ولكنه قد غلب واشتهر استعمالهم الضد باسم ضده تفاؤلًا في أشياء، منها: قول العرب للغراب: أعور، يتفاءلون له بذلك من كونه يعزى إلى البين.
وما أظرف قول ابن اللبانة:
وفي الغراب إذا فكرت معزية من فرط إبصاره يعزى له العور
وقولهم للأسود كافور.
وقد طرف ابن التعاويذي في قوله في مليحة اسمها هاجر:
فديت من ترحم عشاقها وراحم العاشق مأجور
لست على دين الغواني ترى أن وصال الصب مهجور
لا عجب أن سميت هاجر قد سمي الأسود كافور
وقال الوزير المهلبي ﵀:
فسموه مع القربى غرابًا كنور العين سموه سوادًا
وقال أبو إسحاق العربي يهجو السميرم:
كمال سميرم للملك نقص كما سميت مهلكة مفازة
لئن رفعت محلته الليالي فكم رفعت على كتف جنازة
ومن هذه المادة أيضًا الكنى التي يستعملونها، فيقولون للأعمى: أبو البصير، وللأحدب: أبو الغصن.
وقال بعضهم: إن الأبله العراقي الشاعر، وهو محمد بن بختيار، وإنما سمي الأبله لفرط ذكائه، وكان له ميل إلى بعض أبناء بغداد، فعبر على باب داره فوجد خلوة، فكتب على الباب هذه الأبيات:
دارك يا بدر الدجى جنة بغيرك نفسي قط ما تلهو
وقد روى في خبر أنه "أكثر أهل الجنة البله"
وعلى ذكر الحسنة بمعنى الشامة فم أحلى قول القائل:
[ ٤ ]
نادت سوداء تجلى بحسنها الظلمات
كليلة الهجر تنسى بوصلها السيئات
ماذا يعيبون منها وكلها حسنات
أخذه من قول الشريف الرضي، وقد أسرف بعض حاضري في استحسان قول ابن الرومي في قصيدته القافية يصف فيها السوداء وهي مشهورة، فقال الشريف أبياتًا:
سواد يود البدر لو كان رقعة بجلدته أو شق في وجهه فما
سكنت سواد القلب إذا كنت شبهه فلم أدر من قد عرض القلب منكما
وما كان سهم الطرف لولا سواده ليبلغ حبات القلوب إذا رمى
إذا كنت تهوى الظبي ألمى فلا تعب جنوني على ظبي كله لمى
والمراد البيت الأخير، وأخذ الشريف هذا المعنى من قول إبراهيم بن سيابه، شاعر الأغاني، لأنه كان يهوى جارية سوداء، فلامه أهله فيها فأنشد وقد أبدع وأحسن:
يكون الخال في وجه قبيح فيكسوه الملاحة والجمالا
فكيف يلام مشغوف بخود يراها كلها في العين خالا