سيدي الأعلى ومعْتمدي الأسنى، وذُخْرَ أَيْدي الأسْرى وعارفةَ زمني الحُسنى، ومنْ أبْقاهُ الله مُبْلِغَ
المُنى، مُسَوِّغَ النُّعْمى، لئنْ كانت الأيَّامُ - أَعزَّكَ الله - قدْ قلَّصَتْ أدْيالَ أحْوالِكَ، وسلَّطَتْ هجيرَها
على برْدِ ظلالكَ، وكدَّرتْ بأقذاء صروفها صفوَ آلائِكَ، فما استلانتْ نبْعَكَ، ولا أحالَتْ عنْ عادةِ
الجميلِ طبعكَ، ولا عفَّتْ في مرابعِ السَّناءِ والثَّناء ربْعكَ. فقد يجْري الجوادُ وهوَ منْكوبٌ، ويتجَمَّلُ
الحُرُّ وبه نُدُوبُ، والله يُجْبِرُ الصَّدْعَ، ويُجْمِلُ الصُّنْعَ، بعِزَّته.
ويتأدَّى خطابي - أعزكَ الله - منْ يد فلان آمِلُكَ - أبقاه الله - وقد علمتَ ما دُهيَ به وطنُهُ منْ
خطوب الزَّمَنِ، وضروبِ المِحنِ، وتغلُّبِ عُبَّادِ الوثنِ، ودفعتْهُ الضرورةُ إلى استِرْفادِ الأحْرارِ،
والتَّكسبِ بالأشعارِ، وهو ممن يتصرَّفُ في الصِّناعةِ بلسانِ منِع، ويأوي منها إلى طبع غير طبِع، ولهُ
في قَبُول عفوٍ المنيلِ إجْمالٌ، وعندهُ في شكرِ الغَرْبِ المُخْتَصر احْتِفالٌ. ولمَّا عرفَ ما بيْننا منْ عهدٍ لا
يُفارقُ نِصَابَهُ كرمُ، ولايلحقُ شبابَهُ هرمٌ، اتَّخَذَ خطابي هذا عُنوانَ شعره، ولسانَ أمره، ودليلًا على
موضعه، ومشيرًا إلى مقْصِدِهِ، ومنزعه، وأنْتَ بسرْوِكَ تُصْدِقُ آمله إن شاء الله. والسلام.
وفي المعنى:
[ ١ / ٣٤٧ ]
منْ حلَّ مَحَلَّكَ - أعزَّكَ الله - في كرمِ النصابِ، واخضِرارِ الجِنَابِ، لم يخْلُ كنَفُهُ منْ آمِلٍ يردُهُ،
وفاضِلٍ يعْتَمِدُهُ، فالمنزعُ الرَّحبُ ينْتابُهُ الكرامُ، والموردُ العذْبُ كثيرُ الزحام ومنْ حداهُ ذكرك، وهداهُ
يُسْرُكَ، أبو فلان واسمه أشهر منْ أنْ عليه أوْ أشيرَ إليه، وله منْ ذواته وأدواته شوافع، وعنده منْ
طُرفِ الحكمِ وغرائبِ الأدبِ بدائع، وكان تحت نعمة وافية الجناح، وحُرمةٍ سائلة الأوضاح، تُكْبِرُهُ
الكبراء، وتوثرُه الأُمراء، وتحسدُ سامي قدره الأنداد، وينجحُ بنثْرهِ ونظّمه الطِّرْسُ والمداد، ثمَّ عَطَفَ
الدَّهْرُ عليهِ، وانتشَفَ مالديه، ورماهُ بأنْفَذِ سهامِهِ، وأجْوَر أحْكامه، فاضْطُرَّ إلى التَّغرُّبِ في البلادِ،
والتقلُّبِ ما بينَ مبرَّاتِ الأمْجادِ، وقدْ حطَّ رَحْلَهُ ببابِكَ، والتحَفَ بأَطْنابِكَ، وأنْتَ إلى الجميل أهوى،
وبحسن الصنع أولى، والله تعالى يبقيك حِلْيَةَ فخَارٍ، وكعبَةَ زُوَّار، بمنِّه.
وفي المعنى:
سيدي الأعلى، ومعتمدي الأقْوى، وظهيري الأكرم الأوفى، لا زالتْ تُعْقَدُ الآمالُ عليْكَ، وتَخُبُّ
الرِّكابُ إليْكَ، وتُلْقى الرِّحالُ لديْكَ، وتتأثَّلُ النِّعَمُ في يديكَ.
كتبْتُهُ - أدام الله عزكَ - ولا مزيد على ما بالنفس منْ تَوْقٍ، وبالقلبِ منْ صبابَة إلى تلْكَ المعاهد
وشوق، أمتَعَ الله بكَ السَّيَّادَة، ولا أَعْدَمَكَ آلاءَه المعْتادَه، ويتأَدَّى منْ قِبَل فلان - أبقاه الله - وقد
انْقطعتْ به الحبال، وتَقَلَّصتْ عنه الظِّلال، وأتعبته المطامع والآمال، وشكتْهُ البكرُ والآصال، وكُلَّما
رُمْنا لهُ تعَلُّقًا تعرَّضتِ القواطِعُ
[ ١ / ٣٤٨ ]
وأعْرَضَ الإقْبَالُ، ومنْ أَنْواعِ الدَّاء ما لا طِبَّ لَهُ إلاَّ الانْتقال، ومنْ
زالتْ بهِ الدَّارُ، فحَقُّهُ الزَّوالُ. وسألني، والذِّمامُ يُطيعُه، وإدارَةُ الخيْرِ لا تُضيعُهُ، مُخاطَبَتكَ، فأجَبْتُهُ،
ولعَلَّ الله تعالى قد اخْتارَكَ لمثواه، وجَعَلَكَ ربَّ نُعْماه، لا زِلْتَ للأحْرارِ مُصْطَنعًا، ولحاجاتِ الأوْلياء
موضعًا، وأَقْرأُ عليكَ - دامَ عِزُّكَ - أَعَمَّ سلامٍ وأَوْفاه، وأَبَرَّه وأَحْفلَه. ثُمَّ السَّلامُ المُرَدَّدُ المجدَّدُ عليك،
ورحمة الله تعالى وبركاته.
وله في المعنى:
أطال الله بقاء الأمير الأجَّلِّ، الملِكِ السيد الأفْضَلِ، وَعَدْلُهُ ممدود، وناديه بكُلِّ صالِحةٍ مشهودٌ، ورِفْقُهُ
معْهود، وبابُ مُلْكهِ موْرود، ولازالَ تُفْتَح به، بعد الوفودِ وفود. الأميرُ الأجَلُّ - أيَّدَه الله - بما وضع
الله له مِنَ القُبولِ، والعدل المُطَّرِد الموصول، تتسابَقُ الحسناتُ إليه، وتترادَفُ الخيْراتُ عليه، والله
عزَّ اسمه يدَّخِرُ لَهُ ما يُجْريه منَ المَكْرماتِ على يديْه، ويُتِم لَهُ النِّعْمة الراهنة لديْهِ، وأنَّ فُلانًا - أَعزَّه
الله - منْ أعيانِ كذا، وذوي السَّلَفِ الطاهرِ فيهما طاعَتهُ - أعزه الله - ذَكَر أنَّهُ سُعِيَ بَيْنَهُ وبيْنَ فلان
بِفسادٍ، وتَنَكَّرَ لَهُ بعْدَ البرِّ المُعْتادِ، وهوَ بعدْلِ الأمير الأجل - أيَّدَهُ الله - لائِذٌ، ومنْ كلِّ ما يُنْفِقُ عليهِ
عائذٌ، وسبَقَ لهُ إلى هذه الحضرة تَكْرارٌ أشْهَرَ بها عيْنَهُ، وأَثْبَتَ المودَّة بين أَهْلِها وبينه، وقامَ بينَ يَدَيْهِ
منْ وسائلِ أوْليائهِ فيها ما يُؤنِسُ مَقْصِدَه، ويُقيمُ أوَدَه، على أنَّ الأميرَ الأجلَّ - أيَّدَهُ الله - لِكَرَم
السَّجية، والشِّيمِ الرَّضيَّة، وسِيَرِه الفاضِلة في الرَّعية، لا يَحْتاجُ معَهُ إلى شفيعِ، ولا يتَوَسَّلُ إليْهِ بأَجْدى
منْ خُلُقِهِ الرَّفيع. أمَدَّه الله بحُسْنِ الصنيع، وأَبْقاه مشكورًا منَ الجميع، بِجُودهِ ومجْدِه. والسلام.
وفي المعنى لابن طاهر:
[ ١ / ٣٤٩ ]
أطال الله بقاء الأمير الأجلِّ ناصر الدوْلة ومُعِزّ المِلَّةِ، وأَيَّدَهُ، وأَعْلى يدَهُ: الشفاعاتُ - أَيَّدَكَ الله -
على قَدْرِ مُلْتَحِفيها، ولكُلِّ عنْدَكَ منْزِلةٌ يُوافيها، ولمَّا تأمَّلَ ذو الوزارتين الفاضلُ أبو فلان - أبقاه الله
- مالَكَ في الناس، منَ الطَّوْلِ والإيناس، بما جُبلتَ عليه من شرَفِ السجية، والهممِ العليَّة، حتى مالتْ
إلَيْكَ الأهْواءُ، وارْتَفَعَ لَكَ بالحمدِ اللِّواءُ، قصدَ ذراكَ، واعْتَقَدَ اليُمْنَ في أَنْ يراكَ، فيَملأَ منْ زهرِ العُلا
أَجْفانًا، ومنْ نهرِ النّدى جِفانًا، ويَسْتَبْدِلَ منْ صدِّ الزَّمانِ إقْبالًا، ومنْ تهاوُنِ الأيامِ اهْتِبالًا، ولهُ قِدَمُ
الوَجاهة، وقَدَمُ النَّباهةِ، ويَدُلُّ عليْهِ بيانُهُ، كما يَدُلُّ على الجوادِ عِنانُهُ، وأرْجو أنْ ينالَ بكَ الآمالَ
غَضَّة، والأيادي مُبْيَضَّة، فأقُومُ على مِنْبَرِ الثناء خطيبًا، وأُوقِدُ على جَمْرِ الآلاءِ عُودًا رطيبًا، لازِلْتَ
للقاصدينَ ملاذًا، وللرَّاغبينَ عياذًا.
وكتب في المعنى أبو مروان بن أبي الخصال:
سيدي الأكرم، وملاذي الأَعْصم، دُمْتَ في السعد الأَدْوم، والثَّناء الأفخَم، أما أعزَّك الله بما أَلْتَزِمُهُ منْ
برك، أتحامى كثرة التكليف، وأَميلُ إلى جانِبِ التَّخْفيف، وكُنْتُ اعْتَقَدْتُ بعْدَما أُسْعِفْتُ فيه منْ
مَرْغُوبٍ ألاَّ أُكلف سواه مَجْدكَ، فأحوزَ رُتْبَةَ المُخْلِفِ عنْدَكَ، (لكنِّي أرى الحديث شجونًا). وهذا الفتى،
موصلُ الرُّقعة، هو في أهل الصيانة معُدودٌ، ولهُ في تخَدُّمِ جوانِحِ الأعْيانِ منابٌ محمودٌ، وعنْده عيالٌ،
وفي حاله إقْلالٌ، وهو مطْلوبٌ بعدد يؤدِّه
[ ١ / ٣٥٠ ]
وإنْ قلَّ، ومُخِلٌّ بوفره فيما أخلَّ، فإنْ وسعه الاحتمالُ، ووقعَ
لهُ الاحتيالُ، أنْعمت بالهُ ونَعَّشْتَ عياله، وكأنَّما حُزْتَ الحُسْنى لهُ، ثمَّ يُثْبتُ لك في ديوان المُنَعمينَ
ذكْرٌ جميل، ولنْ يضيعَ منَ الخيْر فتيلٌ. وأمَّا ما أتوَخَّاهُ منْ شُكْرِ هذه إليْكَ فما يَتَّصِلُ مع الأبدَ،
ويَقْصُرُ فيه اليوم مع الغدِ.
وفي المعنى لأبي عبد الله أخيه:
سيدي الأعلى، وعمادي الأَوْثَقَ الأسنى، وحظِّي الأكرم الأوفى. بقيتَ لضيْمٍ تدْفَعُهُ، وباطِل تدعه،
وَعَلمٍ في إقامة الدين ترفعه. أَبَرَّ الأعمال ظلامَة تردُّ، ودِعامَة في الحقِّ تُشَدُّ، وباب جورٍ عن الناسِ
يُغْلَقُ ويُسَدُّ.
وإنَّ المؤذن أبا فُلان - أبْقاه الله - طُرِفَ عن خِطته في الأذانِ، بما أَدْركَهُ منْ بَغْيٍ، وخبيثِ سعْي،
وأُعْلِمْتُ أنّ قاضي الجماعة - أدام الله توفيقه - أشار بإعادته إلى أذانه، وإثباته في الرتبة الأولى منْ
مكانه. ولمْ أشُكَّ أنّ إشارَتَهُ - وُصِلَ توفيقه - أمْضى من التصريح، واللسانِ الفصيح. غير أنَّ
المؤذِّنَ المذكور عناني بعضُ أمره، وتَوجَّه إليَّ لشدِّ أزْرِه، ولعلَّ الخُطَّة تسَعُهُ، ومنْ كان أَمَلُهُ فيها
موضعُه، وإنْ ضاقَ عنْهما الاحْتمالُ، فالذي بُغِيَ عليه أوْلى أنْ يُنْصَرَ، وأحَقُّ أنْ يؤْخَدَ بيدِهِ إذا عثرَ.
وأنتَ بفضْلك تأتي هذا الأمر منْ بابه، وتُحرزُ إنْ شاء الله فضل ثوابه. والسلام.
[ ١ / ٣٥١ ]
وله في المعنى:
خَطَطْتُ هذه الأحرُفَ، أطال الله بقاء ذي الوزارتين الأجل، السيد الأوْحد الأكمل، على استحثاثٍ
حفزَ، ووقْتٍ أوْجَبَ أنْ أوجِز، وعظيمِ شُغْلٍ بلَّدَ الخاطر وأعجز. وهي مُتَأَدِّيَّةٌ إليه من يدي، وفي
صحُْبَة كبدي. والجلاءُ منْ هذا أنَّ سَليلَ نِعمتكَ القاسمَ ولدي، يَمَّمَ تِلْكَ الحضْرَة التي بكَ بهاؤُها،
ولأجْلِكَ يجبُ اعْتمادُها، واتِّخاذُها مُبْتَغى سبب، منْ تقْييدِ سُنَّةٍ وأدَب. فاضْمُمْهُ أيُّها السَّيِّدُ إليكَ ابْنًا،
واستخدمه، إنْ شئتَ عبْدًا قنَّا، فمِنَ رضايَ ورِضاهُ، أنْ تكونَ سيِّدَهُ ومولاهُ. ولم أَمْلِكْ مزيدًا على هذه
الأحرف. والله المستعان.
ولغيره في المعنى:
أكرمُ يد - أعزكَ الله - يُقَلِّدُها المرءُ جيدَ مجْدِه، ويُزَيِّنُ بها ديوانَ حمده، ما سَدَّ خلَّةً منْ حسيبٍ،
أَقْعَدَتْهُ يدُ الدَّهر المريبِ، وموصلهُ - وصلَ الله حُرْمتَكَ بالسلامة، منْ قلَّدَ الأيام أبو فلان - رضي الله
عنه - فإنَّه توسَّلَ بي إلى مكارِمكَ في ترميقِ حالتِه، والرَّمَّ لحوالَتِهِ، فإنَّما جَفَّتْ غضارَتهُ بعدْ النِّعْمة،
وبدَّلَتْهُ بالتقتير منْ رغدِ النِّعْمة، وحوَّلتْهُ إلى الضِّيقِ بعدَ السَّعَة، وإلى التُّجُولِ مِنَ الدَّعَة، ومثْلُكَ،
ولامثيلَ لكَ، رقَّ لما بِهِ، ورَعاهُ لشرف نِصَابِه، واغْتَنِمِ الصنيعة فيه، وحَقِّق ضماني عنْده وما
يرْتجيه. فإنكَ ستجْزِلُ بما تُسْديه، أجْمَلَ الذِّكرِ، وأحفَلَ الشكرِ، مع الأجْرِ المَغْبُوطِ والذخْرِ المحوطِ.
والله تعالى لا يعْدِمُكَ ارْتهانَ المِنَنِ وارْتباطَ الأحرارِ، ويَحْرُسُكَ منْ حوادثِ الليْل والنهارِ.
[ ١ / ٣٥٢ ]
وفي فصل:
وفلانٌ ممنْ يأوي إلى خيرِ وصلاح، ويسْتَضيءُ منْ طلَبِ العلم بمصباحِ، وبحَسَبِ ذلكَ أُحِبُّ
حياطَتَهُ، وأريد إرادَتَهُ، ورَغْبَتي حفِيَّةٌ لدى مَجْدِكَ في أنْ تَضَعَه منك ببالٍ، وتُخَفِّفَ ما يطرأُ عليهِ من
أثْقال، وتُقلِّده منْ مُحاَفَظَتِكَ ما يَحْصُلُ به على مزِيَّةِ حالٍ، حتّى يُرى عليه أثرُ الشافعِ، وتَلذَّ خبَرَهُ أُذْنُ
السَّامِع، وثقتي بما خَطَطْتُ لكَ منْ سُطُورِي هذه أَغْنَتْني عنِ الاحْتفالِ، والإلْحافِ في السُّؤالِ، وأنتَ
أرْطَبُ عودًا، وأخْصَبُ نائلًا وجودًا، منْ أنْ يُثْنِيَكَ
عن العُلا ثانٍ، أوْ يَفْتَقِرَ المشْفوعُ لك فيه إلى ضمانِ. بقيتَ للفضلِ رَبْعًا يُحَطُّ لديه، وثِمالًا يُعَوَّلُ
عليه. والسلام.
وفي فصل:
وفلانٌ أعزَّهُ الله بِتَقْواه، وأعانه على مانواه، مِمَّنْ لهُ منَ العِلْمِ حظٌّ وافرٌ، ووجْهُ سافر، وعندَهُ دواوينُ
أَغْفالٍ، لمْ تُفْتَحْ لها على الشيوخِ أقْفال. وقصدَ تلكَ الحضرة ليُقيمَ أوَدَ متُونها، ويُعاني رَمَدَ عُيُونها، وله
إلَيْنا وسائلُ أوْجبَت الإشادة بذكره، والاعْتناء بأمره، وله عندنا مكانة حفِيَّةٌ تَقْتَضي مُخاطَبَتَكَ بخَبَرِهِ،
وإنْهاضَكَ إلى قضاء وطره، وأنتَ - إنْ شاء الله - تُسدِّدُ عَمَله، وتُقرِّبُ أمَلَهُ، وتُسَبِّبُ أسْبابَ العَوْنِ
لهُ.
وفي فصل:
أما وَكنَفُ بِرِّكَ لمنْ أمًّكَ من أهْلِ الفضْلِ مُمَهَّدٌ، وجفنُ رِعايَتِكَ لهمْ
[ ١ / ٣٥٣ ]
مُسَهَّدٌ، ومنزِلُ حفايتكَ بهم مُتَعهَّد،
فكُلُّ وعْرٍ يلْقونَهُ في سبيل قَصْدِكَ مُسْتَسْهل، لا يَمُرُّ لهم دونكَ مَنْهل، ولا يضلُّ بهم، وأنت العلم،
مَجْهل، ومِمّنْ رأَى أنْ يقْتَحِمَ نحْوَكَ ظهره لحجَّة ومحجَّة، ويقرن في أُمّ كعبةِ فَضْلكَ بينَ عُمْرَةٍ وحَجَّة،
ويرْحل إلى حضرتِكَ المألوفة مُهاجِرًا، ويَعْتَمِدَها في طَلَبِ العلْمِ تاجرًا، ليَجْتَهِدَ في جَمْعه وكسبه
اجتهادَ مُغْترب، ويملأَ منْ فوائدِهِ وفرائده وعاءً غير سَرِب. ومذْهبُهُ الاقتباسُ منْ أنْوارِك، والالْتباسُ
منَ الدَّهرِ بِجوارِكَ، والاستئْناسُ بأسِرَّةِ بشْرِكَ ومسَرَّةِ حوارِك فلان، وله في الفضل مذهب، يبهرج
عنده الذهب، وعنده في النُّبلِ غرائب، لا يُفارِقُ زَنْدَها اللهبُ وسَتُقْرِبُهُ فَتستغرِبُه، وتخبره، فتكبره،
إن شاء الله.
وفي فصل كتبه أبو القاسم بن الجد إلى أبي الحسن بن الأخضر رحمة الله عليهما:
إذا كان عهد الإخاء ممَّا رقَمَتْه يدُ الطَّلَبِ، في صفْحةِ الأدبِ، لمْ ينْسخْ لهُ الدَّهرُ حُكْمًا، ولا أحالَ
الزَّمَنُ منه رسمًا؛ بلْ يتجدَّدُ على تقادُمِ الأحقابِ، ويتردَّدُ أبدًا في غضارة، الشباب وإنّما هو في
الحقيقة نسبٌ لا يَخْفى، ورحمٌ لا يَجِفُّ لها ثرى، وذمامٌ تُثْنى عليه الخناصر، والْتحامٌ تُشير إليْهِ
البناصِرُ. فالأديبُ صنْو الأديب، وكفى شاهدًا بتمازج القلوب. وفي علمك ما سلف
[ ١ / ٣٥٤ ]
بيننا من العهد المُزْري حُسنُه بِزَمَنِ الوردِ، سقاه الله صوب العهاد، ولا زال مُخْضَرَّ المرَاد، فما كان إلا غُرَّةً انْتُهِزَتْ
منْ تهاتُفِ البيضِ الغرائرِ، ولُمْعة اقْتُبِسَتْ من تضاحُك الترائبِ تحت سود الغدائر.
ولما علم أبو فلان، حليفُ شُكْرِكَ، وأليفُ بِرِّك، ما بيننا منَ المناسبِ الرُّوحانية، والمذاهبِ الأدبية،
استنهضني لشكر ما خصصته به من تقريب مَحَلٍّ، وتَخْفيفِ كَلِّ. فنَهَضْتُ في ذلكَ نهوضَ المبدئ
المُعيد، والْتحفْت برداءِ الثَّناء عليْكَ في المَحْفَلِ المشْهودِ، وسَرَّني كونُ هذا الفتى الدمث الخليقة،
السَّديد الطريقة، منْ إنْشاء تخريجكَ وتفهيمكَ، وأغْصانِ تَثْقيفكَ وتقويمِكَ، فإنّه يَقومُ بشكرما تُسْديه
إليْه، ويفي بصونِ ما تودِعه لديه، وليسَ كلُّ منْ أُوليَ الجميلَ يشكر، ولا كلُّ شجر وإنْ سُقيَ يُثْمِر،
وأنت بسروكَ توسعُ قريحته ذكاء، وصفْحتهجلاءً، حتى يَخْلُصَ خُلُوصَ الذهب، ويتخصص بحلْية
الأدب، مُحْرزًا في ذلك ذكرًا يشيعُ خبره، ويفوح عنْبَره، والله تعالى يُبْقيكَ لهذا الشأْنِ تُذيعُ أسْرارَه،
وترفَعُ منارَه.
وكتب أيضًا لغيره في المعنى:
مَنْ دفعَتْهُ الأيام - أعزّك الله - إلى التَّقلُّبِ في الأقطار، والتَّكَسُّبِ بالأشعار، لم يَخْفَ عليه تواضع
الأحرار، في النُّجود والأغْوار. على أنَّ رسمَ الشعْرِ قدْ درَسَ أَوْكادَ، ومُرْتادَ البِرِّ قدْ عدِمَ المُرادُ
والمَرَاد؛ إلا أنَّ صاحِبَ هذا الشأنِ لا بُدَّ أنْ يتَصَرَّفَ، أَنْْجَحَ أوْ أخْفَقَ، ويتسَوَّقُ كسد أو نفق.
[ ١ / ٣٥٥ ]
وأبو فلان ممن دخل ذلك الصنع فأحْمده، وتخيل يُمْنَ مُعَاوَدَته فاعتمده، وله في صنعةِ القريضِ باعٌ،
وبشُكْر ما يُولى اضطلاعٌ، وبين فكَّيْه لسانٌ كشقَّة مِبْرد، أوْ ظُبة حسامِ فردٍ، ولمَّا كنت - أعزَّكَ الله
مُقَدَّما في أعْلام مِصْرِك، وأَعْيانِ عصركَ، وعَلِمَ ما بيْننا منْ سهْمِ الوِدادِ، وكريمِ الإعْتِقادِ، سألني
مُخاطبَتَكَ راغبًا في أنْ تُسَدِّدَ له هنالكَ غرضًا، وتُسَهِّلَ منْ حياضِ امله فُرَصًا، وترفع له في سبيل
التَّزْكيَّةِ منارًا، وتُقَلِّدَهُ منْ صَوْغِ التّحْلية طوقًا وسِوارًا، فأجبتهُ لما يمُتُّ به إلىَّ منْ وكيدِ ذمامِ، وحميدِ
إِلْمام، والثِّقة بنُزُول رَغْبتي إليكَ على طرفِ ثمام، وشرف اهتمام. وأنتَ بسَرْوِكَ تُدْنيه منْ كنَفيْ
قُبُولكَ وإقْبالكَ، ولا تُخْليه من الأُنْسِ بِتَهَمُّمِكَ واهْتِبالِكَ، حتى يَصْدُرَ وهجيراه شُكر إجْمالكَ ونشر
صنيعة منْ جاهكَ أوْ مالكَ إن شاء الله.
وله في المعنى:
من عهد - أعزَّك الله - أُنْسَ فِنَائِكَ، وحُسْنَ اعْتنائك، وألِفَ برْدَ أفْيائكَ، ولينَ أرْجائكَ، لمْ يحبسْهُ
عنكَ مَسكَن ولا وطن، ولا لذَّ له في غير حجركَ وظلِّكَ وسنٌ، فمُولِي الجميل محْبوبٌ، ومكان الأنْسِ
مطلوبٌ، وفي عِلْمِكَ أنَّ النُّفوس تلْتَمِسُ الرُّجْحانَ، وتعتمدُ الفضلَ حيثُ كان.
وفلانٌ ممن قَيَّدَهُ إحسانُكَ، واسْتَعْبدَه امتنانُكَ، فهو لا يعْدِلُ بكَ أحدًا، ولا
[ ١ / ٣٥٦ ]
يحُلُّ عنْ عِصْمَةِ تأميلكَ يدأَ، فإذا بعد عنْ جنابِكَ لمْ يَسُغْ له قرار، ولا اطمأنتْ به دار. وقد بعثهُ صدْقُ الانْقطاع إليْكَ، على حَسْمِ
العُلَقِ الموجِبَة لبُعده عن ظلِّ جناحِكَ، وأُنْس الْتِماحِكَ، ولمْ يبْقَ له في غير مكانِكَ، سببٌ يجْذِبُهُ، ولا
أملٌ يُصَدِّقٌه أوْ يُكَذِّبُهُ. وأنتَ بِمَجْدِكَ تُوالي اصطناعه، وتُراعي انْقطاعه، وتلحظُ بعينِ تهمُّمِك ضياعَهُ.
[ ١ / ٣٥٧ ]