١١٧* عن ابن عمر ﵄ قال: «مرَّ النبي ﷺ برجلٍ يعظ أخاه في الحياء، فقال النبي ﷺ: الحياء من الإيمان.» «١»
١١٨* وعن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ: «الإيمان بضعٌ وسبعون شُعبةً- أو بضعٌ وستون شعبةً- أفضلها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبةٌ من الإيمان» . «٢»
١١٩* وعن عمران بن حصين ﵁ قال قال رسول الله ﷺ: «لا يأتي الحياء إلا بخير» . فقال بُشير بن كعب: إنا لنجد في الحكمة مكتوبًا: إن من الحياء وقارًا، وإن من الحياء حكمةً. فقال عمران بن حصين ﵁:
أحدثك عن رسول الله ﷺ وتحدثني عن صحفك؟! «٣» ١٢٠* وعن أنس بن مالك ﵁: «أن النبي ﷺ كان يعظ أصحابه،
[ ٢٨٠ ]
فإذا ثلاثة نفرٍ يمرون، فجاء أحدهم فجلس إلى النبي ﷺ، ومشى الثاني قليلًا وجلس، وأما الثالث فإنه مضى. فقال النبي ﷺ: ألا أنبئكم عن هذه الثلاثة؟ أما هذا الذي جلس إلينا فتاب فتاب الله عليه، وأما الذي مشى فجلس فإنه استحيا فاستحيا الله منه، وأما الذي مر على وجهه فإنه استغنى فاستغنى الله عنه، والله غنيٌ حميد» . «١»
وعن سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ* ١٢١ يقول: «اللهم لا يدركني زمانٌ ولا أدركه: لا يتبع فيه العليم، ولا يستحيا فيه من الحليم، قوم قلوبهم قلوب الأعاجم وألسنتهم ألسنة العرب» . «٢»
عن زيد بن حارثة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «الحياء شعبةٌ من* ١٢٢ الإيمان، ولا إيمان لمن لا حياء له» . «٣»
وعن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من لم* ١٢٣ يكن له حياء فلا دين له، ومن لم يكن له حياء في الدنيا لم يدخل الجنة» . «٤»
وعن أبي بكرة ﵀ قال: قال رسول الله ﷺ: «الحياء من* ١٢٤ الإيمان، والإيمان في الجنة. والبذاء من الجفاء، والجفاء في النّار» . «٥»
[ ٢٨١ ]
١٢٥* عن سعيد بن زيد ﵀: «أن رجلًا قال للنبي ﷺ: أوصني، قال:
استحي من الله كما تستحيي رجلًا صالحًا من قومك» . «١»
١٢٦* عن عقبة «٢» عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة: إذا لم تستحي فاصنع ما شئت» . «٣»
١٢٧* وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «استحيوا من الله حق الحياء. قالوا: إنا نستحيي والحمد لله. قال: ليس كذلك، ولكن من استحيا من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وليذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، ومن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء» . «٤»
١٢٨* وعن عطاء ﵀ قال: «مر رسول الله ﷺ برجلٍ يغتسل، فقال:
يا أيها الناس، إن الله حييٌّ «٥» عليم، يستر ويحب الحياء، فإذا اغتسل أحدكم فليتوار «٦» عن أعين الناس» . «٧»
١٢٩* وعن ابن عمر ﵁: «أنه دخل على النبي ﷺ فوجده يبكي. فقال: يا رسول الله، ما يبكيك؟ قال: أخبرني جبرَئِيل عليه
[ ٢٨٢ ]
السلام: أن الله يستحيي من عبدٍ يشيب في الإسلام أن يعذّبه. أفلا يستحيي الشيخ من الله أن يُذنِب وقد شاب في الإسلام؟!» . «١»
وعن محمد بن عبد الملك قال: سمعت ذا النون المصري ﵀ يقول:
الحياء وجود الهيبة في القلب مع وحشة ما سبق منك إلى ربك.
وقال ذو النون ﵀: الحب يُنطِق، والحياء يُسكت، والخوف يُقلق.
وقال أحمد بن أبي الحواري «٢»: سمعت «٣» أبا سليمان الداراني ﵀ يقول:
يقول الله تعالى: «عبدي، إنك ما استحييت مني أنسيت الناس عيوبك، وأنسيت بقاع الأرض عيوبك، ومحيت «٤» من أم الكتاب زلاتك، ولا أناقشك في الحساب يوم القيامة» .
قيل: الحياء على وجوه: حياء الخيانة، كآدم ﵇، قيل له:
أفرارًا منا؟ قال: لا، بل حياء منك. وحياء التقصير، كالملائكة، يقولون:
ما عبدناك حق عبادتك. وحياء الإجلال، كإسرافيل ﵇، تسربل بجناحه حياءً من الله تعالى. وحياء الكرم، كالنبي ﷺ، استحيا «٥» من أمته أن يقول: اخرجوا، فقال الله سبحانه: وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ
[ ٢٨٣ ]
[٣٣: ٥٣]) . وحياء خشية، كعلي بن أبي طالب رضوان الله عليه حين سأل المقداد حتى سأل النبي ﷺ عن حكم المذْي، لمكان فاطمة ﵂ منه. وحياء الاستحقار، كموسى ﵇، إذ قال: إنه لتعرض على قلبي الحاجة فاستحيي أن أسألكها يا رب، فقال الله ﷿: سلني حتى ملح عجينك وعلف شاتك. وحياء الإنعام، وهو حياء الرب ﵎، يدفع إلى العبد كتابًا مختومًا بعد ما عبر على الصراط، فإذا فيه: «فعلت ما فعلت، ولقد استحييت أن أُظهر عليك، فاذهب فأني قد غفرت لك» .
قالت الحكماء. الحياء هرب النفس من الملامة.
وقالوا: خوف المستحي من تقصير يقع به عند من هو أفضل منه، وليس يوجد إلا فيمن «١» كانت نفسه بصيرة بالجميل عن عيبه عنه «٢» .
وقالوا: كفى بالحياء على الخير دليلًا، وعن السلامة مخبرًا، ومن الذم مجيرًا.
وقالوا: الحياء تمام الكرم، وموطن الرضى، وممهِّد الثناء، وموفر العقل، ومعظِّم القدر، وداعٍ إلى الرغبة.
قال الشاعر:
إذا لم تخشَ عاقبة الليالي ولم تستحي فاصنع ما تشاءُ «٣»
يعيش المرء ما استحيا بخيرٍ ويبقى العود ما بقي اللّحاء «٤»
[ ٢٨٤ ]
وما في أن يعيش المرء خيرٌ إذا ما الوجه فارقه الحياءُ
وقال أمية بن أبي الصلت يمدح ابن جدعان بالحياء «١»:
أأذكر حاجتي أم قد كفاني حياؤك؟ إن شيمتك الحياءُ
وعلمك بالأمور وأنت قِرْمٌ لك الحسب المؤثَّلُ والثناءُ
وقالت ليلى الأخيلية تصف توبة بن الحُمَيِّر:
فإن تكن القتلى بواءً فإنكم «٢» فتىً ما قتلتم آل عوف بن عامرِ
فتىً كان أحيا من فتاةٍ حييةٍ «٣» وأشجع من ليثٍ بخفَّان خادرِ «٤»
وقال الفضل بن عباس بن عُتبة:
إنا أناسٌ من سجيَّتنا صدق الحديث ووأيُنا حتْمُ «٥»
لبسوا الحياء فإن نظرتَ حسبتهم سقموا ولم يمسسهم سُقمُ
وقال الشمَّاخ:
أُجاملُ أقوامًا حياءً وقد أرى صدورهم تغلي عليَّ مِراضُها
وقال آخر: «٦»
حياءك فاحفظه عليك فإنما يدل على فضل الكريم حياؤهُ
إذا قلَّ ماء الوجه قلَّ حياؤهُ ولا خير في وجه إذا قلّ ماؤه
[ ٢٨٥ ]
وقال آخر:
ورُبَّ قبيحةٍ ما حال بيني وبين ركوبها إلا الحياءُ
إذا رُزق الفتى وحها وقاحا نقلب في الأمور كما يشاءُ
وقال محمد بن حازم: «١»
وإني ليثنيني عن الجهل والخنا وشتم ذوي القُربى خلائقُ أربعُ:
حياءٌ وإسلامٌ وتقوى وأنني كريمٌ، ومثلي قد يضرُّ وينفعُ
وقال آخر: «٢»
إياك أن تزدري الرجال فما تعلم ماذا بجنّه الصدفُ
نفس الجوادِ الكريم باقيةٌ فيه وإن كان مسَّه عجفُ «٣»
والحر حرٌ وإن ألم به ال ضرُّ وفيه الحياء والأَنَفُ «٤»
وقال آخر:
كريمٌ يغضُّ الطرفَ فضلَ حيائهِ ويدنو وأطراف الرماح دواني «٥»
وكالسيفِ إن لا ينتهُ لانَ متنُهُ وحدّاهُ إن خاشنتهُ خَشِنانِ
وقال آخر: «٦»
إذا لم تخشَ عاقبة الليالي ولم تستحي فاصنع ما تشاء
[ ٢٨٦ ]
فلا والله ما في العيشِ خيرٌ ولا الدنيا إذا ذهب الحياءُ
وقال آخر:
أعاذلتي قد جربت حسبي وتمّ العقل وانكشف الغِطاءُ «١»
فما في أن يعيش المرء خيرٌ إذا ما المرء زايله الحياء
يعيش المرء مالستحيا بخيرٍ ويبقى العود ما بقي اللحاءُ
وقال العرجي:
إذا حُرم المرء الحياء فإنه بكل قبيحٍ كان منه جديرُ
له قِحةٌ في كلّ شيء، وسرّه مباح، وخذناه خنًا وغرورُ
يرى الشتمَ مدحًا والدناءةَ رفعةً وللسمع منه في العظات نفورُ «٢»
ووجه الحياءِ ملبسٌ جلد رقةٍ بغيضٌ إليه ما يشين كثيرُ
له رغبةٌ في أمره وتجردٌ حليمٌ لدى جهل الجهول وقور «٣»
فرجّ الفتى ما دام بحيا فإنه إلى خير حالاتِ المنيب يصيرُ