«٥» عن محمود بن لبيدٍ ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أخوف ما أخاف* ١٣٥ عليكم الشرك الأصغر. قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال:
الرياء، قال: يقول الله تعالى يوم يجازي العباد بأعمالهم-: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤونهم في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم خيرا؟!» . «٦»
[ ٢٩٥ ]
١٣٦* وعن أبي هريرة ﵀ قال: يقول الله ﵎: «أنا أغنى الشركاء «١» عن الشرك، فمن عمل عملًا لغير وجهي فأنا منه بريء» «٢» .
وعن مجاهد ﵀ قال: «جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني أتصدق بالصدقة وألتمس بها وجه الله تعالى وأحب أن يقال لي خيرًا «٣» .
فنزلت هذه الآية: فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا «٤» [١٨: ١١٠] .
١٣٧* وروى أبو هريرة ﵀ عن النبي ﷺ أنه قال: «يخرج في آخر الزمان أقوامٌ يختلفون «٥» الدنيا بالدين، فيلبسون [للناس] جلود الضأن من اللين، وألسنتهم أحلى من العسل وقلوبهم قلوب الذئاب. يقول الله تعالى: أبي يغترُّون؟ أم عليّ يجترئون؟ فبي حلفت لأبعثنّ على أولئك فتنةً تدع الحليم حيران» . «٦»
١٣٨* وعن حبيب عن أبي صالح «٧» ﵀ قال: «جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني أعمل العمل فأسره فيطلع عليه فيعجبني، ألي فيه
[ ٢٩٦ ]
أجر؟ قال: لك أجران: أحر السر وأجر العلانية» .
معناه: أنه يطلع عليه فيقتدى به، فله أجر العمل وأجر الاقتداء.
عن عقبة بن مسلم «١»: أن شفيا «٢» الأصبحي حدثه قال: دخلت* ١٣٩ المدينة فإذا أنا برجل قد اجتمع عليه الناس، فقلت: من هذا؟ قالوا: أبو هريرة، فدنوت منه. فلما سكت وخلا قلت له: أنشدك الله تعالى، حدثني حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ وحفظته وعلمته. فقال أبو هريرة: أفعل، لأحدثنك بحديث حدثنيه رسول الله ﷺ ما معناه أحدٌ غيري وغيره، ثم نشغ أبو هريرة نشغةً «٣» - أي شهق شهقةً- فخر مغشيًا عليه، فمكث قليلًا، ثم أفاق فقال: لأحدثنك حديثًا حدثنيه رسول الله ﷺ، ثم نشغ نشغة أخرى فمكث طويلًا؛ ثم أفاق ومسح وجهه؛ وقال: لأحدثنك حديثًا حدثنيه رسول الله ﷺ، ثم نشغ نشغة واشتد طويلًا، ثم أفاق، وقال: حدثني رسول الله ﷺ قال: «إن الله تعالى إذا كان يوم القيامة يقضي بين خلقه وكل أمةٍ جاثيةٌ-: فأول من يدعى به رجلٌ جمع القرآن ورجلٌ قتل في سبيل الله ورجل كثير المال. فيقول الله تعالى للقارىء: ماذا عملت فيما علمت؟
فيقول: كنت أقوم به آناء الليل والنهار. فيقول الله تعالى: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، [ويقول الله تعالى]: بل أردت أن يقال: فلان
[ ٢٩٧ ]
قاريء، فقد قيل ذلك. ويقال لصاحب المال: ماذا عملت فيما آتيتك؟
فيقول: كنت أصل الرحم وأتصدق به. فيقول الله تعالى: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، [ويقول الله تعالى]: بل أردت أن يقال: فلان جواد.
فقد قيل ذلك. ويؤتى بالذي قُتل في سبيل الله، فيقول له: لماذا قاتلت «١»؟ فيقول: قاتلت في سبيلك حتى قُتلت. فيقول الله تعالى: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، [ويقول الله تعالى]: بل أردت أن يقال: فلانٌ جريء، فقد قيل ذلك. ثم ضرب رسول الله ﷺ بيده على ركبتي فقال:
يا أبا هريرة، أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة» . «٢»
١٤٠* وعن عدي بن حاتم الطائي «٣» ﵀ عن رسول الله ﷺ قال: «يؤمر بناسٍ من الناس يوم القيامة إلى الجنة، حتى إذا دنوا واستنشقوا رائحتا ونظروا إلى قصورها وإلى ما أعدّ الله تعالى لأهلها-: نودوا: أن اصرفوهم لا تدخلوهم فيها. فيرجعون بحسرةٍ وندامةٍ ما رجع الأولون والآخرون بمثلها. فيقولون: يا ربّنا، لو أدخلتنا النار قبل أن ترينا ما أريتنا «٤» من ثواب ما أعددت لأوليائك «٥»؟ فيقول الله تعالى: ذلك أردت بكم، كنتم إذ خلوتم بارزتموني بالعظائم، وإذا لقيتم النّاس لقيتموهم «٦»
[ ٢٩٨ ]
مخبتين، وتراؤون النّاس بأعمالكم خلاف ما تطعوني بقلوبكم، هبتم الناس ولم تهابوني، أجللتم الناس ولم تجلوني، وتزكيتم للناس ولم تزكوا لي، فاليوم أذيقكم عذابي مع ما «١» حرمتم من ثوابي» «٢» .
وروي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: للمرائي ثلاث علامات: يكسل إذا كان وحده، وينشط إذا كان مع الناس، ويزيد في العملى إذا أثني عليه، وينقص إذا ذمّ.
وعن جبلة اليحصبيّ «٣» قال: كنّا في غزاة مع عبد الملك بن مروان، * ١٤١ فصحبنا رجلٌ مسهّرٌ لا ينام بالليل إلاّ أقلّه، فمكثنا أيامًا لا نعرفه، ثم عرفناه، فإذا هو رجل من أصحاب رسول الله ﷺ، فكان مما حدثنا به:
«أن قائلًا من المسلمين قال: يا رسول الله، فيم «٤» النجاة غدًا؟ قال: لا تخادع الله. قال: وكيف يخادع الله تعالى؟ قال: أن تعمل ما أمرك الله تريد به غير وجه الله تعالى، واتقوا الرّياء، فإنه الشرك بالله، وإن المرائي ينادي يوم القيامة على رؤوس الخلائق بأربعة أسماء: يا كافر، يا فاجر، يا غادر، يا مخامر، «٥» ضلّ عملك، وبطل أجرك، فلا خلاق لك اليوم، فالتمس أجرك ممن كنت تعمل له يا مخادع» . قال: قلت له: بالله الذي لا إله إلا هو، أنت سمعته من رسول الله ﷺ؟ قال: والله الذي لا إله إلا هو، إني قد
[ ٢٩٩ ]
سمعته من رسول الله ﷺ إلا أن يكون «١» قد أخطأت شيئًا لم أتعمّده. ثم قرأ:
إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ [٤: ١٤٢]
. «٢»
١٤٢* وعن شدّاد بن أوسٍ ﵁ أنه قال: أخوف ما أتخوّف عليكم- أيها الناس- ما سمعت من رسول الله ﷺ يقول في الشهوة الخفيّة والشّرك.
فقال عبادة بن الصامت وأبو الدرداء ﵄: ما هذا الشّرك الذي تخوّفنا به يا شدّاد؟ فقال شدّاد: أرأيتكم لو رأيتم رجلًا يصلّي لرجل ويصوم له أو يتصدق له: أترون أنه قد أشرك؟ قالوا: نعم والله، من صلّى لرجل وصام له أو تصدق له فقد أشرك.
فقال شدّادٌ: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من صلّى يرائي فقد أشرك. ومن صام يرائي فقد أشرك» .
فقال عوف بن مالك ﵀: أفلا يعمد الله تعالى إلى ما ابتغى به وجهه من ذلك العمل كله فيقبل منه ما خلص له ويدع ما أشرك به؟ فقال شدادٌ عند ذلك: إني «٣» سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله تعالى يقول: أنا خير قسيم، فمن أشرك بي شيئًا فإنّ جسده وعمله وقليله وكثيره لشريكه الذي أشرك، وأنا غنيٌّ عنه «٤»» .
١٤٣* وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا كان يوم القيامة جاءت الملائكة بصحفٍ مختَّمةٍ، فيقول الله ﷿: ألقوا هذا، واقبلوا هذا. فتقول الملائكة: وعزَّتك، ما كتبنا إلا ما كان. فيقول
[ ٣٠٠ ]
﵎: «إنّ هذا كان لغيري، ولا أقبل اليوم إلا ما كان لي» . «١»