بنو منقذ: أسرة مجيدة، نشأ فيها رجال كبار، كلهم فارس شجاع، وكلهم شاعر أديب. وكانوا ملوكا فى أطراف حلب، «بالقرب من قلعة شيزر، عند جسر بنى منقذ المنسوب إليهم، وكانوا يترددون إلى حماة وحلب وتلك النواحى، ولهم بها الدور النفيسة، والأملاك المثمنة، وذلك كله قبل أن يملكوا قلعة شيزر، وكان ملوك الشام يكرمونهم، ويجلون أقدارهم، وشعراء عصرهم يقصدونهم، ويمدحونهم، وكان فيهم جماعة أعيان رؤساء كرماء أجلاء علماء «٣»» .
وحصن شيزر: قلعة قريبة من حماة، على بعد خمسة عشر ميلا منها، ولم يزل قائما إلى اليوم، معروف باسم «سيجر» تصحيف «شيزر» كما ذكر الأستاذ «فيليب حتي» فى مقدمة كتاب «الاعتبار» .
وكان الحصن «لآل منقذ الكنانيين، يتوارثونه من أيام صالح بن مرداس «٤»»
[ ١٧ ]
وصالح هذا ملك حلب سنة ٤١٧ وقتل سنة ٤١٩ أو ٤٢٠ كما فى ابن خلكان (١: ٢٨٦) ويظهر أنه خرج بعد ذلك من أيديهم إلى الروم، واسترده منهم «سديد الملك أبو الحسن علي بن مقلد» جد المؤلف فى يوم السبت ٢٧ رجب سنة ٤٧٤ بالأمان بمال بذله للأسقف الذي كان فيه (انظر ذيل تاريخ دمشق) لأبى يعلى بن القلانسي ص ١١٣ وابن خلكان ١: ٤٦٤ ومعجم الأدباء ٢: ١٨٧) وبقي الحصن فى أيديهم حتى خرب بالزلازل فى سنة ٥٥٢ وقتل كل من فيه من بنى منقذ تحت أنقاضه.
ورأس هذه الأسرة وزعيمها: أبو المتوّج مقلّد بن نصر بن منقذ، الملقب «مخلص الدولة» . قال ابن خلكان (٢: ١٥٥): «كان رجلا نبيل القدر، سائر الذكر، رزق السعادة فى بنيه وحفدته» . مات بحلب فى ذى الحجة سنة ٤٥٠ وحمل الى كفر طاب. وكان الشعراء يقصدونه ويمدحونه، ورثاه بعضهم بقصائد نفيسة، منهم أبو محمد بن سنان الخفاجى مؤلف «سر الفصاحة» . ونقل أسامة فى هذا الكتاب (ص ٣٦٨) أبياتا من قصيدة ابن سنان فى رثائه.
ونقل ابن خلكان قصيدة «من فائق الشعر» لأبى يعلى حمزة بن عبد الرزاق بن أبى حصين فى رثائه أيضا.
ثم ابنه: أبو الحسن علي بن مقلد- جد المؤلف- الملقب «سديد الملك» .
وكان أديبا شاعرا، وشجاعا مقداما، قوى النفس كريما، مات سنة ٤٧٥، ومدحه جماعة من الشعراء، كابن الخياط وابن سنان الخفاجى.
ثم ابنه: أبو سلامة مرشد بن علي- والد المؤلف- الملقب «مجد الدين» ولد سنة ٤٦٠ ومات يوم الاثنين ٨ رمضان سنة ٥٣١ (٣١ مايو سنة ١١٣٦) .
وكان فارسا شجاعا، ثابت الجنان عند البأس، لا يرتاع، صالحا دائبا على مرضاة
[ ١٨ ]
ربه، ليس له شغل سوى الحرب وجهاد الافرنج ونسخ كتاب الله ﷿، وهو صائم الدهر مواظب على تلاوة القرآن. وكان مغرما بالصيد لهجا به، له فيه ترتيب لا نظير له فيما حكى ابنه عنه، نسخ أكثر من أربعين مصحفا بخطه.
وحضر وقائع كثيرة، وفى بدنه جراح هائلة، ومات على فراشه «١» .
وكانت امارة الحصن لأخيه الأكبر «نصر بن علي» فمات سنة ٤٩١ عن غير عقب، ولما حضرته الوفاة عهد بالامارة إلى مرشد هذا فأبى زهدا فيها وقال:
«والله لا وليتها، ولأخرجنّ من الدنيا كما دخلتها ثم ولّاها أخاه أبا العساكر سلطان بن علي، وكان أصغر منه «٢»» .
وسلطان هذا لم يرزق أولادا فى أول أمره، فاصطفى لنفسه ابن أخيه- مؤلف الكتاب: أسامة بن مرشد- وكان يوليه عنايته ويعهد اليه بكثير من المهامّ، ثم رزق أولادا فى آخر أمره، فأظهر التجني على أخيه وأولاد أخيه، وكان فى الأمر بعض الستر فى حياة مرشد. وأما بعد وفاته فقد صارح سلطان أولاد أخيه العداء وأخرجهم من الحصن كرها فى العام التالى سنة ٥٣٢.
وكان هذا من فضل الله عليهم، فنجوا من القتل تحت أنقاض الحصن فى سنة ٥٥٢.