قال: لا تصحبوا الأشرار، فإنهم يمنون عليكم بالسلامة منهم.
إعرف إدبار الدولة من تملك الأحداث عليها.
[ ٤٤٧ ]
إذا أقبلت الدولة خدمت الشهوات العقول، وإذا أدبرت خدمت العقول الشهوات «١» .
ما أعطى الاقبال أحدًا شيئًا إلا سلبه من حسن الاستعداد أكثر منه «٢» وقال: لا تحقرن صغيرًا يحتمل الزيادة.
الأشرار يتتبّعون مساويّ الناس، ويتركون محاسنهم، كما يتتبع الذباب المواضع الفاسدة من الجسد ويترك الصحيح منه.
وقال: إذا قوي «٣» الوالي في عمله حركه ما ملكه على حسب ما في طبعه من الخير والشر.
ليس تكمل حرية الرجل حتى يكون صديقًا لمتعاديين. «٤»
من شقوة الحدث أن تتم له فضيلة في رذيلة.
التام الحرية من احتمل جنايات المعروف. «٥»
لا يحملك الحرص في أمورك على التمقت إلى الناس والإخافة لهم فتعطي من نفسك أكثر ما تأخذ لها، وكل إجابة عن غير رضىً فهي مذمومة العاقبة.
إذا خبث الزمان كسدت الفضائل وضرت، ونفقت الرذائل ونفعت، وكان خوف الموسر أشد من خوف المعسر.
اطلب في الحياة العلم والمال تحز «٦» الرئاسة على الناس، لأنهم بين خاص وعام: فالخاصة تفضلك بما تحسن، والعامة تفضلك بما تملك.
[ ٤٤٨ ]
وقال: موت الرؤساء أسهل من رئاسة السفل.
الوفاء من الرؤساء يجلب إليهم تعزيز الرعية بأنفسها وأموالها، وغدرهم يقبض عنهم الرعايا وأموالها، وحسد الملوك يخفي بهجة الملك «١» .
لا يضبط الكثير من لم يضبط نفسه الواحدة.
إذا أحببت أن يدوم حبك لأحد فأحسن إليه.
ينبغي للملك أن يبتديء بتقويم نفسه قبل أن يشرع في تقويم رعاياه، وإلا كان بمنزلة من رام استقامة ظل معوج من قبل تقويم عوده الذي هو ظل له.
من قام من الملوك بالعدل والحق ملك سرائر رعاياه «٢» .
أنظر إلى المتنصح إليك: فإن دخل حيث مضار الناس فلا تقبل نصيحته وتحرز منه، وإن دخل حيث العدل والصلاح فاقبلها واستشعره.
أعداء المرء في بعض الأوقات ربما كانوا أنفع من إخوانه، لأنهم يهدون إليه عيوبه فيتجنبها «٣»، ويخاف شماتتهم فيضبط نعمته ويتحرز من زوالها بمقدار جهده.
إذا بلغ المرء من الدنيا فوق مقداره تنكرت أخلاقه للناس.
لا تصحب الشرير، فإن طبعك يسرق من طبعه سرًا وأنت لا تعلم.
موت الصالح راحة لنفسه، وموت الطالح راحة للناس.
ينبغي للعاقل أن يتذكر عند حلاوة الغذاء «٤» مرارة الداء.
[ ٤٤٩ ]
إذا قامت حجتك على الكريم أكرمك ووقرك، وإذا قامت على خسيسٍ عاداك واضطغنها عليك.
السيىء الحال من خاف العدل عليه.
ليكن خوفك من تدبيرك على عدوك أكثر من خوفك من تدبير عدوك عليك.
ليس ينبغي للملك أن يطلب المحبة من العامة، فإنها لا تحب إلا من يرحم، ومن يرحم فليس يصلح عندها للملك «١» .
وقال الحكيم: أبين الغبن كدك فيما نفعه لغيرك «٢» .
وقال: الذي لم يأت كالذي فات، كل زائل، والدنيا كحلم نائم.
وقال: لا تأنس بمن استوحش منه أهله بعد أنسهم به.
وقال: ليس تكاد الدنيا تسقي صفوًا إلا اعترض في صفائها «٣» قذىً «٤» باطنٌ.
وقال: بقدر السمو في الرفعة تكون وجبة الوقعة» .
وقال: سرورك بقليل التحف مع فراغك له أحسن موقعًا عندك من أضعافه مع اشتغالك عنه، فكثرة أشغالك مذهلة عن وجود اللذات بكنهها، وليس بحكيم من ترك التمييز.
وقال: الناس أشباهٌ في الخلق، وإنما يتفاضلون في الرخاء والشدة.
قلت: لي بيتان في هذا المعنى، وهما:
[ ٤٥٠ ]
الناس أشباهٌ، فإن خطبٌ عرى حط الدني وشاد قدر الأفضلِ
كالعود مشتبهٌ، فإن حرقته كره الدخان وطاب عرف المندلِ
اللسان أسدٌ في غابة، فإن أهيج افترس، وإن ترك خنس.
من غلب هواه عقله افتضح.
المنكر لما لا يعلم أعلم من المقر بما يعلم.
حفظ ما في يدك أيسر من طلب ما في أيدي الناس.
صديق كل امرىء عقله، وعدوّه جهله.
كتب أفلاطن إلى سقراط قبل أن يتعلم منه: «إني أسألك عن ثلاثة أشياء، إن أجبت عنها تتلمذت «١» لك» فكتب إليه: «سل «٢» وبالله التوفيق» فكتب إليه: «أي الناس أحق بالرحمة؟ ومتى تضيع أمور الناس؟ وبما تتلقى النعمة من الله ﷿؟» فكتب إليه: «أحق الناس بالرحمة ثلاثة: البرّ يكون في سلطان الفاجر، فهو الدهر حزين لما يرى ويسمع. والعاقل في تدبير الجاهل، هو الدهر متعب مغموم. والكريم يحتاج إلى اللئيم، فهو الدهر خاضع ذليل. وتضيع أمور الناس إذا كان الرأي عند من لا يقبل منه. والسلاح عند من لا يستعمله. والمال عند من لا ينفقه. وتتلقى «٣» النعمة من الله تعالى بكثرة شكره، ولزوم طاعته، واجتناب معصيته» . فأقبل إليه أفلاطن، وكان تلميذًا له «٤» إلى أن مات.
وقال الحكيم: يجب أن تجرّب من قصدك بالحرسان والضّيم، فإن
[ ٤٥١ ]
احتمل الحرمان وشكا الضيم ارتبطته وأحسنت إليه، وإن احتمل الضيم وشكا الحرمان أقصيته.
[وقال:] «١» إن حسدك أحد من إخوانك على فضيلة ظهرت منك فسعى في مكروهك أو تقول عليك ما لم تقل-: فلا تقابله بمثل ما قابلك به، فيعذر نفسه في الإساءة، وتشرع له طريقًا لما يحبه «٢» فيك، ولكن اجتهد في التزيد من تلك الفضيلة التي حسدك عليها، فإنك تسوؤه من غير أن توجه عليك حجة.
[وقال:] «٣» ينبغي للعاقل أن يتخير الناس لمعروفه، كما يتخير الأراضي الزكية لزرعه.
ينبغي أن نشفق على أولادنا من إشفاقنا عليهم «٤» .
نهاية جور الجائر أن يقصد من لا يلابسه ولا ينتفع به، وعندها ترجى الراحة منه.
إذا كشف رجل شديدة عن حر لم تزل نصب فكره وثابتة في خلده حتى يجزي عنها بأحسن منها.
اصبر على سلطانك، فلست بأكبر شغله، ولا بك «٥» قوام أمره.
الظفر شافع للمذنبين عند الكرماء.
[وقال:] «٦» من مدحك بما ليس فيك من الجميل وهو راض عنك-:
ذمك بما ليس فيك من القبيح «٧» وهو ساخطٌ عليك.
[ ٤٥٢ ]
المصغي إلى القول «١» شريك لقائله.
[وقال:] «٢» إذا طابق الكلام نية المتكلم حرك نية السامع، وإن خالفها لم يحسن موقعه ممن أريد به.
وقال: لا تعادوا الدول المقبلة وتشربوا قلوبكم استقلالها فتدبروا بإقبالها.
يستدل على إدبار القادر من قصده المخلصين له بالسوء، واستهانته بمشورات ذي الخبرة بأمره.
وقال: تبكيت الرجل بالذنب بعد العفو عنه إزراء بالصنيعة، وإنما يكون «٣» قبل هبة الجرم له.
من أطاع الشهوة خذلته عند الإصحار به «٤» في دفع المكاره، وجعلته خادمًا لمن كان ينبغي أن يتقدمه «٥» .
[وقال:] «٦» الناس ثلاثة: خير وشرير ومهين. فالخيِّر هو الذي إذا أقصيته قبض نفسه عنك، ولسانه من سوء الذكر لك، وذكر حسنًا إن كان تقدم منك. والشرير يقبض نفسه عنك، ويطلق لسانه في ذكر معايبك، وربما تعدى إلى الكذب عليك. والمهين لا يقبض نفسه عنك، ولا يزال متضرعًا لعفوك، ومودة هذا مقرونة باستقامة حالك وصلاح أمورك، فإن انتقلا انتقل عنك بمودته.
[وقال:] «٧» من خدم في حداثته الشهوة والغضب شق عليه في زمان الشيخوخة ما يلحقه من ضعف بدنه عن خدمة اللذة ونفسه عن المخاصمة.
[ ٤٥٣ ]
[قال:] «١» من ضرر الكذب أن صاحبه ينسى الصورة المحسوسة الحقيقية، وتثبت عنده الصورة الوهمية الكاذبة، فيبني عليها أمره، فيكون غشه قد بدأ بنفسه.
[وقال:] «٢» لا تعان «٣» ما قوي فساده فيحيلك إلى الفساد قبل [أن] «٤» تحيله إلى الصلاح.
وقال الحكيم: إفهم كل ما «٥» يصدر عنك عند غلبة الغضب، فإنك تستقبحه عند انصرافه.
وقال: أحسن ما في الأنفة الترفع عن معايب الناس، وترك الخضوع لما زاد على الكفاية «٦» .
إذا تسمح في دولة بالتجوز في القضاة والأطباء فقد أدبرت وقرب انحلالها.
[قال:] «٧» الأخيار يترفعون عن ذكر معايب الناس، ويتهمون المخبر بها، ويؤثرون الفضائل ويتعصبون لأهلها، ويستصغرون فضائل الرؤساء، ويطالبون أنفسهم بالمكافأة عليها وحسن الرعاية لها «٨» .
أحسن ما في الأمانة المكافأة على الصنيعة.
إذا أردت أن تعرف طبقتك من الناس فانظر إلى من تحبه لغير علة.
وقال: السخيف مثل الجسم الرخو المتحلل: يسخن سريعا، ويبرد
[ ٤٥٤ ]
سريعًا. والحصيف «١» مثل الجسم الصلب الكثيف: يسخن بطيئًا، ويبرد من سخونته بأكثر من ذلك الزمان.
العلم صبغ النفس، وليس يشرق صبغ الشيء حتى ينظف من أنجاسه.
وقال: من إدبار الدول التمسك بالفروع وتضييع الأصول وتصنيف الآمال و[اطّرا] ح «٢» الأعمال وإهمال العمارة ومطل المقاتلة والنكث في [العهود] «٣» .
إذا ثقل على الرئيس الوعظ، ولج في ترك الانقياد للناصح، وأكذب المحدث بالممكن، وآثر التفويض، واحتقر المجد من الأعداء-: فاطلب الخلاص منه.
وقال: ينبغي للملك أن لا يطلب المحبة من أصحابه إلا بعد تمكن هيبته من نفوسهم، فإنه يجدها بأيسر كلفة، فإما أن «٤» قبل منه بالغلظة ويعذره بنقصه فيما فرط منه ولا يعذر نفسه.
وقال: الدليل على ضعف الإنسان أنه ربما أتاه الحظ من حيث لم يحتسب، والمكروه من حيث لم يرتقب.
وقال: إذا استشارك عدوك فجرده النصيحة «٥»، لأنه بالاستشارة قد خرج من عداوتك الى حزب موالاتك.
[ ٤٥٥ ]
وقال: العدل في الشيء صورة واحدة، والجور صور كثيرة، ولهذا سهل ارتكاب الجور، وصعب تحري العدل، وهما يشبهان الإصابة في الرماية والخطأ فيها، فإن الإصابة تحتاج إلى ارتياضٍ وتعاهدٍ، والخطأ لا يحتاج إلى شيء من ذلك.
وقال: الملك كالبحر تستمد منه الأنهار، فإن كان عذبا عذبت، وإن كان ملحا ملحت.
وقال: ليس الملك من ملك العبيد والعامة، بل من ملك الأحرار وذوي الفضائل. ولا الغني من جمع المال، ولكن من دبّره وأحسن إمساكه وتصريفه.
من أخذ نفسه بالطمع الكاذب كذبته العطية الصادقة.
أفضل الملوك»
بالعدل ذكره، واستملى منه من أتى بعده.
[وقال الحكيم:] «٢» البخيل يسخو من عرضه بمقدار ما يبخل به من ماله.
[وقال:] «٣» الفرق بين الاقتصاد والبخل: أن الاقتصاد تمسك الانسان بما يملكه، وخوفه «٤» على حريته وجاهه من المسألة، فهو يضع الشيء في موضعه، ويصبر عما لم تدع الضرورة إليه. والبخيل يصل صغير بره بعظيم شره.
[وقال:] «٥» البخيل يقبل الاحسان ولا يثيب عليه، ويمنع اليسير لمن يستحق الكثير، ويصبر لصغير ما يجب عليه على كثير من الذم له.
وقال الحكيم: رأي من ينصحك أمثل من رأيك لنفسك، لأنه خلو من هواك.
[ ٤٥٦ ]
«١» من ملك من الملوك استوفى من رعاياه وشيعته أجرته، وهو التملك، وبقي عليه لهما الخدمة، وهي إقامة سنن الدين، والعدل على الرعية، ومنع من قوي فيها عن من ضعف منها.
وقال: ينبغي للعاقل أن يربي صداقة صديقه بجميل الفعل وحسن التعاهد، كما يربي الطفل الذي ولد له، والشجرة التي يغرسها، فإن ثمرتها ونضارتها بحسن الافتقاد والتعاهد.
لا تقبل الرئاسة على أهل مدينتك، فإنهم لا يستقيمون لك إلا بما تخرج به من شرط الرئيس الفاضل.
وقال: ينبغي للملك أن لا يؤنس رعاياه بلين العريكة والرفق، ولكنه يؤنسهم بالعدل.
فضل الملوك على قدر خدمتهم لشرائعهم، وإحيائهم سننها. ونقصهم على قدر إغفالها وتحفظها «٢» . وذلك: أن خدمة الشريعة تحركهم للعمل، وإلى أن يعطوا من أنفسهم ما يجب عليها، كما يأخذون من خاصتهم وعامتهم ما يجب عليهم، والمغفل لخدمة الشريعة من الملوك يأخذ من الخاصة والعامة ولا يعطيها، فهو ناقص، إذ كان خارجًا عن سلطان العدل.
من أطاع العدل شفى «٣» ما في نفسه، وخلص على تجربته.
[وقال:] «٤» خف الضعيف إذا كان تحت راية الإنصاف أكثر من
[ ٤٥٧ ]
خوفك القوي إذا كان تحت راية الجور، فإن النصر يأتيه من حيث لا يشعر.
«١» وقال: الإفراطات في الدول مبادي الفساد.
وقال: المراتب تتفاضل في البقاء، فأرفعها مرتبة أقصرها مدة، وأهنؤها «٢» عشية أوبؤها «٣» مغبة.
عند إدبار الدول يغفل أمر بيوت العبادات، ويتجوز في القضاء، ويتحامل الناس: الأقوياء على الضعفاء، والأغنياء على الفقراء.
أكثر اضطراب الملك على الملك من أهل الشجاعة: فإنهم إذا تجاوز بهم مواضعهم ووثقوا بقوتهم على غيرهم-: غلبوا كثيرًا هم أولى «٤» منهم بالتقدم، واضطرب لذلك نظام المملكة، فينبغي للسائس الحازم أن يعطي ذوي القوى قساطها من مملكته، ويحرسها عن التزيد والنقص، كما يحرس الطبيب أخلاط الجسد فيردها إلى اعتدال الصحة.
وقال: ينبغي للملك أن يتحصن من جيوشه بالإنصاف، ومن شرار دولته بالإخافة. وعلى الملك أن يعمل بخصالٍ ثلاث: تأخير العقوبة في سلطان الغضب، وتعجيل المكافأة للحسن، والعمل بالأناة فيما يحدث، فإن له في تأخير العقوبة إمكان العفو.
قال: والنفس التي غلبت عليها الشهوات لا تؤثر حسن الذكر، لأنها لا ترى الفضائل إلا فيما التذت به لذة حسنة «٥» .
[ ٤٥٨ ]
[وقال:] «١» يستدل على إقبال الملك وعلو زمانه من اختياره لوزرائه، ومشاورته المشايخ ذوي التجارب والمعرفة.
الكريم من الملوك من لم يقتصر على مكافأة من أسدى إليه الجميل، حتى يكون متكفلًا بفضله ما وجب على الأحرار في زمانه لمن أحسن إليهم «٢» .
إذا أنكرت من أحد شيئًا فلا تطرحه، وأجل فكرك في جميع أخلاقه، فكلّ شخص موهبة من الله- جل اسمه- لا يخلو منها.
[وقال:] «٣» الحسود ظالم ضعفت يده عن انتزاع ما حسدك عليه، فلمّا قصّرت عنك بعث إليك تأسفه.
وقال: اللجاج عسر انطباع المعقولات في النفس، وذلك: إما لفرط حدة تكون في الإنسان، وإما لغلظٍ، فلا ينقاد للرأي.
أقرب رأييك من الصواب أبعدهما مما هويت في الأكثر «٤» .
وقال: الكريم الطبع من رفع نفسه عن سوء المجازاة، وتواضع في حسن المكافأة على الجميل «٥» .
[وقال:] «٦» من تمام أمانة الرجل كتمانه للسر ودفعه التأول، وقبوله الجميل على ظاهره.
وقال: لا توغل في عداوة من فسد ما بينك وبينه، واصرف أكثر وكدك إلى حسن الاحتراس منه «٧» .
[ ٤٥٩ ]
[وقال حكيم:] «١» أحسن الناس من رفع نفسه فوق حقها عند التعدي، ووضعها عن منزلتها «٢» عند الرغبة إليه، واعتقاد المنن، وجميل المكافأة على السوالف المحمودة «٣» .
غلبة التنعم تعودك إيثار الراحة والمماطلة بالأمور، وتكره إليك ركوب المشقة في مصلحة عواقب أمرك. وهو يشبه الحكيم الحسن المنظر السّيّئ العبارة «٤» .
[وقال:] «٥» الأماني أحلام المستيقظ. وليس تروح عن قلوب المحرومين في زمان إلا أعقبتهم حسرة في أضعافهم «٦» .
ليس القناعة أن تترك كثير الرزق لقليل ما يتحصل لك منه، وهذا بالعجز أشبه منه بالقناعة. وإنما القناعة إيثار القليل مع حرية النفس وترك ركوبها الأخطار واحتمال الذلة.
[وقال:] «٧» احذر مؤاخاة من يجعلك أكثر باله «٨»، ويؤثر أن لا يخفى عليه شيء من أمرك، فانه يتعبك ويأسرك. ولكن صديقك بمنزلة الغضن من الشجرة: ينجذب معك وفي يدك، فإذا خليته رجع إلى موضعه من الصلة وحسن المحافظة، ولم يناقشك المودة ويجعل ذلك سببًا إلى القطيعة.
غيره «٩» الأصدقاء والغلمان أضر من غيرة النساء، لأنها مشوبة بفظاظة وغلظة، فاحترس من دباباتها «١٠»، وتنكب من غلبت عليه.
[ ٤٦٠ ]
من أراد أن يشجي «١» صاحبه أو محاسده»
من غير حجة تلحقه فليتزيد في الفضيلة التي حسده عليها.
وقال: أول مغبة ظلم الظالم عند زوال قوته. وأول ما يفارق الانسان مما «٣» يملك ما أثله ظلمه له، فخف المظلوم، فإنه تحت راية الباري جل وعز، وزل معه حيث زال، فلولا أنه يظلم لعوجل ظالمه «٤» .
[وقال:] «٥» الحرص على الدنيا رأس «٦» كل خطيئة، والشح على ما فيها رأس كل بلية.
وقال [الحكيم] «٧» أبي باغوس «٨»: الحرص يورث تعب الدنيا وشقاء الآخرة.
وقال سقراط: من أراد قلة الغم فليقل القنية، فهي ينبوع الأحزان «٩» .
وحكي عن بعض المتقدمين من الملوك: أنه توفي له ولد حين أهل للمملكة، وكان وحيد أبيه، فجزع عليه جزعًا عظيمًا. فدخل عليه حكيم عصره فقال له: إن أنصفت عقلك- أيها الملك- من نفسك فقد علمت أن التعزية كانت في نفس التهنئة به، أما قيل لك: «طول الله عمره»؟
لعلمهم بقصره وإن طال! أما قيل لك: «جعله الله خلفًا صالحا»؟ والخلف
[ ٤٦١ ]
لا يكون إلا لتلف عن تالف. متى رأيت عيشا إلى دوام، وفرحًا إلى تمام؟
أي غنىً لم يخف معه العدم، وبناء لم ينله الهدم؟ وأي فرحة لم تمزج بترحة؟
متى رأيت مسرة لم تتبعها «١» مضرة؟ إن الدنيا نادت فأسمعت، وبينت فأوضحت، لأن سرورها بشرورها، مزحت وغرت وخدعت «٢»، وأرضعت ففطمت. متى رأيت شيئًا من مليحها هذبته عن قبيحها؟ هل دخلت قصرًا إلا كانت كنفه قبل غرفه؟ وبلدة إلا تلقاك قبورها قبل دورها؟ متى رأيت ضاحكًا لم يعد باكيًا؟ وشاكرًا لها لم يعد شاكيًا؟ أفٍ لعقل حجبته الشهوات، وخدعته الشبهات.
[وقال الحكيم:] «٣» العاقل من عقل لسانه، والجاهل من جهل قدره.
إذا تم العقل نقص الكلام.
[وقال الحكيم:] «٤» العقل إذا فسد كالجوهر إذا انكسر.
للشيخ أبي العلاء المعري في هذا المعنى بيتان، وهما «٥»:
خف يا كريم على عرض تعرضه لعائبٍ، فلئيم لا يقاس بِكا
إن الزجاجة لما حطمت سبكت وكم تحطّم من درّ فماسبكا «٦»
[وقال الحكيم:] «٧» كل عيب مضادد «٨» لخلاص النفس.
لا ينبغي لك أن تهوى حياةً صالحةً فقط، بل وموتًا صالحًا.
[ ٤٦٢ ]
تذكر من أي شيء كنت، وإلى أين أنت صائر.
لا يعد من الأخيار من يؤذي أحدًا بسبب الأمور الزائلة.
كن محبًا للناس، ولا تسرع الغضب فتسلط عليك عادة الجهال.
لا تؤخره إنالة المحتاج إلى غدٍ، فإنك لا تدري ما يعرض في غد.
أعن المبتلى إن لم يكن سوء عمله ابتلاه.
[قال:] «١» لا تحب الفتنة فتضطر إلى البعد «٢» عن محبة الله تعالى.
[وقال الحكيم:] «٣» إن تعبت في أعمال البر فإن التعب يزول [عنك] «٤» والبر يبقى لك. وإن تلذذت بالإثم «٥» فإن اللذة تزول، والإثم باقٍ عليك.
اذكر يومًا يهتف بك فيه فلا تسمع، وينكسر فيه اللسان الحديد فلا ينطق «٦» . واذكر أنك ذاهب إلى مكان لا تعرف فيه صديقًا ولا عدوًا.
من نزل نفسه منزلة العاقل أنزله الناس منزلة الجاهل.
لا تكره سخط من يرضيه الباطل.
التقرب من الناس مجلبة لقرين السوء، فكن مع الناس بين المنقبض والمسترسل.
من أسرع كثر عثاره. والتؤدة تؤمن العثار.
رب مغبوط بمسرة هي داؤه، ومرحوم من سقم هو شفاؤه.
وقال الحكيم: ما بقاء عمر تنقصه الساعات، وسلامة بدن معرض للآفات؟! والعجب ممن يكره الموت وهو سبيله! ولا أرى أحدًا إلا وهو من الموت آبقٌ، وهو مدركه.
[ ٤٦٣ ]
كلّ راض غنيّ.
كتب سقرط إلى ملك زمانه وقد مات ولده: «أما بعد. فإن الله تعالى جعل الدنيا دار بلوى، والآخرة دار عقبى، وجعل بلوى الدنيا لثواب الآخرة سببًا، وثواب الآخرة من بلوى الدنيا عوضًا، فيأخذ- ما يأخذه- بما يعطي، ويبتلي- إذا ابتلى- ليجزي.
وقال ابن الملك يومًا لسقراط: إني لمغموم بك. قال: ولم؟ قال: لما أرى من شدة فقرك. فقال له سقراط: لو علمت الفقر ما هو لشغلك غمك بنفسك عن غمك بي! الغنى والفقر بعد العرض على الله تعالى.
وقال: اعلم أن حفظك سرك أولى من حفظ غيرك له.
وقال لبعض تلامذته: احذر الزمان فإنه أخبث عدو تحذر منه «١» .
[وقال:] «٢» من تكلف ما لا يعنيه فاته ما يعنيه.
[وقال:] «٣» ليس للرجل أن يشغل قلبه بما ذهب منه، لكن ينبغي أن يحفظ ما بقي عليه «٤» .
[وقال:] «٥» زهدك في من «٦» يرغب فيك قصر همة، ورغبتك فيمن «٧» يزهد فيك ذل نفسٍ.
وقال رجل لأرسطاطاليس: بلغني أنك اغتبتني. فقال: ما بلغ قدرك عندي أن أدع لك خلة من ثلاث. قال: وما الثلاث؟ قال: إما علم أعمل فكري فيه، وإما لذة أعلل فيها نفسي «٨»، وإما إقبال على عمل صالح.
[ ٤٦٤ ]
وقال أيضًا: ليس طلبي للعلم طمعًا في بلوغ قاصيه، والاستيلاء على غايته، ولكن التماسًا علمًا لا يسع جهله، ولا يحسن بالعاقل خلافه.
وقال: الجاهل عدو لنفسه، فكيف يكون صديقًا لغيره «١» .
سئل الاسكندر: أي شيء نلته في ملكك أنت به أشد سرورًا؟ قال:
قوتي على مكافأة من أحسن إلي بأكثر من إحسانه.
وقال: محادثتك من لا يعقل بمنزلة من يضع الموائد لأهل القبور.
ومر الاسكندر بمدينة ملكها من الملوك سبعة بادوا، فقال: هل بقي من نسل الملوك الذين ملكوا هذه المدينة أحد؟ قالوا: نعم، واحد. قال: دلوني عليه. قيل له: قد سكن المقابر. فدعا به، فأتاه. فقال له: ما دعاك إلى ملازمة المقابر؟ قال: إني أردت أن أميز عظام عبيدهم من عظام ملوكهم، فوجدت الجميع سواء! قال: فهل لك في «٢» أن تتبعني فأحيي شرفك وشرف آبائك إن كانت لك همة؟ قال: إن همتي لعظيمة. قال: وما هي؟ قال: حياة لا موت بعدها، وشباب لا هرم بعده، وغنى لا فقر معه، وسرور بغير مكروه، وصحة من غير سقم!! قال: هذا ما لا تجده عندي. قال: فإنني أطلبه ممن هو عنده. فقال الاسكندر: ما رأيت أحكم من هذا. ثم خرج من عنده، فلم يزل في المقابر حتى مات.
وقال الحكيم: أمر الدنيا أقصر من أن تطالع فيه الأحقاد» .
وقال: لأن «٤» أدع الحق جهلًا به أحب إلي من أن أدعه زهدًا فيه.
رأى أفلاطون رجلًا يكثر الكلام ويقل الاستماع. فقال له: يا هذا،
[ ٤٦٥ ]
أنصف أذنيك من لسانك، فإن الخالق جل ثناؤه إنما جعل لك أذنين ولسانًا واحدًا، لتسمع ضعف ما تتكلم.
وقال لتلامذته: من شكركم على غير معروف أو بر فعاجلوه بهما، وإلا انعكس الشكر فصار ذمًا.
وقال: من لم يراعَ الاخوان عند دولته خذلوه عند فاقته.
وقال: الملك السعيد من تمت رياسة آبائه به، والشقي من انقطعت عنده.
قيل: أراد أفلاطون سفرا، فقال لسقراط: أوصني أيها الحكيم. فقال «١»: كن سيّئ الظن بمن تعرف، وعلى حذر ممن لا تعرف، وإياك والوحدة، وكن كأحد أتباعك، وإياك والضجر وسوء الخلق. وإذا نزلت منزلًا فلا تمشِ حافيًا، ولا تذق نبتة لا تعرفها، ولا تغتنم مخاصرة الطرق «٢»، وعليك بجوادها وإن بعدت.
وكتب أفلاطون إلى روفسطائيس الملك: «قد أسمعك الداعي، وأعذر فيك الطالب، وانتهت الأمور فيك إلى الرجاع «٣»، ولا أحد «٤» أعظم رزية ممّن ضيّع اليقين وأخطأ بالأمل» .
وقيل لأفلاطن: كيف تركت أهل بلدك؟ قال: بين مظلوم لا ينصف، وظالم لا يقلع.
وقال لديقوميس «٥» الملك: اجعل ما طلبت من الدنيا فلم «٦» نظفر به ولم تقدر عليه-: بمنزلة ما لم «٧» يخطر ببالك.
[ ٤٦٦ ]
وقال: ليس الفضيلة في حسن العيش، بل في تدبير حسن العيش.
وقال: البخل في موضعه أفضل من الجود في غير موضعه.
وسئل أفلاطن: أي شيء أهون عليكم معاشر الحكماء؟ فقال: لائمة الجاهل.
وقال: لقاء أهل الخير عمارة القلوب.
وقال: إذا قارفت «١» سبيئة فعجل نحوها بالتوبة. ولا تؤخر عمل اليوم لغد.
[خاتمة المؤلف]
قال مؤلف الكتاب غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين: ما للعلم غاية يدركها الراغب، ولا نهاية يقف عندها الطالب. هو أكثر من أن يحصر، وأوسع من أن يجمع. والأعمار [متلاشية] (٢) منتقصة، وحوادث الزمان فيها معترضة.
ولولا أن النفس [إذا غولبت] (٢) غلبت، وإذا زجرت لجت وأبت-:
لكان اشتغال [من بلغ] (٢) من السنين إحدى وتسعين بأعمال البر والثواب أجد [ى عليه (٢)] من الاشتغال بتأليف كتاب. بعد ما بالغ الزمان في [وعظه، بتأثيره] (٢) في قواه وسمعه وبصره، لا بلفظه. وأنذره تغير حاله [دنوار] «٢» تحاله.
فهو مقيمٌ على وفاز «٣»، ميت في الحقيقة حي بالمجاز. مستكين لأسر رب العالمين.
واثقٌ بما وعد به ابن التسعين، على لسان رسوله الأمين «٤» . صلى الله عليه وعلى
[ ٤٦٧ ]
آله الطيبين الطاهرين، وعلى أصحابه البررة المتقين، وأزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين، صلاة دائمة إلى يوم الدين.
[خاتمة المصحح]
وهذا آخر كتاب لباب الآداب [فرحم الله كر] (١) يما وقف عليه. وتصدق على مؤلفه بدعوة صالحة [بهديها إليه] «١» يثيبه الله تعالى عنها، ويجزل حظّه منها. فهو سبحانه [من الدا] (٢) عي قريب، يسمع ويجيب (٣) .
[وكان الف] (٢) راغ منه في صفر سنة تسع وسبعين وخمس مائة [والحمد لله و«٢»] حده وصلواته على سيدنا محمد نبيه وصحبه وسلامه ناسخه الفقير إلى رحمة ربه
[ ٤٦٨ ]