وقال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضوان الله عليه: القاضي لا يصانع ولا يضارع، ولا يتبع المطامع.
وقال رضوان الله عليه: حسب المؤمن دينه، ومروءته خلقه، وأصله عقله «١» .
وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضوان الله عليه: المعروف أفضل الكنوز، وأحصن الحصون. ولا يزهدنك فيه كفر من كفرك، فقد يشكرك عليه من لم يستمتع منه بشيء، وقد يشكر الشاكر ما يضيِّع الجحود.
وقال رضوان الله عليه: إذا قدرت على عدوك فاجعل العفو عنه شكرًا للقدرة عليه.
[ ٣٣٥ ]
وقوله رضوان الله عليه: القلوب قاسية عن حظها، لاهيةٌ عن رشدها، سالكة غير مضمارها، كأن المعنيَّ سواها.
كتب أبو بكر الصديق رضوان الله عليه إلى عكرمة بن أبي جهل ﵀، وهو عامله على عمان «١»: «إياك أن توعد في معصية بأكثر من عقوبتها:
فأنك إن فعلت أثمت، وإن تركت كذبت» .
وقال معاوية ﵀ لعمرو بن العاص: من أبلغ الناس؟ قال: من قلل من الإكثار، واقتصر على الايجاز. قال: فمن أصبر الناس؟ قال: من ترك دنياه في إصلاح دينه. قال: فمن أشجع الناس؟ قال: من رد جهله بحلمه «٢» .
قال العتابي: البلاغة سد الكلام بمعانيه وإن قصر، وحسن التأليف وإن طال.
وقف محمد بن الحنفية ﵁ على قبر أخيه الحسن بن علي رضوان الله عليهما حين دفن، فاغر ورقت عيناه، وقال: رحمك الله أبا محمد، فلئن عزت حياتك لقد هدَّت وفاتك «٣»، ولنعم الروح روح تضمنَّه بدنك، ولنعم البدن بدنٌ تضمنه كفنك، وكيف لا يكون هذا وأنت سليل الهدى،
[ ٣٣٦ ]
وحليف أهل التقوى، وخامس أصحاب الكساء «١»، غذتك أكف الحق، وربيت في حجر الإسلام «٢»، ورضعت ثدي الإيمان، فطبت حيًا وميتًا، وإن كانت أنفسنا غير طيبة بفراقك، ولا شاكةٍ في الخير لك «٣» .
كتب إبراهيم بن المهدي إلى صديق له: «لو كانت التحفة لك على حسب ما يوجبه حقك لأجحف بنا أدنى حق من حقوقك، ولكنها على قدر ما يخرج من حدّ الوجشة، ويوجب الأنس «٤»، وقد بعثت إليك بكذا وكذا» .
ودخل أعرابي على هشام بن عبد الملك يشكو عاملا لهم، فقال:
يأمير المؤمنين، إنه والله ما أدركنا أحدًا قعد مقعدك أعدل منك، وإن أهل الشكر لعدلك، هم عيونك على مكارمك، يجب عليهم أن يرفعوا إليك كل مكرمة غبت عنها، حفظًا لغيبك، وتأديةً لحقك وحق إمامتك، وفلان بن فلان رفعت خسيسته، وأثبتَّ ركنه، وأعليت ذكره، وأمرته بنشر محاسنك فطواها، وإظهار مكارمك فأخفاها، وقد أخرب البلاد «٥»، وأظهر الفساد، وأجاع الأكباد، وأخرج الناس من سعة العدل إلى ضيق الجور «٦»، حتى باعوا الطّارف والتّالد. قال: يأعرابي، إن كان ما تقوله حقًا عزلناه وجعلناه نكالا لمن سار بسيره «٧» .
[ ٣٣٧ ]
وتكلم عمرو بن سعيد «١» في بيعة يزيد بن معاوية فقال: إن يزيد غياثٌ تأملونه، وأجلٌ تأمنونه، طويل الباع، رحب الذراع، واسع الصدر، كريم النجر، قارح «٢» سُوبق فسبق، وموجد فمَجُد، وقُورع فقرع، وخوصم فخصم، إن صرتم إلى حلمه وسعكم، أو إلى ماله أغناكم، خلفٌ من أمير المؤمنين، ولا خلف منه «٣» .
لما هزم المهلب بن أبي صفرة عبد ربه الحروري «٤» قال: هل من رجل حازم أبعث به إلى الحجاج مع رؤوس هؤلاء القوم؟ فدلَّ على بشير بن مالك الخرشي، فوجهه إلى الحجاج. فلما دخل عليه قال له الحجاج: ما اسمك؟
قال: بشير بن مالك. فقال الحجاج: بشارةٌ وملكٌ، كيف تركت المهلب؟
قال: تركته- أصلح الله الأمير- قد أدرك ما طلب، وأمن ما خاف.
قال: الحمد لله على ذلك، فكيف تركت العدو؟ قال: كانت له الدولة ولنا العاقبة. فقال الحجاج: العاقبة للمتقين. فكيف تركت الجند؟ قال: أرضاهم الحق، وأغناهم النفل «٥»، وإنه مع ذلك ليسوسهم سياسة الملوك، ويقاتل عنهم قتال الصعلوك. قال: فكيف أبناء المهلب؟ قال. أعباء البيات «٦» حتى يأمنوه، وأصحاب السرح حتى يروِّحوه. قال: فأيهم أفضل؟ قال: ذاك
[ ٣٣٨ ]
إلى أبيهم. قال: وأنت فقل، فإني أراك عاقلا؟ قال: مهم كالحلقة «١» المفرغة لا يدري أين طرفها. فقال الحجاج: أكنت أعددت ما سمعت؟ فقال: لا يعلم الغيب إلا الله. فالتفت الحجاج إلى جلسائة فقال: هذا والله الكلام الخالص، لا الكلام المصنوع.
قال صالح بن جناح: لسان الأحمق مطبق، فلا يحسن أن ينطق، ولا يقدر أن يسكت.
وقال يحيى بن معاذ ﵀: طلب الخير شديدٌ، وترك الشر أشد منه:
لأن ليس كل الخير يلزمك عمله، والشر كله يلزمك تركه.
روي: أن حامد بن العباس سأل علي بن عيسى الوزير في ديوان وزارته عن دواء الخمار «٢» وقد علق به؟ فأعرض عن كلامه، وقال: ما أنا وهذه المسألة! فخجل حامد، ثم التفت إلى قاضي القضاة أبي عمر «٣» فسأله عن ذلك؟
فتنحنح القاضي لإصلاح صوته، ثم قال: قال الله ﵎: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [٥٩: ٧]
. وقال رسول الله ﷺ:
[ ٣٣٩ ]
٢٠٨* «استعينوا على كلّ صنعة بصالح أهلتها» «١» والأعشى هو المشهور بهذه الصناعة في الجاهلية، وقد قال:
وكأسٍ شربت على لذةٍ وأخرى تداويت منها بها
وقد تلاه أبو نواس، وهو القائل:
دع عنك لومي فإن اللوم إغراءُ وداوني بالتي كانت هي الداءُ
فأسفر حينئذٍ «٢» وجه حامدٍ، وقال لعلي بن عيسى: يا بارد! ما ضرك أن تُجيب بما أجاب به قاضي القضاة، وقد استظهر في جواب «٣» المسألة بقول الله تعالى، ثم بقول الرسول ﷺ ثانيًا، وبين الفُتيا وأدى المعنى، وتنصَّل من العهدة؟! فكان خجل علي بن عيسى من حامد بن العباس بهذا الكلام أكثر من خجل حامد منه لما ابتدأه بالمسألة.
من دعاء الفضيل بن عياض ﵁: اللهم إني أسألك الغنى في الدنيا، وأعوذ بك من الرغبة فيها، وأسألك الزهد في الدنيا، وأعوذ بك من الفقر فيها.
كتب العتابي إلى صديق له: «قد عرضت قبلك حاجةٌ، فإن نجحت بك فألفاني منها حظي، والباقي حظك. وإن تعذرت فالخير مظنون بك، والعذر مقدَّمٌ لك» .
روي: أن عبد الحميد لقي ابن المقفع، فقال له: بلغني عنك شيء أكرهه. فقال: لا أبالي. قال: ولم؟ قال: لأنه إن كان باطلًا لم تقبله، وإن كان حقًا عفوت عنه.
[ ٣٤٠ ]
قال خالد بن صفوان «١» لأمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد- حين أتى البصرة منهزمًا من أبي فُدَيك الخارجي «٢» -: الحمد لله الذي خار لنا عليك، ولم يخر لك علينا، فقد كنت حريصًا على الشهادة، لكن الله أبى ذلك «٣»، ليزين بك مصرنا، ويؤنس وحشتنا، ويكشف بك غمتنا «٤» .
قيل للأحنف بن قيس «٥»: من السيد؟ قال: الذليل في عرضه، الأحمق في ماله، المطرح لحقده، المعين لعشيرته.
قال أبو جعفر المنصور لأبي الهيذام عامر بن عمارة بن خُريم الناعم المرِّي «٦»: مالك لا تسألني حاجة؟ فقال: والله ما أخاف بخلك، ولا أستقصر عمرك.
وروي عن كاتبٍ لطاهر بن حسين قال: ولَّى طاهر بعض النواحي رجلًا، فقال لي: اكتب عهده، واترك في أسفل القرطاس فضلًا. ففعلت، فأخذ العهد وكتب في أسفله:
[ ٣٤١ ]
اعمل صوابًا تنل بالحزم مأثرةً «١» فلن يُذم مع التقدير تدبيرُ
فإن هلكت مصيبًا أو ظفرت بهِ فأنت عند أولي الألباب معذورُ
وإن هلكت على جهلٍ وفزت به قالوا: جهولٌ أعانته المقاديرُ «٢»
أنكد بدنيا ينال المخطئون بها حظ المصيبين والمغرور مغرورُ
دخل الخيار بن أوفى النهدي «٣» - وكان كبير السن- إلى معاوية بن أبي سفيان، فقال له: لقد غيرك الدهر؟ قال: نعم، يا أمير المؤمنين، ضعضع قناتي، وشيَّب سوادي، وأفنى لداتي «٤»، وجرَّأ علي أعدائي، ولقد غنيت زمانا أزور الكعاب، وأسئل الثياب، وأحسن الضراب، وآلف الأحباب، فنأى الشباب عني، ودنا الموت مني.
وحذَّر رجل من الحكماء صديقًا له صحبه آخر، فقال: يا فلان، احذر فلانًا، فإنه كثير المسألة، حسن البحث، لطيف الاستدراج، يحفظ أول كلامك على آخره، ويعتبر ما أُخرت بما قدمت، فلا تظهرن له المخافة، فيرى أنك قد تحرزت وتحفظت. واعلم أن من يقظة الفطنة إظهار الغفلة مع شدة الحذر، فباته مباتة «٥» الآمن، وتحفظ منه تحفظ الخائف، فإن البحث يظهر الخفي، ويبدي المستتر الكامن.
[ ٣٤٢ ]
قال اسحق: قلت لزهراء «١»: ما رأيت من نساء العرب أفصح منك ولا أبلغ، يا زهراء، ما خبر أمير المؤمنين؟ قالت: جال بالناس جولة «٢» وحط بهم حطة «٣» حركت الساكن، وأيقظت النائم، وأخافت الآمن، وأتت على نفس المريب. قلت: فما خبر ابن أبي داودٍ «٤»؟ قالت: قعقع له «٥» بالشنان يمنةً ويسرة، حتى لقد أُحيط به. قلت: فما خبر ابن عبد الملك؟ قالت: يسره أرضه بحج بطين بصهر إلى هذه الذخائر فيفطن لها ثم يتمم عليها «٦» . قلت: فما خبر الناس؟ قالت: تنتقض أنفاشهم فإذا فرغوا هدؤا.
قلت لها: فأين منزلك؟ قالت: مالي منزل، إنما أشتمل بالليل إذا عسعس، وأظهر في النهار إذا تنفس. ثم اتخذت منزلًا. فقلت لها: كم بيننا وبين منزلك؟ قالت: أما على كسلان وانٍ فساعةٌ، وأما على ذي حاجةٍ فقريب.
كتب ابن السماك «٧» إلى عمرو بن بانة «٨»: «إن الدهر قد كلح «٩» فجرح، وجمح فطمح، وأفسد ما أصلح «١٠»، فإن لم تُعن عليه فضح» .
[ ٣٤٣ ]
قال المدائني: دخل عمرو بن أمية الضمري «١» على النجاشي، فكلمه بكلام كثير، فكان مما حفظ من كلامه: إنا وجدناك كأنك من الرقة علينا منا، وكأنا في الثقة بك منك، لم نرجك لأمر قط إلا نلناه، ولم نخفك عليه إلا أمناه.
وعن العتبي قال: قال عثمان بن عتبة بن أبي سفيان: أرسلني أبي إلى عمي «٢» أخطب إليه ابنته، فأقعدني إلى جانبه، ثم قال: مرحبًا بابنٍ لم ألده، أقرب قريب، خطب إلي أحبّ حبيب، ولا أستطيع له ردًا، ولا أجد من تشفيعه «٣» بدًا، وقد زوجتكما، وأنت أكرم علي منها، وهي ألوط بقلبي منك «٤»، فأكرمها يعذب على لساني ذكرك، ولا تمتهنها فيضع عندي قدرك، وقد قربتك مع قربك، فلا تباعد قلبي من قلبك.
قال أبو الحسن المدائني: وقع ميراث بين أبي سفيان وبين مروان، فتشاجرا فيه وتضايقا «٥» . فلما قاما أقبل عمرو بن عتبة «٦» على ولده، فقال:
[ ٣٤٤ ]
إن لقريش درجًا تزل عنها أقدام الرجال، وأفعالًا تخشع لها رقاب الأموال، وألسنًا تكل «١» عنها الشفار المشحوذة، وغايات تقصر «٢» عنها الجياد المنسوبة «٣»، ثم إن ناسًا منهم تخلقوا بأخلاق العوام، فصار لهم رفق في اللؤم «٤»، وخرق «٥» في الحرص، لو أمكنهم قاسموا الطير أرزاقها، إن خافوا مكروهًا تعجلوا له الفقر، وإن عجّلت لهم نعمة «٦» أخروا عليها الشكر، أولئك أنضاء فكر العقل «٧»، وعجزة حملة الشكر.
كتب معاوية بن أبي سفيان إلى أخيه عتبة «٨»، وهو على مصر، في أقوام يعاقبهم ولا يراجعه فيهم. فكتب إليه عتبة: «يا أمير المؤمنين، على أداء حقك أستعين الله، وبه على جميع أمري أتوكل «٩»، وأنا مقيد بكتابك، وصائرٌ إلى أمرك، ومتخذه إمامًا إذا أم الحزم، فإذا خالفه فعندها لم تغب عما شهدت، ولم يدخل عليك ضرر ما فعلت، ولقد علم الناس قبلي أنّ زنادني ذكية الشعل «١٠» لمن عاداك، وأن جناي أحلى من العسل لمن والاك، فثق بذلك لهم
[ ٣٤٥ ]
وعليهم، وإياك أستكفي لك من كفاني بك.
وقال عمرو بن العاص لابنه: يا بني إمامٌ عادلٌ خيرٌ من مطر وابل، وأسد حطوم خير من سلطان ظلوم، وسلطان ظلوم خير من فتنة تدوم «١» .
قال المدائني: قدم محمد بن عبد الله بن عطارد الدارمي في سبعين راكبًا على الحجاج وافدًا، فاستزارهم عمرو بن عتبة «٢»، فقال له محمد بن عبد الله:
يأباسفيان، ما بال العرب تطيل كلامها وتقصرونه معشر قريش؟ فقال: الجندل يرمي بالجندل، إن كلامنا يقلّ لفظه ويكثر معناه، يشفي بأولاه ويحيي «٣» بأخراه، تحدر الزلال على الكبد الحرَّى، ولقد نقصنا كما نقص الناس، بعد أقوام أدركتهم كأنهم خلقوا لتحسين ما قبَّحت الدنيا، سهلت لهم ألفاظهم كما سهلت لهم أنفاسهم، ويبذلون أموالهم، ويصونون أعراضهم، فما يجد المادح لهم مزيدًا، ولا الطاعن فيهم مطعنًا، لله در مادحهم حيث يقول:
وضع الدهر بينهم «٤» شفرتيه فانثنى سالما وأضحوا شعوبا
شفرتا والله مالا «٥» على من قبلهم «٦»، فأذهبت أبدانهم، وأبقت أخبارهم، فصاروا حديثًا حسنًا، ثوابه في الآخرة أحسن، وحديثًا سيئًا عقابه في الآخرة أسوأ، فكم موعوظ بمن قبله «٧» موعوظ به من هو آتٍ بعده. قال:
فظننا أنه إذا «٨» أراد أن يطيل أطال.
وصف معاوية الوليد بن عتبة «٩» فقال: إنه لبعيد الغور، ساكن الفور،
[ ٣٤٦ ]
وإن العود لمن نجاره «١» والولد من آبائه، وإنه والله نبت أصل لا يخلف، وسليل فحلٍ لا يقرف «٢» .
قال المدائني: أتى أعرابي أبا جعفر محمد بن علي بن الحسين ﵃، فقال له: هل رأيت الله حين عبدته؟ قال: ما كنت لأعبد شيئًا لم أره. قال: فكيف رأيته؟ قال: لم تره الأبصار مشاهدة العيان، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان، لا يدرك بالحواس، ولا يقاس بالناس، معروفٌ بالآيات، منعوتٌ بالعلامات، لا يجور في قضيته، هو الله الذي لا إله إلا هو.
فقال الأعرابي: الله أعلم حيث يجعل رسالاته «٣» [٦: ١٢٤] .
قال محمد بن سلاَّم «٤»: لما قتل مصعب بن الزبير ﵀ بلغ أخاه عبد الله [﵁] «٥» وهو بمكة، فصعد المنبر فقال: الحمد لله الذي له الخلق والأمر، يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء. ألا وإنه لم يذلل الله «٦» من الحق معه، وإن كان فردًا، ولم يعزز الله من أولياء الشيطان وحزبه، وإن كان الأنام معه طُرًَّا. إنه
[ ٣٤٧ ]
أتانا خبرٌ من العراق أجزعنا وأفرحنا: قَتْلُ مصعب رحمة الله عليه، فأما الذي أجزعنا من ذلك فإن «١» لفراق الحميم لذعة «٢» يجدها حميمه «٣» عند المصيبة، ثم يرعوي من بعدها ذوو الرأي «٤» إلى جميل الصبر وكريم العزاء، وأما الذي أفرحنا فقد علمنا أن قتله له شهادة، وأن القتل له على ذلك خيرة. ألا إن أهل العراق- أهل الغدر والنفاق- أسلموه وباعوه بأقل ما كانوا يأخذونه منه. أما والله ما نموت حبجًا «٥» وما نموت إلا قصعًا «٦» بالرماح، وموتًا تحت ظلال السيوف، ليس كما تموت بنو مروان: ما قُتل منهم أحد في الجاهلية ولا في الإسلام. وإنما الدنيا عاريةٌ من الملك الذي لا يزول سلطانه ولا يبيد، فإن تقبل الدنيا علي لا آخذها أخذ الأشر البطر، وإن تدبر عني لا أبك عليها بكاء الخرف المهتر «٧» . ثم نزل.
قال معاوية لعمرو بن العاص: من أبلغ الناس؟ قال: من ترك الفضول واقتصر على الايجاز. قال: فمن أصبر الناس؟ قال: من ترك دنياه في إصلاح دينه. قال: فمن أشجع الناس؟ قال: من رد جهله بحلمه «٨» .
[ ٣٤٨ ]
وقلل خالد بن صفوان: أحسن الكلام ما شرفت مبانيه، وظرفت معانيه، والتذه سمع سامعيه.
كان العتابي «١» يقول: ليس البلاغة بالاكثار والإقلال، لكن «٢» البلاغة سد الكلام بمعانيه وإن قصر، وحسن التأليف وإن طال.
قيل للقاسم بن محمد بن أبي بكر ﵁: كيف كان مصعب؟ قال:
كان نفيسًا رئيسًا يبيسًا.
حمل عمرو بن معدي كرب حمالة «٣»، فأتى مجاشع بن مسعود «٤» فسأله فيها؛ وقال: أسألك حملان «٥» مثلي وسلاح مثلي. فأمر له بعشرين ألف درهم وفرس عتيق جواد وسيف صارم وجارية نفيسة. فمر ببني حنظلة، فقالوا له: يأبا ثور، كيف رأيت صاحبك؟ فقال: لله بنو مجاشع «٦» ! ما أشد في الحرب لقاءها! وأجزل في اللزبات «٧» عطاءها! وأحسن في المكرمات
[ ٣٤٩ ]
ثناءها «١» ! لقد قاتلتها فما فللتها «٢»، ومألتها فما أبخلتها «٣»، وهاجيتها فما أفحمتها.
قدم وفد أهل «٤» العراق على معاوية ﵀، فلما دخلوا عليه قال: [مرحبًا بكم] «٥» يا أهل العراق، قدمتم أرض الله المقدسة، منها المنشر، وإليها المحشر، قدمتم على خير أمير: يبر كبيركم، ويرحم صغيركم، ولو أن الناس كلهم ولد أبي سفيان لكانوا حلماء عقلاء! فأشار الناس إلى صعصعة بن صوحان «٦» فقام فحمد الله «٧» وصلى على النبي ﷺ ثم قال: أما قولك- يا معاوية-: «إنا قدمنا الأرض المقدسة» فلعمري ما الأرض تقدس الناس، ولا يقدس الناس إلا أعمالهم. وأما قولك: «إن منها المنشر وإليها المحشر» فلعمري ما ينفع قربها كافرًا، ولا يضر بعدها مؤمنًا. وأما قولك: «لو أن الناس كلهم ولد أبي سفيان لكانوا حلماء عقلاء» فقد ولدهم من هو خير
[ ٣٥٠ ]
من أبي سفيان: آدم صلى الله عليه، فمنهم الحليم والسفيه، والجاهل والعالم.
وقالت الحكماء: خير الكلام ما أغنى قليله عن كثيره.
وقالوا: خير الكلام ما لم تحتج بعده إلى كلام.
وقالوا: أبلغ الكلام ما سبق معناه لفظه.
وقالوا: البلاغة ما فهمته العامة، ورضيته الخاصة «١» .
وقيل لبعض الحكماء: ما أحسن الكلام؟ قال: ما استحسنه سامعه.
قيل: ثم ماذا؟
قال: ثم ما حصلت منافعه. قيل: ثم ماذا؟ قال: ما لم تذمَّ عواقبه. قيل: ثم ماذا؟ قال: ثم لا ثم.
وقيل لبعضهم: من البليغ؟ قال: من أخذ معاني «٢» كثيرة فأداها بألفاظ قليلة، أو أخذ معاني «٣» قليلة فولد منها ألفاظًا كثيرة.
قلت: كأنّه عنى بهذا القول قول عيد الله بن المعتز في صفة الآذريون «٤»
وآذريون أتاك في طبقه كالمسك في نشره وفي عبقهِ
قد نفض العاشقون ما صنع ال هجرُ بألوانهم على ورقهِ
فالبيت كله أنه أصفر.
وقال بعض الأدباء: إن أمكنك أن تبلغ من بيان وصفك، وبلاغة
[ ٣٥١ ]
منطقك، واقتدارك على فصاحتك-: أن تُفهم العامة معاني الخاصة، وتكسوها الألفاظ المبسوطة التي لا تلطف عن الدهماء ولا تجل عن الأكفاء-: فأنت البليغ الكامل.
وسئل أرسطاطاليس عن البلاغة؟ فقال: إقلال في إنجاز، وصواب مع سرعة جواب. وسئل عن العي؟ فقال: كثرة القول المقصر عن بلوغ المعنى.
وتكلم ابن السماك يومًا وجارية له تسمع، فلما دخل قال لها: كيف سمعت كلامي؟ قال: ما أحسنه لولا أنك تكثر ترداده! قال: إنما أردده ليفهمه من لم يفهمه. قالت «١»: إلى أن يفهمه من لم يفهمه قد مله من قد فهمه! «٢» قحطت البادية في أيام هشام بن عبد الملك، فقدمت العرب من أحياء القبائل، فجلس هشام لرؤسائهم، فدخلوا عليه، وفيهم درواس بن حبيب «٣»،
[ ٣٥٢ ]
وله أربع عشرة سنة «١»، عليه شملتان وله ذؤابة. فأحجم القوم وهابوا هشامًا، ووقعت عين هشام على درواس فاستصغره، فقال لحاجبه: ما يشاء أحد أن يصل إلي إلا وصل! حتى الصبيان؟! فعلم درواس أنه يريده، فقال: يا أمير المؤمنين، إن دخولي لم يخلِّ بك شيئًا، ولقد شرَّفني، وإن هؤلاء القوم قدموا لأمرٍ أحجموا دونه، وإن الكلام نشرٌ، والسكوت طيٌ، ولا يعرف الكلام إلا بنشره.
فقال له هشام: فانشر لا أبالك!! وأعجبه كلامه. فقال: أصابتنا سنون ثلاثة «٢»: فسنةٌ أذابت الشحم، وسنةٌ أكلت اللحم، وسنة أنقت العظم، وفي أيديكم فضول أموالٍ: إن كانت لله ففرقوها على عباده المستحقين لها، [وإن كانت لهم فعلام تحبسونها عنهم؟] «٣»، وإن كانت لكم فتصدقوا بها عليهم، فإن الله يجزي المتصدقين «٤»، ولا يضيع أجر المحسنين «٥»، واعلم، يا أمير المؤمنين، أن الوالي من الرعية كالروح من الجسد، لا حياة للجسد إلا به «٦» . فقال هشام: ما ترك الغلام في واحدة من الثلاث عذرًا. وأمر أن يقسم في باديته مائة ألف درهم «٧»، وأمر لدرواس بمائة ألف درهم. فقال: يا أمير المؤمنين،
[ ٣٥٣ ]
ارددها إلى جائزة العرب، فإني أكره أن يعجز ما أمر لهم به أمير المؤمنين عن كفايتهم. قال: فما لك من حاجةٍ تذكرها لنفسك؟ قال: مالي من «١» حاجةٍ دون عامة المسلمين «٢» !! قال أبو العتاهية: قدم عليَّ أعرابي من هجر، فخاطبني بأحسن مخاطبةٍ، وكلمني بأفصح كلام، ثم قال: ما رأيت أحسن ممّا كما يقال عنك إلا ما شهدته منك. ثم وعدته بأشياء قدم لها وتضمنت له القيام بها، فقال لي: والله ما أستقل قليلك، لأنه أكثر من كثير غيرك، ولا أستكثر كثيرك، لأنه دون همتك.
وقال خالد بن صفوان: لا تصنع المعروف إلى ثلاثة: الفاحش واللئيم والأحمق.
فأما الفاحش فيقول: إنما صنع هذا بي اتقاءً «٣» لفحشي، وأما الأحمق فلا يعرف المعروف فيشكره، وأما اللئيم فكالأرض السبخة لا تثمر ولا تنمي. فإذا «٤» رأيت السري فدع المعروف «٥» عنده واستحصد الشكر، وأنا لك الضامن.
٣٠٩* قال النبي ﷺ: «إن من الشعر لحكمًا، وإن من البيان لسحرًا» هذا كلام قاله ﷺ لوفد بني تميم، لما سأل عمرو بن الأهتم «٦» عن قيس
[ ٣٥٤ ]
بن عاصم «١»؟ فمدحه عمرو، فقال قيس: والله يا رسول الله، لقد علم أني خيرٌ مما وصف، ولكنه حسدني! فذمه عمرو بن الأهتم، وقال: يا رسول الله، لقد صدقت في الأولى وما كذبت في الثانية! ولكني رضيت فقلت أحسن ما علمت، وغضبت فقلت أسوأ ما عرفت! فعند ذلك قال النبي ﷺ: «إن من البيان لسحرًا» .
وأنا ذاكر شيئًا من محاسن الشعر مختصرا.