وعن أبي يعقوب قال: كنت قائمًا بين يدي الرشيد وقد قدم إليه جماعة من الملحدين، فدعا بالسيَّاف لقتلهم، فلما رآه شيخٌ منهم اضطرب وجزع، فقال له شاب منهم: يا شيخ، ترتاع من سيف هذا وفي بدنك أربعة أسياف لا بدّ من أن «١» يقتلك أحدها «٢»؟! وهي: الدم والبلغم والصفراء والسوداء؟! فتماسك الشيخ. فأمر الرشيد بأن يقدم قتل الشاب، وقال: هذا الغلام فتنة من فتنهم.
قال «٣» عامر بن الطفيل:
سلِ الخيل عني: هل علاها إذا عدَتْ إلى الروع بالأبطال من فارسٍ مثلي؟ «٤»
وهل كرَّها كرِّي إذا هي أقبلتْ تواخطُ بالأبطال في الحَلَقِ الجدل؟ «٥»
إذا حال منها عارضٌ دون عارضٍ كثيفٍ وأبدتْ حدَّ أنيابها العصل «٦»
[ ٢٠٠ ]
كشفتُ قناع الموت بيني وبينها وأشليتها حتى تقوم على رجل «١»
وأبسست إبساسًا بها وامتريتها فدرَّت غزارًا بالتليل وبالنبل «٢»
وكان الذي يلقى الرَّدى من لقيته وما أشبه الآجال من فارسٍ قبلي
ألستُ بفيفِ الرّيح أوّل مقدم على رحبي موتٍ مراجلها تغلي؟! «٣»
هتكت بنصل السيف أقراب مسهرٍ ولا شيء أسنى بالكرام من القتلِ «٤»
قال الشيخ أبو العلاء «٥» بن سليمان المعري:
من السعد في دنياك أن يهلك الفتى بهيجاء يغشى أهلها الطعن والضربا
فإن قبيحًا بالمسوَّد أن يرى «٦» على فرشه يشكو إلى البقر «٧» الكربا!
[ ٢٠١ ]
وقال علوي البصرة «١»: [نقلها ابن خلكان للأمير قِرواش رحمه الله تعالى] «٢»
من كان يُحمد أو يُذم مورَّثًا للمال من آبائهِ وجدودهِ
فأنا امرؤٌ للهِ أحمدُ وحدهُ حمدًا كفيلًا لي بحسن مزيدهِ
ولأبيضٍ كالملح ما جرَّدته إلا وبان الموت في تجريدهِ
ولأسمرٍ لدن الكعوب كأنما ماء المنية كامنٌ في عودهِ
بهما حويتُ المال «٣» إلا أنني سلطتُ جودَ يدي على تبديدهِ
وقال مؤلف الكتاب:
سأنفقُ مالي في اكتساب مكارمٍ أعيش بها بعد الممات مخلَّدا
وأسعى إلى الهيجاء لا أرهب الرَّدى «٤» ولا أتخشَّى عاملًا ومهندا
بكل فتىً يلقى المنية باسمًا كان له في الموت عيشا مجدّدا
[ ٢٠٢ ]
خإن نلتُ ما أرجو فللمجد ثم لي وإن متُّ خلَّفتُ الثناء المؤبدا
وقال مؤلف الكتاب أيضًا:
قلبي وصبري إلفان مذ خُلقا تقاسما صادقين لا افترقا
أمشي الهوينا والخطبُ في طلبي يوضع طورًا وتارةً عنقا «١»
أحنو ضلوعي في كل حادثةٍ على فؤادٍ لا يعرف القلقا
لا يزدهيه خوف الحِمام ولا عهدتُهُ في ملِّمةٍ خفقا
وقال مالك بن حريم الهمداني «٢» لعمرو بن معدي [كرب] «٣»:
يا عمرو لو أبصرتني لرفوتني في الخيل رَفْوَا «٤»
للقيت مني عربدًا يقطو إلى الفرسان قَطْوَا «٥»
لما رأيتُ نساءنا يدخلن تحت البيت حَبْوَا
وسمعت زجر الخيل في جو الظلام هبي وهَبْوَا «٦»
في فيلقٍ ملمومةٍ تعطو على النجدات عَطْوَا «٧»
[ ٢٠٣ ]
أقبلتُ أفلي بالحسا مِ معًا رؤوسَ القومِ فلو «١»
والبيض تلمع بيننا تعصو بها الفرسان عَصْوَا «٢»
وقال عمرو بن معدي «٣»:
أعددتُ للهيجاء سا بغة وعدّاء علندى «٤»
نهدا وذا شطب يقدّ البيض والأبدان قدَّا»
لما رأيتُ نساءنا يفحصن بالمعزاء شدَّا «٦»
وبدت لميس كأنها وجه النهار «٧» إذا تبدّى
نازلت كبشهم ولم أرمن نزال الكبش بُدَّا
هم ينذرون دمي وأَنْ ذِرُ إن لقيت بأن أشدَّا «٨»
قال قيس بن أبي حازم «٩»: حضر عمرو بن معدي كرب﵀- الناس يوم القادسية وهم يتقاتلون، فرماه رجل من العجم «١٠» بنشابة فوقعت في كتفه، وكانت عليه درع حصينة، فلم تنفذ، وحمل عمرو على العلج فعانقه، وسقطا «١١» إلى الأرض فقتله عمرو وسلبه، [ورجع بسلبه] «١٢» وهو يقول:
أنا أبو ثورٍ وسيفي ذو النون أضربهم ضرب غلامٍ مجنونْ
يالَ زُبيدٍ «١٣» إنّهم يموتون
[ ٢٠٤ ]
وشهد عمرو بن معدي القادسية وهو ابن مائة وست سنين، وقيل: ابن مائة وعشر سنين «١» . ولما قتل العلج عبر جسر «٢» القادسية هو وقيس بن مكشوح «٣» ومالك بن الحارث الأشتر النخعي ﵏، وكان عمرو آخرهم، وكانت فرسه ضعيفه، فطلب غيرها، فأُتي بفرس فأخذ بعكوة «٤» ذنبه وجلد «٥» به الأرض، فأقعى الفرس، فرده، وأتى بآخر ففعل به مثل ذلك، فتحلحل ولم يُقْعِ، فقال: هذا على كل حال أقوى من تلك. وقال لأصحابه: إني حاملٌ وعابرٌ الجسر، فإن أسرعتم بمقدار جزر جزور وجدتموني وسيفي بيدي أقاتل به تلقاء وجهي، وإن أبطأتم وجدتموني قتيلًا وقد قتلت وجزرت «٦» ! ثم انغمس فحمل في القوم، فقال بعضهم: يا بني زبيد، علام تدعون صاحبكم؟ فو الله ما أرى أن تدركوه حيًا. فحملوا، فانتهوا إليه وقد صُرع عن فرسه، وهو آخذ برجل فرس رجلٍ من العجم فأمسكها، وإن الفارس ليضرب الفرس فما يقدر أن يتحرك من يده. فلما غشيه أصحابه رمى العجمي بنفسه وخلَّى فرسه، فركبه عمرو، وقال: أنا أبو ثور! كدتم والله تفقدوني! قالوا: فأين فرسك؟ قال: ضربته نشابةٌ فشب فصرعني وعار «٧» .
نقلت من خط النجيرمي «٨» قال: كان الفند من الفرسان الشجعان القدماء،
[ ٢٠٥ ]
وهو: شهل «١» بن شيبان «٢» بن ربيعة بن زِمَّان «٣»، وإنما سمي «الفند» لأنه شُبِّه بالقطعة من الجبل، وكان عظيمًا. وأمدَّت بنو حنيفة- يوم قِضَة «٤» - بكر بن وائل بالفند، وقالوا: قد أمددناكم بألف رجل، وكان شيخًا كبيرًا يومئذٍ، فطعن مالك بن عوف بن الحارث بن زهير بن جُشم وخلفه رديف له يقال له الثريار «٥» بن مازن بن جشم بن عوف بن وائل بن الأوس-:
فانتظمهما برمحه وقال «٦»:
أيا طعنة ما شيخٍ كبيرٍ يفن بال «٧»
كجيب الدّفنس الورها ءريعت بعد إجفالِ «٨»
تفتَّيت بها إذ ك رِه الشِّكَّة أمثالي «٩»
وشهد الفند الزماني حرب بكر وتغلب وقد قارب المائة سنة، فأبلى بلاءً حسنًا، وكان يوم التحالق الذي يقول فيه طرفة بن العبد «١٠»:
[ ٢٠٦ ]
سائلوا عنا الذي يعرفنا بقوانا «١» يوم تحلاق اللّمم
يوم تبدي البيض عن أسوقها وتلف «٢» الخيل أعراج النعمْ «٣»
أنشد المبرِّد لبعضهم:
ألم تعلمي يا عِصْمَ كيف حفيظتي إذا الشر خاضت جانبيه المجادحُ «٤»
أفر حذار الشر والشر تاركي وأطعن في أنيابه وهو كالحُ
وأنشد المبرِّد:
لَعمركَ ما دهري بزِقٍ وقَينةٍ وطِرْفٍ وأثوابٍ جيادٍ ومطعمِ
ولكنما دهري رواقٌ يحفُّهُ ثمانون ألفًا من فصيحٍ وأعجمِ
يقودون قُبَّ الخيل أرسانها القنا إذا غضبت جادت سماؤك بالدمِ
وقال الزبير بن عبد المطلب:
ويُذهب «٥» نخوة المختال عني رقيق الحد ضرْبَتُهُ صَمُوتُ
بكفَّي ماجدٍ «٦» لا عيبَ فيه إذا لقيَ الكريهة «٧» يستميتُ
قال شبيلٌ الفزاري:
قد علم المستأخرون في الوَهَلْ إذا السيوفُ عريت من الخِللْ «٨»
أن الفِرارَ لا يزيدُ في الأجل
[ ٢٠٧ ]
وقال قيس بن الخطيم من قصيدة «١»:
إذا ما فررنا كان أسوأ فرارنا صدود الخدود وازورار المناكبِ
صدود الخدود والقنا متشاجرٌ ولا تبرح «٢» الأقدام عند التضاربِ
أُجالدهم يوم الحديقة حاسرًا كأن يدي بالسيف مِخراقُ لاعبِ
قال الفُضيل بن خُديج «٣»: شهدت من مصعب بن الزبير مشهدًا، ورأيت منه شيئًا ما علمته لأحدٍ: إني لمعه في الوقعة التي قتل فيها، وقد أسلمه من أسلمه، وقتل وجوه من بقي معه-: وهو لا يكرثه ذلك، وسمعته ينشد:
ونحن أناسٌ لا نرى القتل سبَّةً على أحدٍ يحمي الذمار ويمنعُ
بنو الحرب أُرضعنا بهِ، غير فُحَّشٍ، ولا نحن مما جرَّت الحرب نفْزَعُ
جِلادٌ على ريب الحوادث لا ترى على هالكِ عينٌ لنا الدهر تدمعُ
وأُنشد مسلمة بن عبد الملك بعد قتل يزيد بن المهلَّب قول ثابت قطنة «٤»:
يا ليت أُسرتك الذين تغيبوا كانوا لنصرك- يا يزيدُ- شهودا «٥»
فقال مسلمة: وأنا والله وددت ذلك: أنّهم كانوا يومئذ شهودا فسقيتهم بكأسه.
[ ٢٠٨ ]
ومثله قول الآخر:
فوَا أسفي أن لا أكون شهدته فطاحت شِمالي عنده ويميني
وكنتُ لقيتُ الموت أحمرَ دونه كما كان يلقى الدّهر أغبردوني
قال أبو الحسن العسكري «١»: لحق أبو دُلفٍ «٢» أكراد قطعوا الطريق في عمله «٣»، وقد أردف منهم فارس «٤» رفيقًا له خلفه، فطعنهما جميعًا فأنفذ فيهما الرمح، فتحدث الناس: أنه أنفذ بطعنة واحدة فارسين. فلما قدم من وجهه «٥» دخل إليه بكر بن النطاح فأنشده «٦»:
قالوا: وينظم فارسين بطعنةٍ يوم اللقاء ولا يراه جليلا
لا تعجبوا لو أنّ طول قناته مبل «٧» إذًا نظم الفوارس ميلا
فأمر له أبو دُلف بعشرة آلاف «٨» درهم.
روي «٩»: أن دريد بن الصمة خرج في فوارس من بني جشم، حتى إذا كان بوادٍ لبني كنانة، يقال له «الأخرم» «١٠»، وهو يريد الغارة على بني كنانة-: رُفع له رجلٌ من ناحية الوادي، معه ظعينة، فلما نظر إليه قال لفارسٍ من أصحابه: صِحْ به أن خلَّ الظعينة «١١» وانجُ بنفسك- وهو لا يعرفه-
[ ٢٠٩ ]
فانتهى إليه الرجل فصاح به وألح عليه، فلما أبى إلا الإلحاح عليه ألقى زمام الناقة إلى الظعينة وقال:
سيري على رِسلك سير الآمنِ سير رداحٍ ذات جأشٍ ساكنِ «١»
إن انثنائي دون قِرني شائني فابلي بلائي واخبري وعايني
ثم حمل على الفارس فقتله، وعاد إلى زمام ظعينته نأخذه، فبعث دريد فارسًا آخر لينظر ما صنع صاحبه، فرآه صريعًا، فصاح به، فتصامم عليه «٢»، فظنَّ «٣» أنه لم يسمع، فغشيه، فألقى الزمام إلى الظعينة، ثم حمل على الفارس فصرعه، وهو يقول:
خلِّ سبيل الحرة المنيعة إنك لاقٍ دونها ربيعهْ
في كفِّه خطيَّةٌ مطيعه «٤» أوْلاَ، فخذها طعنةً سريعهْ
فالطعن مني في الوغى شريعهْ
فلما أبطأ «٥» على دريد بعث في أثرهما نارسا آخر «٦» لينظر ما صنع صاحباه، فانتهى إليهما [فرآهما] «٧» صريعين، ونظر الفارس يقود ظعينته [ويجر رمحه] «٨»، فقال له [الفارس] «٩»: خلِّ عن الظعينة، فألقى إليها الزمام، وقال لها: اقصِدي قصد البيوت، ثم أقبل عليه فقال:
ماذا تريدُ من شتيمٍ عابسِ؟! «١٠» أما ترى «١١» الفارس بعد الفارس؟!
أرداهما «١٢» عامل رمح يابس ١»
[ ٢١٠ ]
ثم طعنه فصرعه، وانكسر رمحه، فارتاب دريد وظنَّ أنهم قد أخذوا الظعينة وقتلوا الرجل «١»، فلحق بهم، فوجد ربيعة لا رمح معه، وقد دنا من الحي، ووجد القوم قد قتلوا. فقال له دريد: أيها الفارس، إني أضنُّ «٢» بمثلك على القتل، وإن الخيل ثائرةٌ بأصحابها، ولا أرى معك رمحًا، [وأراك حديث السن] فدونك [هذا] «٣» الرمح، فإني راجعٌ إلى أصحابي، ومثبطهم عنك. فأتى دريدٌ أصحابه فقال: إن فارس الظعينة قد حماها، وقتل فوارسنا «٤»، وانتزع رمحي، ولا طمع لكم فيه، فانصرف القوم، فقال دريد:
ما إن رأيتُ ولا سمعتُ بمثلهِ حاميَ الظعينة فارسًا لم يُقتلِ
أردى فوارسَ لم يكونوا نُهْزَةً «٥» ثم استمرَّ كأنه لم يفعلِ
متهللًا «٦» تبدو أَسرَّةُ وجههِ مثل الحسامِ جلتهُ كفُّ الصيقلِ «٧»
يُزجي ظعينته ويسحبُ رُمحه متوجهًا يُمناه نحو المنزلِ
وترى الفوارس من مخافة رمحهِ مثل البغاثِ خشينَ وقع الأجدل
يا ليت شِعري من أبوه وأمه؟! * يا صاحِ من يكُ مثله لم يُجْهلِ وقال ربيعة بن مكدَّم في ذلك:
إن كان ينفعك السؤال «٨» فسائلي عني الظعينة يوم وادي الأخرمِ
[ ٢١١ ]
إذهي لأول من أتاها نُهبةٌ «١» لولا طِعان ربيعةَ بن مُكدَّمِ
إذ قال لي أدنى الفوارس ميتةً: خلِّ الظعينة طائعًا لم تندمِ «٢»
فصرفتُ راحلة الظعينة نحوه عمدًا ليعلم بعض ما لم يعلمِ
وهتكتُ بالرمحِ الطويلِ إهابَهُ فهوى صريعًا لليدين وللفمِ
ومنحت آخر بعده جياشةً نجلاءَ فاغرةً كشِدقِ الأعلمِ «٣»
ولقد شفعتهما بآخر ثالثٍ وأبى الفرار لي الغداة تكرُّمي
ولم يلبث بنو كنانة- رهط ربيعة بن مكدَّم- أن أغاروا على بني جُشم- رهط دريد بن الصمة- فقتلوا منهم [وأسروا وغنموا] «٤» وأسروا دريد بن الصمة، فأخفى نفسه «٥»، فبينا هو عندهم محبوس إذ جاء نسوة يتهادَين إليه، فصرخت امرأة منهن، فقالت: هلكتم وأهلكتم! ماذا جرَّ علينا قومنا؟! هذا والله الذي أعطى ربيعة رمحه يوم الظعينة! ثم ألقت ثوبها عليه، وقالت:
يا آلِ فراس! أنا جارةٌ له منكم، هذا صاحبنا يوم الوادي. فسألوه: من هو؟
فقال: دريد بن الصمة، فمن صاحبي؟ قالت: ربيعة بن مكدَّم، قال:
فما فعل؟ قالت: قتلته بنو سليم، قال: فمن الظعينة التي كانت معه؟ قالت:
رَيْطَة بنت جِذل الطِّعان «٦»، وأنا هي، وأنا امرأته. فحبسه القوم، [وآمروا أنفسهم] «٧» وقالوا: لا ينبغي أن نكفر نعمة دريد [عندنا] «٨» . وقال بعضهم: والله لا يخرج من أيدينا إلا برضا المخارق الذي أسره. فانبعثت المرأة في الليل فقالت:
[ ٢١٢ ]
سنجزي دريدا عن ربيعة نعمة وكلّ امريء «١» يُجزى بما كان قدَّما
فإن كان خيرًا كان خيرًا جزاؤه وإن كان شرًا كان شرًا مذمَّما
سنجزيه نعمى «٢» لم تكن بصغيرةٍ بإعطائه الرمح السديد المقوَّما
فقد أدركت كفَّاه فينا جزاءه وأهلٌ بأن يجزى الذي كان أنْعَمَا
فلا تكفروه حقَّ نُعماه فيكم ولا تركبوا تلك التي تملأ الفما
فلو كان حيًا لم يضقْ بثوابه ذراعًا غنيًا كان أو كان معدما
ففكّموا دريدًا من إسار مخارقٍ ولا تجعلوا البؤسى إلى الشر سلَّما
فأصبح القوم وقد أجمع ملؤهم، إلى أن سلموا دريدًا إلى ريطة، فجهزته وزودته، ولحق بقومه، ولم يزل كافًا عن غزو بني فراس حتى هلك.
روي: أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضوان الله عليه قال لعمرو بن معدي كرب الزبيدي ﵀ «٣»: أخبرني عن أشجع من رأيت. قال:
والله- يا أمير المؤمنين- لأخبرنك عن أجبن الناس وعن أحيل الناس وعن أشجع الناس. فقال له عمر ﵀: هات. فقال:
ارتبعت الضبابية- يعني فرسه- فخرجت كأحسن ما رأيت، وكانت شقَّاء مقَّاء طويلة الأنقاء «٤»، فركبتها، ثم آليت لا لقيت أحدًا إلّا قتلته! فخرجت وهي تنقزبي «٥»، فإذا أنا بفتىً، فقلت: خذ حذرك فإني قاتلك! فقال:
[ ٢١٣ ]
ألّا تنصفني يأباثور؟ أنا كما ترى أعزل [أميل] عوَّارة «١»، أمهلني حتى آخذ نبلي! قلت: وما غناؤها عنك «٢»؟ قال: أمتنع بها منك، قلت:
خذها، قال: لا، أو تعطيني من العهود ما يثلجني «٣» أنك لا تروعني «٤» أو آخذها، فأثلجته، فقال: وإله قريش لا آخذها أبدًا! فسلم- والله- مني وذهب. فهذا أحيل الناس!! فمضيت حتى اشتمل عليّ اللّيل، فو الله إني لأسير في قمرٍ زاهرٍ «٥» إذا بفتىً على فرسٍ يقود ظعينة وهو يقول:
يا لُبينا يا لُبينا «٦» ليته «٧» يُعدى علينا
ثم يُبلى ما لدينا
ثم يخرج حنظلة من مخلاته فيرمي بها إلى السماء، فلا تبلغ الأرض حتى
[ ٢١٤ ]
ينتظمها بمشقص «١» من نبله! فقلت له: خذ حذرك- ثكلتك أمك- فإني قاتلك! فمال عن فرسه فإذا هو في الأرض مضطجعًا، فقلت: إن هذا إلاّ استخفافٌ «٢»، فصحت به: ويلك ما اجهلك! فلم يتحلحل «٣»، فدنوت منه حتى شككت بالرمح إهابه «٤»، فاذا به كأنه قد مات منذ سنة!! [فمضيت وتركته]، فهذا أجبن الناس! ومضيت فأصبحت بين دكادك «٥» ورمالٍ، فنظرت إلى أبياتٍ فعدلت اليها، فاذا فيهنَّ جوارٍ [ثلاثة] كأنهن نجوم الثريّا، فبكين حين رأينني، فقلت: ما يبكيكنَّ؟ قلن: لما ابتلينا به منك، ومن ورائنا أختٌ لنا هي أجمل منّا! فأشرفت من فدفدٍ «٦»، فاذا من لم أر قط أحسن منه ومن وجهه، فاذا بغلامٍ يخصف نعله وعليه ذؤابةٌ يسحبها، فلما نظرني وثب إلى الفرس مبادرًا، فسبقني إلى البيوت، فوجد النساء قد ارتعن، فسمعته يقول:
مَهْلًا نُسَيَّاتِي إذًا لا تَرْتَعْنْ «٧» إِنْ يُمْنَعِ اليَوْمَ نِسَاءٌ تُمْنَعْنْ «٨»
أَرْخِينَ أَذْيَالَ المُرَوطِ وَارْبَعْنْ «٩»
[ ٢١٥ ]
فلما دنوت منه قال: أتطردني أو أطردك؟ قلت: بل أطردك، وركضت في أثره، حتى إذا مكنت السِّنان من كتفيه «١» أتكأت عليه «٢» فاذا هو لبب «٣» فرسه، ثم استوى في سرجه، فقلت: أقلني! قال: اطرد، فطردته، حتى ظننت أن السنان في ما ضغيه «٤» فاعتمدت عليه فاذا هو قائم في الأرض والسنان ماضٍ، واستوى على فرسه، فقلت: أقلني! قال: قد أقلتك فاطرد، فطردته، حتى [إذا] أمكنت السنان من متنه «٥» اتَّكيت «٦» عليه وأنا أظنُّ أن قد فرغ منه جال في سرجه «٧» حتى نظرت الى يده «٨» في الأرض، ومضى السنان زالجًا، ثم استوى، وقال: أبعد ثلاثٍ تريد ماذا؟! اطردني ثكلتك أمك! فولَّيت وأنا مرعوب منه، فلما غشيني التفتُّ فاذا هو يطردني بالرمح بلا سنان، فكفَّ عني واستنزلني، فنزلت ونزل، فجزَّ ناصيتي ثم قال: انطلق فإني أنفس «٩» بك عن القتل! فكان ذلك عندي-[والله] يا أمير المؤمنين- أشدَّ من القتل، فذاك يا أمير المؤمنين أشجع من لقيت، وسألت عنه؟ فقيل لي: ربيعة بن مكدَّم الفراسيّ من بني كنانة.
٦٣* روى أبو الفرج الأصبهاني «١٠» قال: أنشد رسول الله ﷺ قول عنترة بن شدّاد:
[ ٢١٦ ]
ولقد أبيت على الطوى وأظله حتى أنال بِهِ كرِيمَ المَأْكَلِ
فقال رسول الله ﷺ: «ما وصف لي أعرابيّ «١» قط فأحببت أن أراه إلاّ عنترة» «٢» .
وهذا البيت من قطعة شعرٍ لعنترة، كان سببها- فيما رواه أبو عمرٍ والشيباني «٣» -: أن بني عبسٍ أغارت على بني تميم، وعليهم قيس بن زهيرٍ، فانهزمت بنو عبس، وطلبتهم بنو تميم، ووقف لهم عنترة، ولحقتهم كتيبةٌ «٤» من الخيل، فحامى عنترة عن بني عبسٍ، فلم يصب منهم مدبرٌ «٥»، فساء ذلك قيس بن زهير، وشقَّ عليه صنيع عنترة. فقال حين رجع: والله ما حمى الناس إلاّ ابن السَّوداء، فبلغ ذلك عنترة، وكان قيسٌ أكولًا، فقال عنترة يعرِّض به ويجيبه عن ذكر أمِّه «٦»:
بَكَرَتْ تُخَوِّفُني الحتُوفَ كَأَنّني أَصْبَحْتُ عَنْ غَرَضِ الحتوف بمعزل «٧»
فأجبتها: إنّ المنية منهل لا بدّ أَنْ أُسْقَى بِكَأْسِ المَنْهَلِ
فاقَنِي حَيَاءَكِ- لاَ أَبَالَكِ- وَاعْلَمي أَنِّي امْرُؤٌ سَأَمُوتُ إِنْ لَمْ أُقْتلِ «٨»
إِنَّ المَنِيَّةَ لَوْ تُمَثَّلُ مُثِّلَتْ مِثْلي إذَا نَزَلُوا بِضَنْكِ المَنْزِلِ
وَأَنَا امْرُؤٌ مِنْ خَيْرِ عَبْسٍ مَنْصِبًا شَطْرِي، وَأَحْمِي سَائِرِي بِالمُنْصُلِ «٩»
[ ٢١٧ ]
وَإِذَا الكَتِيبَةُ أَحْجَمَتْ وَتَلاَحَظَتْ أُلْفِيتُ خَيْرًا مِنْ معمّ مخول «١»
والخيل تعلم والفوارس أنّني فرّقت جمعهم بطعنة فيصل «٢»
إذ لا أدبار في المضيق فوارسي أولا أُوَكَّلُ بِالرَّعِيلِ الأَوَّل «٣»
إِنْ يُلْحَقُوا أَكْرُرْ، وَإِنْ يُسْتَلْحَمُوا أَشْدُدْ، وَإِنْ يُلْفَوْا بِضَنْكٍ أَنْزِلِ
حِينَ النُّزُولُ يَكُونُ غَايَةَ مِثْلِنَا وَيَفِرُّ كلُّ مُضَلَّلٍ مُسْتَوْهِلِ
وَالخَيْلُ سَاهِمَةُ الوُجُوهِ كَأَنَّمَا تُسْقَى فَوَارِسُها نَقِيْعَ الحَنْظَلِ
وَلَقَدْ أَبِيْتُ عَلى الطَّوى وأَظَلُّهُ حَتَّى أَنَالَ بِهِ كَرِيمَ المَأْكَلِ
وخرج زيد الخيل «٤» يطلب نعما له في بني بدرٍ، وأغار عامر بن الطفيل على بني فزارة، فأخذ امرأةً يقال لها «هند» واستاق نعما [لهم]، فقالت فزارة لزيد: ما كنَّا قطُّ إليك «٥» أحوج منّا اليوم! فتبع عامر بن الطفيل، وعامرٌ يقول: ما ظنّك يا هند بالقوم؟! قالت: ظنّي أنهم سيطلبونكم، وليسوا نِيامًا عنك، فحطأ عجزها «٦» ثم قال: لا يقول استها شيئًا!! فذهبت مثلًا. وأدركه زيدٌ، فنظره عامر، فأنكره لعظمه وجماله، وغشيه زيدٌ، فبرز له عامر، فقال: يا عامر، خلِّ سبيل الظعينة والنعم، فقال [عامر]:
من أنت؟ قال: فزاريٌّ [أنا]، قال: ما أنت من القلح «٧» أفواهًا! فقال
[ ٢١٨ ]
[زيد: خلّ] سبيلها، قال: لا والله أو تخبرني من أنت؟ قال: من بني أسدٍ، قال: لا والله، ما أنت من المتكورين على «١» ظهور الخيل! قال: خل سبيلها، قال:
لا والله أو تخبرني من أنت «٢»؟ قال: أنا زيد الخيل، قال صدقت، فما تريد من قتالي؟ فو الله لئن قتلتني ليطلبنك بنو عامر ولتذهبنَّ فزارة بالذِّكر! [فقال له زيد: خلِّ عنها، قال تخلِّي عنّي وأدعك والظعينة والنعم؟ قال: فاستأسر! قال: أفعل]، فأسره زيد الخيل وجزّ ناصيته وأخذ رمحه ومنَّ عليه وردَّ الابل وهندًا إلى بني فزارة ثم بني بدرٍ، وقال زيدٌ في ذلك:
إنّا لَنُكْثِرُ فِي قَيْسٍ وَقَائِعَنَا وَفِي تَمِيمٍ وَهَذَا الحَيِّ مِنْ أَسَدِ
وَعَامِر بن طُفَيْلٍ قد نَحَوْتُ «٣» له صَدْرَ القَنَاةِ بمَاضِي الحَدِّ مُطْرِدِ
لمّا تَحَسَّبَ أَنَّ الورد مدركه «٤» وصارما وربيط الجأش ذالبد
نَادَى إِلَيَّ بِسِلْمٍ بَعْدَ مَا أَخَذَتْ مِنْهُ المَنِيّةُ بِالحَيْزُومِ وَاللُّغُدِ «٥»
وَلَو تَصَبَّرَ لِي حَتَّى أُخَالِطَهُ أَشْعَرْتُهُ طَعْنَةَ تَكْتَنُّ بِالزَّبَدِ «٦»
فانطلق عامر بن الطفيل الى قومه مجزوزًا، وأخبرهم الخبر، فغضبوا لذلك،
[ ٢١٩ ]
وقالوا: لا يرأسنا «١» أبدا، وتجهزّوا لغز وظنيّء «٢»، ورأسوا عليهم علقمة بن علاثة، فخرجوا ومعهم الحطيئة وكعب بن زهير، فبعث عامر بن الطفيل الى زيد الخيل دسيسًا ينذره، فجمع زيدٌ قومه ولقيهم «٣» بالمضيق، فهزمهم، وأسر الحطيئة وكعب بن زهير وقومًا منهم، فحبسهم، فلما طال عليهم الأسر قالوا:
يا زيد «٤» فادنا، قال: الأمر الى عامر بن الطفيل، فأبوا ذلك عليه، فوهب الأسرى لعامر إلاّ الحطيئة وكعب بن زهير، فأما كعب بن زهير فأعطاه فرسه الكميت وأطلقه، وأما الحطيئة فشكا إليه الحاجة فمنَّ عليه وأطلقه، وقال زيدٌ:
أقول لعبدي جرول إذ أَسَرْتُهُ: أَثِبْني وَلاَ يَغْرُرْكَ أَنَّكَ شَاعِرُ
أَنا الفَارِسُ الحَامِي الحَقِيقَةِ وَالذِي لَهُ المَكْرُمَاتُ وَاللُّهَا وَالمَآثِرُ «٥»
وَقَوْمِي رُؤُوسُ النّاسِ وَالرَّأْسُ قَائِدٌ إِذَا الحَرْبُ شَنَّتْها الأكُفُّ المَسَاعِرُ
وَلَسْتُ إِذَا مَا المَوْتُ حُوذِرَ وِرْدُهُ وَأُتْرِعَ حَوْضَاهُ وَحَمَّجَ نَاظِرُ «٦»
بِوَقَّافَةٍ يَخْشَى الحُتُوفَ تَهَيُّبًا يُبَاعِدُنِي عَنْها مِنْ القُبِّ ضَامِرُ «٧»
وَلكِنّني أَغْشَى الحُتُوفَ بِصَعْدَتِي مُجَاهَرَةً، إنّ الكريم مجاهر «٨»
[ ٢٢٠ ]
وَأَرْوِي سِنانِي مِن دِمَاءٍ عَزِيْزَةٍ عَلَى أَهْلِها إذْ لاَ يُرْجَّى الأَنَاصِرُ «١»
وقال الحطيئة لزيد الخيل:
أَلاَ أَبْلِغَا عَنِّي الثَّنَاءَ فَإِنَّهُ «٢» سَيَأْتِي ثنائي زيدا بن مهلهل
فما نلتنا غدرا ولكن صحبتنا «٣» غَدَاةَ الْتَقَيْنَا فِي المَضِيْقِ بِأَخْيَلِ «٤»
تَفَادى جِيَادُ الخَيْلِ مِنْ وَقْعِ رُمْحِهِ «٥» تَفَادِي بُغَاثِ الطَّيْرِ مِنْ وَقْعِ أَجْدَلِ «٦»
وقال الحطيئة أيضًا:
وَقَعْتَ بِعَبْسٍ ثُمَّ أَنْعَمْتَ عَنْهُمُ «٧» وَمِنْ آلِ بَدْرٍ قد أصبت الأخيرا «٨»
فإن يشكروا فالشّكر أدنى إلى التّقى وإن يكفروا لا ألف- يا زيد- كَافِرًا «٩»
[فرضي عنه زيدٌ ومن عليه لما قال هذا فيه، وعدَّ ذلك ثوابًا من الحطيئة وقبله]، فلما رجع الحطيئة إلى قومه قام فيهم حامدًا لزيد الخيل شاكرًا لنعمته،
[ ٢٢١ ]
[حتى أسرت طيءٌ بني بدرٍ] فطلبت فزارة وأفناء قيسٍ إلى شعراء العرب أن يهجوا زيد الخيل وبني لأمٍ «١»، فتحامتهم الشعراء وامتنعوا، «٢» فصاروا إلى الحطيئة، فسألوه في ذلك، ووعدوه جزيل العطاء، فأبى عليهم، وقال: قد حقن دمي وأطلقني بغير فداءٍ، فلست بكافر نعمته أبدًا، وقال في ذلك:
كَيْفَ الهِجَاءُ وَلاَ تَنْفَكُّ صَالِحَةٌ «٣» مِنْ آلِ لَأُمٍ «٤» بِظَهْرِ الغَيْبِ تأتينا
المنعمين أقام العزّ وسطهم بيض الوجوه وَفي الْهَيْجَا مَطَاعِينَا
قال «٥»: بينا مالك بن الريب ذات ليلةٍ [في بعض هناته وهو] نائمٌ في البرية- وكان لا ينام إلا متوشِّحًا بالسيف- إذا هو بشيء قد جثم عليه، لا يدري ما هو؟! فانتفض مالك من تحته فسقط عنه، ثم انتحى له بالسيف فقدَّه نصفين، ثم نظر «٦» اليه فاذا هو رجلٌ أسود كان يغتل الناس في تلك الناحية.
قيل لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇: أتقتل أهل الشأم بالغداة وتظهر بالعشيّ في إزار ورداء؟! فقال: أبالموت تخوّفوني؟! فو الله ما أبلي أسقطت على الموت أو سقط الموت عليَّ.
وقال لابنه الحسن﵉: لا تدعونّ أحدًا الى المبارزة، فان دعيت اليها فأجب، فان الداعي اليها باغ، والباغي مصروع.
[ ٢٢٢ ]
وقيل للمهلب بن أبي صفرة ﵀: ما أعجب ما رأيت في حرب الأزارقة؟ قال: فتًى كان يخرج إلينا منهم في كل غداةٍ فيقف ويقول:
وَسَائِلَةٍ بِالغَيْبِ عَنِّي وَلَو راَتْ مُقَارَعَتي الأَبْطَالَ طالَ نَحِيبُها
إِذا مَا التَقَيْنَا كُنْتُ أَوَّلَ فَارِسٍ يَجُودُ بِنَفْسٍ أَثقَلَتْهَا ذُنُوبُهَا
ثم يحمل فلا يقوم له شيءٌ إلاّ أقعده، فاذا كان من الغد عاد لمثل ذلك! وعن أبي حاتم الرازي قال: سمعت عبدة بن سليمان المروزيَّ يقول: كنا في سريةٍ مع عبد الله بن المبارك [﵁] في بلاد الروم، فصادفنا العدو، فلما التقى الصفَّان خرج رجلٌ من العدو فدعا إلى البراز فخرج اليه رجلٌ فقتله، ثم خرج آخر منهم فقتله، ثم آخر فقتله، ثم خرج اليه آخر فطارده فعطنه فقتله، فازدحم اليه الناس، فاذا هو يلثم «١» وجهه بكمه، فأخذت بطرف كمه فمددته فاذا»
هو عبد الله بن المبارك. فقال: وأنت يأبا عمرو «٣» ممّن يشنّع علينا؟! وأنشد الرِّياشيُّ لبعض العرب:
وَأَشْعَرْتُهُ طَعنَةً ثَرَّةً «٤» يَظُلُّ عَلَى النَّحْرِ مِنْهَا صَبِيبُ
فَإِنْ قَتَلَتْهُ فَلَمْ آلهُ وَإِنْ يَنْجُ مِنْهَا فَجُرْحٌ رَغِيْبُ «٥»
وَإِنْ يَلْقَني بعدَهَا يَلْقَني عَلَيْهِ مِنَ الذُّلِّ ثَوْبٌ قَشِيبُ
وقال عمرو بن الإطنابة: «٦»
أَبَتْ لِي عِفَّتِي وَأَبَى بَلاَئِي «٧» وَأَخْذِي الحَمْدَ بالثَمَنِ الرّبيح
[ ٢٢٣ ]
وَإقدَامِي عَلَى المَكْرُوهِ نَفْسي «١» وَضَرْبِي هَامَةَ البَطَلِ المُشِيحِ «٢»
وَقَولِي كُلَّما جَشَأَتْ وجَاشَتْ «٣»: مَكَانَكِ تُحْمَدِي أَوْ تَسْتَريحي
[واَدْفَعُ عَنْ مَكارِمَ صَالحَاتٍ وَأَحْمِي بَعْدُ عَنْ عِرْضِ صَحيح] «٤»
وقال قطريّ بن الفجاءة: «٥»
قول لها- وقد طارت شعاعا «٦» من الأبطال-: ويحكم لَنْ تُرَاعِي
فَإِنَّكِ لَوْ سَأَلْتِ حَيَاةَ يَوْمٍ سِوَى الأَجَلِ الذِي لَكِ لَمْ تُطَاعِي
فَصَبْرًا في مَجَالِ المَوْتِ صَبْرًا فَما نَيْلُ الخُلُودِ بمُسْتَطَاعِ
وَمَا ثَوْبُ البَقَاءِ بِثَوْبِ عِزٍّ فَيُطْوَى عَنْ أَخِي الخَنْعِ اليَراعِ «٧»
سَبِيلُ المَوتِ مَنْهَجُ كُلُّ حَيٍّ ودَاعِيه لِأهْلِ الأرْضِ دَاعِي
ومَنْ لاَ يَعْتَبَطْ يَسْأَمْ ويَهْرَمْ وَيُفْضِ بِهِ الزَّمَانُ إِلى انقِطاعِ «٨»
وقال قطريّ أيضًا:
إِلى كَم تُعادِيني السُّيوفُ وَلاَ أَرَى مَضَارِبهَا تُهْدِي «٩» إليَّ حماميا
[ ٢٢٤ ]
أُقارِعُ عَنْ دَارِ الخُلودِ وَلاَ أَرَى بَقَاءً عَلَى حَالٍ لِمَنْ ليْسَ بَاقِياَ
وَلَوْ قَرَّبَ المُوْتَ القِرَاعُ لقَدْ أَنَى لِمَوْتِيَ أَنْ يَدْنُو لِطُولِ قِرَاعِيا
أُغادي جِلادَ المُعلمينَ كأنَّني عَلى العسل الماذي أصحت غَادِيَا «١»
وَأدعُو الكُمَاةَ للنِّزَالِ إِذا القَنَا «٢» تَحطَّمَ فِيما بَيننَا مِنْ طِعانِيَا
وَلَستُ أرى نَفْسًا تَموتُ إِذا دَنَتْ مِنَ المَوتِ حَتَّى يَبْعَثَ اللهُ دَاعِيَا
إِذا استلبَ الخُوفُ الرِّجَالَ قُلُوبُهم حَبَسْنَا عَلى المَوْتِ النُّفوسَ الغَوَالِيَا
حِذَارَ الأَحاديثِ الّتي «٣» لوم غبّها عقدن بأعناق الرّجل المَخازِيَا
وقال قطريّ أيضًا «٤»:
يا رُبَّ ظلَّ عُقابٍ قَدْ وقَيتُ بهَا «٥» مُهْرِي منَ الشَّمْس وَالأبْطَالُ تَجتَلِدُ
وَرُبَّ وَادِ حِمىً أَرْعَيتُ عَقوَتَهُ «٦» خَيْلي اقتِسَارًا وأَطرافُ القَنا قِصَدُ «٧»
مُشَهَّرٌ مَوقِفِي والحرب كاشفة عَنها القِنَاعَ وَبحْرُ المَوتِ يَطَّرِدُ «٨»
وقال مؤلف الكتاب:
تُجهِّلُ في الإِقدام رَأيِي مَعَاشِرٌ «٩» أَرَاهُمْ إذا فرّوا من الموت أجهلا
أيرجو الفَتَى عِنْدَ انْقِضَاءِ حَيَاتِهِ*- وَإِنْ- فرَّعَنْ وِرْدِ المنيّة مزحلا «١٠»
[ ٢٢٥ ]
إذا أناهبت الموت في حرمة الوَغَى فَلاَ وَجَدَتْ نَفْسِي مِنْ المَوتِ مَوْئِلاَ
وَإِنِّي إِذا نَازَلتُ كَبْشَ كَتِيبَةٍ فَلسْتُ أُبَالِي أَيُّنَا مَاتَ أَوَّلاَ
قلت وبالله التوفيق: قد أوردت في كتابي المترجم بكتاب (بالاعتبار) عجائب ما باشرته وحضرته وشهدته من الحروب والمصافَّات والوقائع، منذ كنت ابن خمسة عشر سنةً إلى أن تجاوزت التِّسعين، وما نالني فيها من الجراح والمكاره، وأنا القائل:
أَلُومُ الرَّدَى كَمْ خُضْتُهُ مُتَعَرِّضًا لَهُ، وَهْوَ عَنِّيْ معرض متجنّب؟!
وكم أخذت منّي السّيوف مآخذال حِمَامِ وَلكِنَّ القضاءَ مُغَيَّبُ؟!
إِلى أن تَجاوزتُ الثَّمَانينَ وَانْقَضَتْ بُلَهْنِيَةُ العَيشِ الذِي فِيهِ يُرْغَبُ «١»
فمكروه ما تخشى النُّفُوسُ مِنَ الرَّدى أَلَذُّ وأَحْلَى مِنْ حَيَاتِي وَأطيَبُ
وذكرت ما شاهدته من إقدام الرجال، وعجائب تصرُّف الآجال، فغنيت بما أوردته هناك عن الإطالة هاهنا، واقتصرت على ما أوردته.
[ ٢٢٦ ]