ذكر المؤلف بعض أشعاره فى هذا الكتاب (لباب الآداب) وهى فى الصفحات (٤٧ و١٨٤ و١٩٥ و٢٠٢ و٢٠٣ و٢٢٥ و٢٢٦ و٣٨٠ و٤١٨ و٤٢٩ و٤٥١) ومجموعها ٤٢ بيتا.
وقد نقل الذين ترجموا له كثيرا من شعره. وسنذكر بعضه:
قال فى قلع ضرسه (عن الخريدة وياقوت وابن خلكان وغيرهم):
وصاحب لا أملّ الدهر صحبته يشقى لنفعي ويسعى سعي مجتهد
لم ألقه مذ تصاحبنا فحين بدا لناظريّ افترقنا فرقة الأبد
ومن قديم شعره (عن الخريدة وياقوت والذهبى):
قالوا: نهته الأربعون عن الصبى وأخو المشيب يحور ثمّت يهتدي
كم حار فى ليل الشباب فدلّه صبح المشيب على الطريق الأقصد
[ ٢٧ ]
وإذا عددت سيّ ثم نقصتها زمن الهموم فتلك ساعة مولدي
ومن قديم شعره (عن الخريدة وياقوت):
لم يبق لي في هواكم أرب سلوتكم والقلوب تنقلب
أوضحتم لي سبل السلوّ وقد كانت لي الطّرق عنه تنشعب
الام دمعي من هجركم سرب قان، وقلبي من غدركم يجب؟
إن كان هذا لأن تعبّدني الحبّ فقد أعتقتني الريب
أحببتكم فوق ما توهّمه النّاس وخنتم أضعاف ما حسبوا
وسأله العماد: هل لك معنى مبتكر فى الشيب؟ فأنشده (عن الخريدة وياقوت):
لو كان صدّ معاتبا ومغاضبا أرضيته وتركت خدّي شائبا
لكن رأى تلك النضارة قد ذوت لمّا غدا ماء الشبيبة ناضبا
ورأى النّهى بعد الغواية صاحبي فثنى العنان يريغ غيري صاحبا
وأبيه ما ظلم المشيب فانّه أملى، فقلت: عساه عني راغبا
أنا كالدّجى لمّا تناهى عمره نشرت له أيدي الصباح ذوائبا
ونقل ابن خلكان من (ديوانه بخطه) قوله:
لا تستعر جلدا على هجرانهم فقواك تضعف من صدود دائم
واعلم بأنك إن رجعت اليهم طوعا، وإلّا عدت عودة راغم
ونقل منه أيضا فى ابن طليب المصرى وقد احترقت داره:
أنظر الى الأيام كيف تسوقنا قسرا الى الإقرار بالاقدار
ما أوقد ابن طليب قطّ بداره نارا، وكان خرائها بالنّار
[ ٢٨ ]
ونقل منه أيضا أبياتا كتبها الى أبيه «مرشد» جوابا عن أبيات كتبها أبوه اليه، وهى:
وما أشكو تلوّن أهل ودّي ولو أجدت شكيّتهم شكوت
مللت عتابهم ويئست منهم فما أرجوهم فيمن رجوت
اذا أدمت قوارضهم فؤادي كظمت على أذاهم وانطويت
ورحت عليهم طلق المحيّا كأنّي ما سمعت ولا رأيت
تجنّوا لى ذنوبا ما جنتها يداي ولا أمرت ولا نهيت
ولا والله ما ضمّرت غدرا كما قد أظهروه ولا نويت
ويوم الحشر موعدنا وتبدو صحيفة ما جنوه وما جنيت
قال ابن خلكان: «وله بيتان فى هذا الرويّ والوزن، كتبهما فى صدر كتاب الى بعض أهل بيته، فى غاية الرقة والحسن، وهما»:
شكا ألم الفراق الناس قبلي وروّع بالنّوى حيّ وميت
وأما مثل ما ضمّت ضلوعي فإني ما سمعت ولا رأيت
وقال في محبوس (عن الخريدة وياقوت):
حبسوك والطير النواطق إنّما حبست لميزتها على الأنداد
وتهيّبوك وأنت مودع سجنهم وكذا السيوف تهاب في الأغماد
ما الحبس دار مهانة لذوي العلى لكنّه كالغيل للآساد
وقال فى الشمعة (عن الخريدة وياقوت):
انظر الى حسن صبر الشمع يظهر لل رّائين نورا وفيه النار تستعر
كذا الكريم تراه ضاحكا جذلا وقلبه بدخيل الغمّ منفطر
[ ٢٩ ]
وقال أيضا (عن الخريدة):
لأرمينّ بنفسي كلّ مهلكة مخفوفة يتحاماها ذوو الباس
حتى أصادف حتفي فهو أجمل بي من الخمول، وأستغني عن الناس
وقال أيضا (عن الخريدة وياقوت):
نافقت دهري فوجهي ضاحك جذل طلق، وقلبي كئيب مكمد باك
وراحة القلب فى الشكوى ولذّتها لو أمكنت- لا تساوي ذلّة الشاكي
وقال من قديم شعره (عن الخريدة وياقوت):
لئن غضّ دهري من جماحي أوثني عناني أو زلّت بإخمصي النّعل
تظاهر قوم بالشّمات جهالة وكم إحنة فى الصدر أبرزها الجهل
وهل أنا إلّا السّيف فلّل حدّه قراع الأعادي ثم أرهفه الصّقل
قال أسامة فى الاعتبار (ص ١٦٠- ١٦١): «ولم أدر أن الكبر عامّ، يعدي كلّ من أغفله الحمام. فلمّا توقّلت ذروة التسعين، وأبلانى مرّ الأيام والسنين، صرت كجواد العلّاف، لا الجواد المتلاف، ولصقت من الضعف بالأرض، ودخل من الكبر بعضي في بعض، حتى أنكرت نفسي، وتحسّرت على أمسي، وقلت في وصف حالي:
لمّا بلغت من الحياة الى مدى قد كنت أهواه تمنيت الردى
لم يبق طول العمر منّى منّة ألقى بها صرف الزمان اذا اعتدى
ضعفت قواي وخانني الثّقتان من بصري وسمعي حين شارفت المدى
فاذا نهضت حسبت أبى حامل حملا، وأمشي إن مشيت مقيّدا
[ ٣٠ ]
وأدبّ في كفّي العصا وعهدتها فى الحرب تحمل أسمرا ومهنّدا
وأبيت فى لين المهاد مسهدا قلقا كأنّني افترشت الجلمدا
والمرء ينكس فى الحياة، وبينما بلغ الكمال وتمّ عاد كما بدا
وأنا القائل بمصر، أذمّ من العيش الراحة والدّعة، وما كان أعجل تقضّيه وأسرعه! «١»:
أنظر إلى صرف دهري كيف عوّدني بعد المشيب سوى عاداتي الأول
وفى تغاير صرف الدهر معتبر وأيّ حال على الأيّام لم تحل
قد كنت مسعر حرب كلّما خمدت أذكيتها باقتداح البيض فى القلل
همّي منازلة الأقران أحسبهم فرائسي، فهم منّي على وجل
أمضى على الهول من ليل، وأهجم من سيل، وأقدم في الهيجاء من أجل
فصرت كالغادة المكسال مضجعها على الحشايا وراء السّجف والكلل
قد كدت أعفن من طول الثّواء كما يصديّ المهنّد طول اللبث فى الخلل
أروح بعد دروع الحرب في حلل من الدّبيقي، فبؤسا لى وللحلل
وما الرّفاهة من رامي ولا أربي ولا التنعم من شاني ولا شغلي
ولست أرضى بلوغ المجد في رفه ولا العلى دون حطم البيض والأسل
وكنت أظنّ أن الزمان لا يبلى جديده، ولا يهي شديده، وأني إذا عدت إلى الشأم وجدت به أيامي كعهدي، ما غيّرها الزمان بعدي. فلما عدت كذبتني وعود المطامع، وكان ذلك الظنّ كالسراب اللامع. اللهم غفرا: هذه جملة اعتراضية عرضت، ونفثة همّ أقضّت ثمّ انقضت» .
[ ٣١ ]
وقال يمدح السلطان صلاح الدين الأيوبي بعد اجتماعه به فى دمشق سنة ٥٧٠ (عن الروضتين ١: ٢٦٤):
حمدت على طول عمري المشيبا وإن كنت أكثرت فيه الذّنوبا
لأني حييت إلى أن لقيت بعد العدوّ صديقا حبيبا
وفى هذا القدر كفاية الآن، وقد كنت إذ شرعت فى ترجمته بدالى أن أستوعب أحواله وأحوال أسرته، وأستقصي ما أجده من شعره ومناسباته، ولكني وجدت مجال القول ذا سعة، وأن المقام يضيق بهذا التوسع فى مقدمة كتاب، فعزمت على إفراد ذلك فى جزء خاصّ. وأسأل الله سبحانه أن يوفقني لاتمامه ونشره، إنه سميع الدعاء.
كتبه أبو الاشبال احمد محمّد شاكر
[ ٣٢ ]