قال الله ﷿ في سورة البقرة: وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ: أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [٣١]
فمن لا شريعة له لا إيمان له ولا توحيد. والشريعة موجبةٌ للأدب، فمن لا أدب له لا شريعة له ولا إيمان ولا توحيد «٢» .
وقال ابن عطاءٍ «٣» ﵀: الأدب الوقوف مع المستحسنات. فقيل:
وما معناه؟ قال: أن تعامل الله تعالى بالأدب سرًّا وإعلانًا، فاذا كنتَ كذلك كنت أديبا [وإن كنت أعجميّا] .
[ ٢٢٧ ]
وعن الجريري ﵀ قال: منذ عشرين سنةً ما مددت رجلي وقت جلوسي للخلوة، فإنَّ حسن الأدب مع الله تعالى أولى.
وروي عن ابن سيرين ﵀: أنه سئل: أي الآداب أقرب إلى الله؟
فقال: معرفة ربوبيته، وعملٌ بطاعته، والحمد لله على السِّرَّاء، والصبر على الضَّراء.
وقال رجل من قيس لرجل من قريش: اطلب الأدب فإنه زيادةٌ في العقل، ودليلٌ على المروءة، وصلة «١» في المجلس، ثم قال:
تَعَلَّمْ فَليسَ المَرْءُ يُخْلَقُ عَالِمًا وَليسَ أَخُو عِلْمٍ كَمَنْ هُوَ جَاهِلُ
فَإِنَّ كَبيرَ القَومِ لاَ عِلمَ عِندَهُ صَغيرٌ إِذَا صُمَّتْ عَلَيْهِ المَحَافِلُ
وَلاَ تَرْضَ مِنْ عَيْشٍ بدُونٍ وَلاَ يَكُنْ نَصِيبُكَ إِرْثٌ قَدَّمَتْهُ الأَوَائِلُ
وكان يقال: من حسن الأدب أن لا تنازع من فوقك، ولا تقولَ مالا تعلم، ولا تتعاطى مالا تنال، ولا يخالف لسانك ما في قلبك، ولا قولك فعلك، ولا تدع الأمر «٢» إذا أقبل وتطلبه إذا أدبر.
ويقال: من أدَّب صغيرًا قرَّت عينه كبيرًا، ومن أدَّب ابنه أرغم أنف عدوِّه.
وكان يقال: ثلاثةٌ ليس معهن غربةٌ: مجانبة الريب «٣»، وكف الأذى، وحسن الأدب.
وقال عبد الملك بن مروان: ما الناس إلى شيء من الأدب أحوج منهم إلى إقامة ألسنتهم التي بها يتعاودون الكلام، ويتعاطون البيان، ويتهادون
[ ٢٢٨ ]
الحكمة، ويستخرجون غوامض العلم من مخابئها، ويجمعون ما تفرَّق منها، فإن الكلام قاضٍ يحكم بين الخصوم، وضياءٌ يجلو الظُّلم، حاجة الناس إلى موادِّه حاجتهم الى مواد الأغذية.
وذكرت امرأةٌ عند هندٍ بنت المهلب بجمالٍ، فقالت هند: ما تحلَّين النساء «١» بحليةٍ أحسن من لبّ طاهر تحته أدب كامن.
وقال بزرجمهر: ما ورثت الآباء الأبناء شيئًا أفضل من الأدب: إنها إذا ورَّثتها الآداب كسبت بالآداب الأموال والجاه والإخوان والدّين والدنيا والآخرة، [و] إذا ورثتها الأموال تلفت الأموال وقعدت «٢» عدمًا من الأموال والآداب.
وكان يقال: من قعد به حسبه نهض به أدبه.
وقال أبو السمراء: قال لنا أبي: يا بنيّ، تزينوا بزيِّ الكتَّاب، فإنَّ فيهم أدب الملوك وتواضع السُّوقَةِ.
وكان يقال: أربعةٌ يسود بها العبد: العلم والأدب والفقه والأمانة.
وكان يقال: عزّ الشريف أدبه، وعزّ المؤمن استغناؤه عن الناس.
ويقال: من الأدب إذا دخلت مع الرجل منزله أن تدخل بعده، وإذا خرجت خرجت قبله.
وقال المنذر بن الجارود لابنٍ له يوصيه: اعمل النَّظر في الأدب ليلًا، فإن القلب بالنهار طائر، وهو بالليل ساكن، فكلما أوعيت فيه «٣» شيئا عقله.
[ ٢٢٩ ]
وكما يقال: الأدب خير ميراثٍ، وحسن الخلق خير قرينٍ، والتوفيق خير قائدٍ، والاجتهاد أربح بضاعةٍ ولا مال أعود من العقل، ولا مصيبة أعظم من الجهل، ولا ظهير أوثق من المشورة، ولا وحدة أوحش من العجب.
وقال عبد الملك بن مروان لمؤدب ولده- وكان رجلًا من بني زهرة-:
علمهم الصدق كما تعلمهم القرآن، واحملهم على الأخلاق الجميلة، وروِّهم الشعر يشجعوا وينجدوا، وجالس بهم أشراف الناس وأهل العلم منهم، فإنهم أحسن الناس رعةً «١» وأحسنهم أدبًا، وجنبهم السَّفلة والخدم، فإنهم أسوأ الناس رعة وأسوؤهم أدبًا، ومرهم فليستاكوا عرضًا، وليمصوا الماء مصًّا ولا يعبوه عبّا، ووقرهم في العلانية، وذللهم في السر، واضربهم على الكذب، إن الكذب يدعو الى الفجور، والفجور، والفجور يدعو الى النار، وجنبهم شتم أعراض الرجال، فان الحر لا يجد من عرضه عوضا، وإذا ولو أمرًا فامنعهم من ضرب الأبشار «٢»، فإنه عار باقٍ ووتر مطلوب «٣»، واحملهم على صلة الأرحام، واعلم أن الأدب أولى بالغلام من النسب.
قيل للحسن البصري ﵀ «٤»: قد أكثر الناس في علم الآداب «٥»، فما أنفعها عاجلًا وأفضلها «٦» آجلا؟. فقال التفقه في الدين، [فانه يصرف اليه قلوب المتعلمين]، والزهد في الدنيا، [فإنه يقربك من رب العالمين]، والمعرفة بما لله تعالى عليك [يحويها كمال الإيمان] .
[ ٢٣٠ ]
وقال يحيى بن معاذ ﵀: من تأدب بأدب الله صار من أهل محبة الله.
وروي عن ابن المبارك ﵀ أنه قال: نحن إلى قليل من الأدب أحوج منّا إلى الكثير «١» من العلم.
وعن أبي نصر الطوسي السّرّاج ﵀ قال: «٢» [الأدب سند للفقراء، وزين للأغنياء، و] الناس في الأدب «٣» [متفاوتون، وهم] على ثلاث طبقات:
[أهل الدنيا، وأهل الدين، وأهل الخصوصية من أهل الدين، ف] أمّا أهل الدنيا فان أكثر «٤» آدابهم في الفصاحة والبلاغة وحفظ العلوم وأسمار «٥» الملوك وأشعار العرب، [ومعرفة الصنائع]، وأما أهل الدين فإن أكثر «٦» آدابهم في رياضة النفوس «٧» وتأديب الجوارح [وطهارة الأسرار] وحفظ الحدود وترك الشَّهوات [واجتناب الشبهات وتجريد الطاعات والمسارعة إلى الخيرات]، وأما أهل الخصوصية فإن أكثر «٨» آدابهم في طهارة القلوب ومراعاة الأسرار والوفاء بالعقود «٩» [بعد العهود] وحفظ الوقت وقلة الالتفات إلى الخواطر [والعوارض والبوادي والطوارق، واستواءٍ السرِّ مع الإعلان] وحسن الأدب في مواقف الطلب وأوقات الحضور [والقربة والدّنو والوصلة] ومقامات القرب «١٠» وقال عبد الله بن المبارك ﵀: قد أكثر الناس في الأدب، ونحن نقول: هو معرفة النفس.
وقال الجنيد ﵀: إذا صحَّت المحبَّةُ سقطت شروط الأدب.
[ ٢٣١ ]
وأنشدوا:
فِيَّ انْقِباضٌ وَحِشمَةٌ فإذَا لَقِيتُ أهلَ الوَفَاءِ وَالكَرَمِ
أَرسَلْتُ نَفْسي على سَحِيَّتِها وَقُلتُ ما قلت غَيرَ مُحْتَشِمِ
وقال أبو عثمان ﵀: إذا صحّت المحبة تأكدت على المحبِّ ملازمة الأدب.
وقال الثوري ﵀: من لم يتأدّب للوقت، فوقته مقتٌ.
قال الله ﷾: وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ: أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [٢١: ٨٣]
لم يقل «ارحمني» لأنه حفظ أدب الخطاب.
وكذلك عيسى ﵇، إذ قال له الباري ﷾: يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ «١»، أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ؟ قالَ:
سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ، إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ [٥: ١١٦]
ولم يقل «لم أقل» رعاية للأدب.
وقال الحكماء: لا أدب إلاّ بعقلٍ، ولا عقل إلاّ بأدبٍ: هما كالنفس والبدن، فالبدن بغير نفس جثّةٌ لا حراك بها، والنفس بغير بدن قوة لا ظهور لفعلها «٢»، فإذا اجتمعا وتركَّبا نهضا وفعلا.
وقالوا: ليس العاقل- وإن كان تامًّا- بمستغنٍ عن الأدب والعلم، اللذين هما زينته وجماله، لأن الله تعالى جعل لكثيرٍ من خلقه زينةً، فزينة السماء بكواكبها، والأرض بزهرتها، والقمر بنوره، والشمس بضيائها. والأدب
[ ٢٣٢ ]
للعقول كالجلاء للسيوف، فإن السيوف إذا تعوهدت بالصَّقل عملت ونفعت، وإذا لم تجل «١» صدئت وبطلت.
وقيل لبقراط: ما الفرق بين من له أدب ومن لا أدب له؟ قال: كالفرق بين الحيوان الناطق والحيوان غير الناطق.
وقالوا: من كثر أدبه شرف وإن كان وضيعًا، وساد وإن كان غريبًا، وكثرت الحاجة إليه وإن كان فقيرًا.
وقالوا: الأدب اللازم خيرٌ من الحسب المضاف.
وقال الشاعر:
وَمَا الحسب الموروث- لا درّدرّه بِمُحْتَسَبٍ إِلاّ بِآخَرَ مُكتسَبْ
إذا العُودُ لَمْ يُثْمِرْ- وَإنْ كَانَ شُعْبَةً «٢» مِنَ المُثْمِرَاتِ- اعْتَدَّهُ النَّاسُ فِي الحَطَبْ
وَلِلمَجْدِ قَوْمٌ سَاوَرُوهُ بِأنفُسٍ كِرَامٍ وَلَمْ يَعْبَوْا بِأُمٍّ وَلاَ بِأبْ «٣»
دخل كعب الأحبار على عمر بن الخطاب ﵁ وهو على فراش، وعن يمينه ويساره وسادتان، فقال له عمر [﵁] «٤»: اجلس يأبا اسحق، وأشار بيده الى الوسادة، فثناها كعب وجلس على البساط. فقال له عمر [﵁] «٥»: ما يمنعك من أن تجلس على الوسادة؟ قال: فيما أوصى سليمان بن داوود ﵉: لا تغش «٦» السلطان حتى يملَّك، ولا تنقطع عنه حتى ينساك، وإذا دخلت عليه فاجعل بينك وبينه مجلس رجلٍ أو رجلين، فعسى أن يأتي من
[ ٢٣٣ ]
هو أولى منك بذلك المجلس. فاستلقى عمر ﵁ وقال: وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ [٧: ١٥٩] .
وقال الحكيم: الأدب يحرز الحظ، ويؤنس الوحشة، وينفي الفاقة، ويعرف النكرة، ويثمر المكسبة، ويكمد «١» العدو ويكسب الصديق.
وقال بعض السلف: ناهيك من شرف الأدب أن أهله متبوعون والناس تحت راياتهم «٢»، فيعطف ربك تعالى عليهم قلوبا لا تعطفها الأرحام، وتجتمع بهم كلمةٌ لا تأتلف بالغلبة، وتبذل دونهم مهج النفوس.
وقال بعض الفلاسفة: الأدب زيادةٌ في العقول، ولقاحها وغذاؤها الذي لا يحييها غيره ولا تنمي على شيء بعده.
وقال آخر: الأدب حياة القلوب، ولا مصيبة أعظم من الجهل.
وقال بعض الحكماء: أحسن الحلية الأدب، ولا حسب لمن لا مروءة له، ولا مروءة لمن لا أدب له. ومن تأدب من غير أهل الحسب ألحقه الأدب بهم.
وقال آخر: يتشعب من الأدب التشرف وإن كان صاحبه دنيًّا، والعز وإن كان صاحبه مهينًا، والقرب وإن كان صاحبه قصيًّا، والغني وإن كان فقيرًا، والنبل وإن كان حقيرًا، والمهابة وإن كان وضيعًا، والسلامة وإن كان سفيهًا.
وسمع بعض الحكماء رجلًا يقول: أنا غريبٌ، فقال: الغريب من لا أدب له.
[ ٢٣٤ ]