قالت الحكماء: التجارب عقل ثانٍ، ودليلٌ هادٍ، وأدبٌ للدهر. فافهم عن الأيام أخبارها، فقد أوضحت لك آثارها، واتعظ بما وعظك منها، وتأمّل ما ورد عليك من أحوالها تأمل ذي فكرة منها؛ فإن الفكرة تدرأ عنك عمى الغفلة، وتكشف لك عن مستخفيات الأمور.
وقالوا: الدهر أفصح المؤدبين؛ وكفاك من كل يوم خبرٌ يورده عليك. وإنما الأيام مراقي الأدب، ودرجاتٌ إلى العلم الأكبر، فمن فهم عنها أورث زيادةُ، وسطع نور علمه، ولم يفتقر إلى غير نفسه، ولو صحب ذو الغفلة أيام الدنيا بعجائب ما تصرفت به على القرون لم يزل جذعًا في الغرّة، ومتدلّها فيما يحدث، لأن الغفلة ظلمةٌ راكدة، والمعرفة مصباح الخلقة.
وقد قيل: إذا رأيت ذا العمر الطويل والسنّ القديم يكثر التعجّب مما يرى ويسمع-: فذلك لقلة حفظه التجارب، ولسهوه عمّا مرّت به عليه الليالي.
وقالوا: الفهم خزانة العقل؛ ونور يبصر به ما أمامه. وإنما نكص على عقبيه من خانه فهمه، وخذله عقله، وضيع ما استودعته الأيام، فكأنّه ابن يومه،
[ ٣٢٥ ]
أو نتيج ساعته. وحسبك مؤدبًا لخصالك، ومثقفًا لعقلك-: ما رأيته من غيرك: من حسنٍ «١» تغبط به، أو قبيح تذمّ «٢» عليه.
وقالوا: إن التجارب «٣» عقل مستفادٌ، وأحر لكن يستعمل «٤» حمل النفس على العادة الفاضلة والأخلاق الكريمة، فقد رأينا كثيرًا من الناس يعلم أن مذاهبه رديئة، وطرائفه غير مرضيةٍ، ولا تخفى عنه الطريقة المحمودة-:
ويعسر عليه النزوع إليها، لتمكن العادة القديمة منهم، وإذا حملوا أنفسهم على تلك الحالات المحمودة تصنّعًا أو حياءً من الناس في الظاهر لم يعدموا أن يرجعوا إلى المذاهب الأولى المتمكنة فيهم للعادة.
وقد قيل:: نفسك تقتضيك ما عوّدتها من خير أو شرّ.
وقيل: لسانك يقتضيك ما عوّدته.
وأنشد:
عوِّدْ لسَانَكَ قَولَ الخيرِ تَحظَ بِهِ إِنْ اللِسَانَ لِمَا عوَّدْتَ مُعْتَادُ
وقال الآخر «٥»:
ومَنْ تحلَّى بِغيرِ طَبْعٍ يُرَدّ قَسرًا إلى الطّبِيعَهْ
وقال آخر:
مُتْ بِدَاءِ الصَّمتِ خَيْ رٌ لكَ مِنْ داءِ الكَلاَمْ «٦»
[ ٣٢٦ ]
قال المتنبي:
ليتَ الحوادِثَ باعَتنِي الذِي أخَذتْ مِنِّي بِحلْمِي الذِي أعْطَتْ وتَجرِيبِي
فمَا الحدَاثَةُ مِنْ حِلمٍ بمَانِعَةٍ قدْ يُوجَدُ الحِلْمُ في الشّبّان والشّعيب
وقال الوزير الكامل أبو القاسم بن المعرّي:
يَا مَنْ غَدَا جَبلُ «١» الجُودِيِّ يَحجُبُهُ لَيْسَ التّذكّر عن قَلْبي بمَحْجُوب
علَّمتَنِي الحَزمَ لكِنْ بَعْدَ مَرجِعِهِ إنَّ المصَائِبَ أَثْمَانُ التجَارِيب
[ ٣٢٧ ]
٦- باب البلاغة
قلت وبالله التوفيق: كلام المخلوقين تتميز فيه البلاغة من العيّ، والفصاحة من اللّكن. وأما كلام الخالق ﵎ فعقول البلغاء تعجز عن تدبّر بلاغته، وتحار في اطّراد فصاحته، فماذا يورد المورد منه؟! وبماذا يترجم عنه؟! وقد تحدّى الله سبحانه به خلقه أجمعين، فقال- وهو أصدق القائلين- في سورة يونس: وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ [٣٧] أَمْ يَقُولُونَ: افْتَراهُ؛ قُلْ: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [٣٨] .
وقال ﵎ في سورة هود: فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا «١»: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ «٢» كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ. إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ. وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ [١٢] أَمْ يَقُولُونَ:
افْتَراهُ، قُلْ: فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ «٣» مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [١٣] .
وقال ﵎ في سورة بني إسرائيل: قُلْ: لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ «٤»
[ ٣٢٨ ]
لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [٨٨] وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا [٨٩] .
وقال ﷿ في سورة الطور: أَمْ يَقُولُونَ: تَقَوَّلَهُ؟ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ [٣٣] فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ [٣٤]
«١» .
وما يعجز الإنس والجنّ عن أن يأتوا بمثله فماذا ينتزع منه وماذا ينتخب؟ «٢» .
وقد روي عن الأصمعي «٣» ﵁ قال: اجتزت ببعض أحياء العرب، فرأيت صبية معها قربةٌ فيها ماءٌ وقد انحلّ وكاء فمها. فقالت: يا عمّ، أدرك فاها، غلبني فوها، لا طاقة لي بفيها. فأعنتها، وقلت: يا جارية، ما أفصحك! فقالت يا عمّ، وهل ترك القرآن لأحدٍ فصاحةً؟ وفيه آيةٌ فيها خبران وأمران ونهيان وبشارتان! قلت: وما هي؟ قالت: قوله ﵎:
وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى: أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي، إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [٢٨: ٧]
قال:
فرجعت بفائدةٍ، وكأنّ تلك الآية ما مرّت بمسامعى!!
[ ٣٢٩ ]