قال الله ﷿ في سورة يوسف: إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ [٤] قالَ:
يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا، إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ [٥] .
٦٤* وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «استعينوا على الحاجات بالكتمان، فكلّ ذي نعمة محسود «٣»» .
[ ٢٣٨ ]
وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضوان الله عليه انه قال: سرّك أسيرك، فاذا تكلمت به صرت أسيره «١» .
وقال بعض الأدباء: من كتم سره كان الخيار إليه، ومن أفشى سرّه كان الخيار عليه.
وقال بعض البلغاء: ما أسرّك، ما كتمت سرّك! وقال آخر: ما لم «٢» تغيّبه الأضالع، فهو مكشوفٌ ضائع «٣» .
وقيل لعديّ بن حاتم ﵀: أيّ شيء أوضع للرجال؟ قال: كثرة الكلام، وإضاعة السرّ، والثقة بكل أحدٍ «٤» .
وقال المهلّب بن أبي صفرة ﵀: لم أر صدور الرجال تضيق عن شيء ما تضيق عن حمل سرهم.
وخرج عمر «٥» بن الضبيعة الرّقاشي مع ابن الأشعث، فقتل فيمن قتل، وأتي الحجاج برأسه، فوضع بين يديه، فقال الحجاج: ربّ سرٍّ قد وضعت في هذا الرأس فلم يخرج منه حتى وضع بين يديّ.
وقال أنو شروان: من حصَّن سرَّه فله بتحصينه خصلتان: الظفر بحاجته، والسلامة من السَّطوات. وإظهار الرجل سرّ غيره أقبح من إظهار سرِّ نفسه، لأنه يبوء بإحدى وصمتين: إما بالخيانة إن كان «٦» مؤتمنا، أو النميمة متبرّعا «٧» .
[ ٢٣٩ ]
وقال عمر بن عبد العزيز ﵁: القلوب أوعية السرائر، والشفاه أقفالها، والألسن مفاتيحها، فليحفظ كل امرئ مفتاح سرّه «١» .
وقال الشاعر «٢»:
أَلَمْ تَرَ أَنَّ وُشَاةَ الرِّجَا لِ لاَ يَتْرُكُونَ أَدِيمًا صَحِيحَا
فَلاَ تُفْشِ سِرَّكَ إِلاَّ إِلَيكَ فَإِنَّ لِكلِّ نَصِيحٍ نَصِيْحَا
وقال الآخر «٣»:
إِذَا المَرْءُ أفَشَى سِرَّهُ بِلسانِهِ وَلاَمَ عَليهِ غَيرَهُ فَهُوَ أَحْمَقُ
إِذَا ضَاقَ صَدْر المَرْءِ عَنْ سرِّ نَفْسِهِ فصدر الّذي يستودع السّرّ أصيق
وقال صالح بن عبد القدُّوس «٤»:
لاَ تُذِعْ سِرًّا إلى طَالِبِهِ مِنْكَ إنّ الطّالِبَ السِّرَّ مُذِيعْ
وقال آخر «٥»:
وَسِرُّكَ مَا كَانَ عِنْدَ امْرِئٍ وَعِنْدَ الثّلاَثَةِ غَيْرُ الخَفِي
وقال جميل بن معمرٍ «٦»:
أَجْودُ بِمَضْنُونِ التِّلادِ وَإِنّني بِسِرِّكِ عمن سالني لضنين
إذا جاوز الاثنين سر فإنّه بنثّ وتكثير الوشاة قمين
[ ٢٤٠ ]
وقال آخر: «١»
وَلاَ تَنْطِقْ بِسِرِّكَ كُلُّ سِرٍّ إذَا مَا جَاوَزَ الإِثْنَينِ فَاشِي
وروي: أن عبد الله بن طاهر تذاكر الناس في مجلسه حفظ السرّ فقال «٢»:
وَمَا السِّرُّ في صَدْرِي كَمَيْتٍ بِقَبْرِهِ لأَنِّي رَأَيْتُ المَيْتَ يَنْتَظِرُ النَّشْرَا
وَلكِنّني أُخفيهِ حَتَّى كَأنَّني بِمَا كانَ مِنْهُ لَمْ أُحِطْ- سَاعَةً- خُبْرَا
وقال آخر: «٣»
وَلَو قَدَرَتْ عَلَى نِسْيَانِ ما اشْتَملتْ مِنِّي الضُّلوعُ مِنَ الأَسْرارِ والخَبَرِ
لَكُنتَ أوَّلَ مَنْ يَنسَى سَرائِرهُ إِذْ كُنْتُ مِنْ نَشْرِهَا يَومًا عَلى خَطَرِ
وأحسن القائل:
لَوَ أن امْرأً أخفَى الهوى عَنْ ضَمِيرهِ لَمُتُّ وَلَمْ يَعلمْ بذاك ضمير
وإنّي سألقى الله- يا ليل- لم أبُح بِسِرِّكِ، وَالمُسْتَخْبِرُونَ كَثِيرُ
قالت الحكماء: كتمان السرّ كرمٌ في النفس، وسموٌّ في الهمة، ودليلٌ على المروءة، وسببٌ للمحبة، ومبلغٌ إلى جليل الرتبة.
وقالوا: من كتم سرّه كان موضعًا لودائع القلوب.
وقالوا: سرُّك من دمك، فانظر عند من تجعله «٤» .
وقالوا: صدرك أوسع لسرك.
[ ٢٤١ ]
وقالوا: الصبر على كتمان السر أيسر من الندامة على إفشائه.
وقالوا: لا تفش سرّك إلاّ عند من يضرُّه نشره كما يضرك، وينفعه ستره كما ينفعك.
وقالوا: كلّ سر تكتمه عدوك فلا تطلع عليه صديقك.
وقالوا: أصبر الناس من صبر على كتمان سرِّه، فلم يبده «١» لصديقه خوفًا من أن يصير عدوًّا فيذيعه «٢» .
وقال الشاعر:
كُنْ مِنْ صَدِيقِكَ حَاذِرًا فَلَرُبَّمَا خَانَ الصَّدِيقُ فَصَارَ غَيرَ صَدِيقِ
وَاحذَرْ صَدِيقَكَ- لاَ عَدُوَّكَ- إِنَّمَا حَرَكَاتُ سِرِّكَ عِنْدَ كُلِّ صَدِيقِ
وقال آخر «٣»:
سَأَكتُمُهُ سِرّي وَأَكتُمُ سِرَّهُ وَلاَ غَرَّنِي أَنِّي عَلَيهِ كَرِيمُ
حَلِيمٌ فَيَنسَى «٤» أوْ جَهُولٌ يًذِيعُهُ وَما النَّاسُ إِلاّ جَاهِلٌ وَحَلِيمُ
وقال آخر «٥»:
تَبُوحُ بِسِرِّكَ ضِيقًا بهِ وَتَبغِي لِسِرِّكَ مَنْ يَكْتُمُ
وَكِتْمَانُكَ السِّرَّ مِمَّنْ تَخَافُ وَمَنْ لاَ تَخَوَّفَهُ أَحْزَمُ
إِذَا ضَاعَ سِرُّكَ مِنْ مُخْبَرٍ فَأَنْتَ إِذا لمته ألوم
[ ٢٤٢ ]
وقال آخر:
إِذا أَنتَ لمْ تَحْفَظْ لِنفسِكَ سِرَّها فَسِرُّكَ عِندَ النَّاسِ أَفْشَى وأضْيَعُ «١»
وقال آخر:
لاَ تُفْشِ سِرَّكَ مَا استَطَعْتَ إلى امرِيءٍ يُفْشِي إِلَيكَ سَرَائِرًا يُسْتَودَعُ
فَكَمَا تَرَاهُ بسرّ غيرك صانعا فكذا بسرّك لا محالة يَصْنَعُ
وقيل لعدي بن حاتم ﵀: أي الأشياء أوضع للرجال؟ قال: كثرة الكلام، وإضاعة السرّ، والثقة بكل أحدٍ» .
وعن علي بن هشام «٣» قال: سمعت المأمون يقول: الملوك تحتمل كلّ شيءٍ إلاّ ثلاثة أشياء: القدح في الملك، وإفشاء السرّ، والتعرض للحرم.
أنشد الزبير لرجلٍ من بني عبد شمس بن سعد «٤»:
إذا ما ضاق صَدرُكَ مِن حَدِيثٍ فَأفْشَتهُ الرِّجالُ فَمَنْ تَلُومُ؟
إِذَا عَاتَبتُ مَن أَفْشَى «٥» حَدِيثي وَسِرِّي عِنْدَهُ فَأنا الظَّلُومُ!
وَإِني يَومَ أَسأَمُ حَمْلَ سِرِّيْ*- وَقَدْ ضمَّنْتُهُ صَدْرِي- سَؤُومُ
وَأَطْوِي السِّرَّ دُونَ النَّاسِ، إِنّي لِمَا استُودِعْتُ مِنْ سِرٍّ كَتُومُ
وقال آخر:
[ ٢٤٣ ]
إِنَّ الكَرِيمَ الذِي تَبقَى مَوَدَّتُهُ وَيَحْفَظُ السِّرَّ إنْ صَافَى «١» وَإنْ صَرمَا
لَيسَ الكَريمُ الذِي إن زَلَّ صَاحِبُهُ بَثَّ الذِي كَانَ مِنْ أسراره علما