منشىء مجلة المقتطف كتاب لباب الآداب وقع لنا فى هذه الأيّام كتاب من خيرة كتب الادب العربيّة، وضعه كاتب من مشاهير الكتّاب، وهو أسامة بن مرشد بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ الكناني. والنسخة التى وقعت لنا هى النسخة الأصلية التى كتبت للمؤلف سنة ٥٧٩ للهجرة، وقد وهبها لابنه، وكتب ابنه عليها بيده يقول إن أباه وهبه إياها كما سيجىء. فهي من أقدم كتب الخط العربيّة المحفوظة إلى الآن.
والكتاب متوسط الحجم، طوله ٢٣ سنتمترا ونصف سنتمتر، وعرضه ١٥ سنتمترا، وفيه ٢٤٩ ورقة فى واحد وعشرين كراسا لا ينقصه إلّا ست ورقات من الكراس الثانى وجانب من حاشية الورقة الاخيرة.
واسم الكتاب فى الصفحة الأولى أبيض تحيط به نقوش مذهبة وزرقاء، وتحته اسم المؤلف ويحيط بالاثنين برواز منقوش. وقد تفنن ولده فى ما كتبه، فرسم حوله دوائر تحيط به كالغيوم بحبر أسود وذهبى، وملأ ما بين السطور بنقوش عقفاء تدلّ على أن الناس كانوا قد خرجوا من قيد الخطوط المستقيمة، وعكفوا على المنحنيات شأن المصورين. وخط الكتاب واضح جميل، وحبره أسود برّاق، وحروفه المعجمة منقوطة غالبا ما عدا الكلمة التى تكتب فى آخر الصفحة وتعاد فى الصفحة التالية، فانها غير منقوطة فى الغالب؛ ويحتمل أن
[ ٧ ]
يكون النقط طارئا على الكتاب، لكنّ هذا الاحتمال بعيد، لأن حبر النقط مثل حبر الحروف تماما، وحجمها يدل على أنها مكتوبة بالقلم الذى كتبت به الحروف. ويمتاز بتعلق بعض الحروف المنفصلة: فاذا وقعت بعد الألف دال، أو ذال، أو عين، أو غين علقت الألف بها، كما تعلق باللام فى الخط الديوانى؛ وإذا وقعت بعد الدال ياء متطرفة مثل «عندى» علقت بها، وكثيرا ما توصل الكلمة الواحدة بالتى بعدها. وتترك الكاف أحيانا من غير شرطة ولا سيما إذا كانت فى أول الكلمة. وليس فى وسط الكاف الأخيرة كاف صغيرة. وقلما توضع علامة للحروف المهملة.
وفى الكتاب علامات تدلّ على أن الناسخ قرأه للمؤلف، فأصلح فيه قليلا؛ لكنّ المؤلف لم يقرأه بنفسه، إمّا لضعف بصره فى شيخوخته، أو لسبب آخر؛ لأن الكاتب يخطىء أحيانا خطأ صرفيا لا يدركه من يسمع ولا يقرأ، ولو رآه المؤلف لأصلحه حتما «١» .
وهذه الأمور العرضية يعنى بها اليوم جماعة من العلماء الذين يبحثون عن الخطوط والكتب القديمة: ألمعنا إليها إلماعا؛ وجوهر الكتاب قائم بموضوعه واسلوبه، فقد قسمه المؤلف إلى سبعة أبواب وهي: باب الوصايا، وباب السياسة، وباب الكرم، وباب الشجاعة، وباب الآداب، وباب البلاغة، وباب ألفاظ من الحكمة فى معان شتى.
ويبتدىء الباب بآيات من القرآن، تتلوها أحاديث نبوية، ثم أقوال حكميّة يتمثل بها، ونوادر وأشعار ونحو ذلك مما يرى بعضه فى كتاب «الغرر والعرر» للوطواط، وكتاب «محاضرات الأدباء» للراغب الأصبهانى.
[ ٨ ]
والمؤلف كاتب مشهور، ترجمه ابن خلكان فى «وفيات الأعيان» .
[ثم نقل ترجمة المؤلف عن ابن خلكان، وقد حذفناها اكتفاء بالترجمة التى ستقرؤها فيما يأتى] وواضح من ذلك «١» أن المؤلف ألّف كتاب «لباب الآداب» قبل وفاته بنحو خمس سنوات، فألّفه وهو شيخ عرك الدهر واجتنى ثمار الاختبار.
وقد صورنا منه النصف الأعلى من الصفحة الأولى بعد الفهرس، والنصف الأعلى من الصفحة الأخيرة، كما ترى فى صدر هذه المقالة «٢» . وهاك قراءة ما فيها سطرا سطرا:
الصورة الاولى:
كتاب لباب الآداب تأليف أسامة بن مرشد بن مقلد بن نصر ابن منقذ الكنانى غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين حبانى مولاى والدى مجد الدين مؤيد الدولة وفقه الله بهذا الكتاب الذى هو من تأليفه بدمشق المحروسة فى شهور سنة اثنتين وثمانين وخمس مائة وكتبه ولده مرهف بن أسامة حامدا ومصليا الصورة الثانية:
[فرحم الله كريمًا وقف عليه وتصدق على مؤلفه بدعوة صالحة يثيبه الله تعالى عنها ويجزل حظه منها فهو سبحانه [من الدا] عى قريب يسمع ويجيب [وكان الف] راغ منه في صفر سنة تسع وسبعين وخمس مائة
[ ٩ ]
[والحمد لله و] حده وصلواته على سيدنا محمد نبيه وصحبه وسلامه ناسخه الفقير الى رحمة ربه [غ] نايم «١» الناسخ المعرى غفر الله له ولوالديه ولجمع المسلمين وقد أشكلت علينا قراءة اسم ابنه فى خطه، واتفق أننا فتحنا «وفيات الأعيان» لنقرأ ترجمة الملك الأفضل، والد السلطان صلاح الدين، فاذا فيه:
ورأيت فى تاريخ كمال الدين بن العديم فصلا نقله من تعليق العضد مرهف بن أسامة بن منقذ الخ. فاتضح لنا من ذلك اسمه وأنه أديب ابن أديب.
والظاهر أن المؤلف نقح الكتاب بعد أن تمّ تبييضه ونسخه، فقطع الأوراق الأولى من أوائل الأبواب، وأبدلها بغيرها وزاد فيها كثيرا من الآيات والأحاديث. وهو فى الأصل واحد وعشرون كرّاسا، فى كل كراس منها عشر ورقات، أى إنه كان ٢١٠ ورقات، لكن فيه الآن ٢٤٩ ورقة. وفى كل صفحة من الصفحات الأصلية ١٣ سطرا، لكن الورقات التى زيدت فيه يختلف عدد سطورها، فيزيد تارة حتى يبلغ ٢٠ سطرا، وينقص أخرى حتى يبلغ ١١ سطرا.
والخط والحبر فى بعض هذه الأوراق غير جيدين، كأنها مقحمة فى الكتاب بعد حين. ولكن أكثره بالخط الجيد، والحبر الجيد، ولا شبهة فى أنه هو الأصل، كما هو واضح من وضع الكراريس، ولأن المؤلف يذكر فيه أهله وبلده ومؤلفاته وبعض ما لقيه فى سفراته، كقوله عن على بن أبى طالب «٢»: «وقد
[ ١٠ ]
ذكرت شيئا من حروبه ووقعاته في كتابي المترجم بكتاب فضائل الخلفاء الراشدين» . وقوله «١»: «كان بيننا وبين الإسماعيلية قتال في قلعة شيزر في سنة سبع وعشرين وخمس مائة» . وقوله «٢»: «وقد كان عندنا بشيزر رجل يقال له محمد البشيبش كان يخدم جدِّي سديد الملك أبو الحسن علي بن نصر بن منقذ الكناني، ﵀» . وقوله «٣»: «قرأت على حائط مسجد بديار بكرٍ سنة خمسة وستين وخمس مائة:
صُن النفس وابذل كل شيءٍ ملكته فإن ابتذال المال للعرضِ أصونُ
ولا تطلقن منك اللسان بسوءةٍ ففي الناس سوءات وللناس ألسن
وعينك إن أبدت لديك معايبًا لقومٍ فقل: يا عين للناس أعينُ
ونفسك إن هانت عليك فإنها على كل من تلقى أذلّ وأهون» .
فهل من أديب من أدباء دياربكر يبحث عن هذا المسجد، وينبئنا عما على حائطه من الأشعار، عساه لا يزال قائما كما كان؟
ثم شرع الدكتور فى نقل بعض فقرات من الكتاب لم نجد فائدة فى إعارتها هنا ثم كتب عنه مقالا آخر في عدد (ابريل سنة ١٩٠٨ مجلد ٣٣ ص ٣٠٨- ٣١٣) نقل فيه فقرات أيضا، وفى آخرها حكاية بطرك مصر مع الملك العادل بن السلار وطلب ملك الحبشة منه عزل بطرك الحبشة (ص ٧٢- ٧٣ من هذه الطبعة) وقال عقب ذلك: «فهذا أمر جرى منذ نحو ثمانمائة سنة فى هذ القطر وفى هذه العاصمة، رآه مؤلف هذا الكتاب بعينه، وسمع ما قيل فيه بأذنه، وهو كأنه حدث أمس، وكتب عنه كما نكتب عنه اليوم. مرت ثمانمائة سنة والعادات لم تتغير، ولغة الكتاب لم تختلف اختلافا يذكر» .
[ ١١ ]
ثم كتب مقالا ثالثا فى عدد (مايو سنة ١٩٠٨ مجلد ٣٣ ص ٤٧٩- ٤٨٣) قال فى أوله: «فى كتاب لباب الآداب أمور كثيرة مذكورة فى كتب الأدب، وفيه أمور أخرى وقعت للمؤلف أو حدثت فى زمانه. والغالب أنه لم يذكرها أحد غيره، كقصة بطريرك الأقباط التى نقلناها عنه فى مقتطف ابريل. وها نحن موردون الآن حوادث أخرى حدثت فى زمانه، لا قصد الفكاهة، بل للاستدلال بها على شىء من أحوال الناس فى عصره، أى منذ نحو ثمانمائة سنة» .
ثم نقل حكايات من الكتاب، منها حكاية فتح الافرنج انطاكية (ص ١٣٢- ١٣٤ من هذه الطبعة) وحكاية المؤلف مع شيخة ابن المنيرة حين هجوم الاسمعيلية على حصن شيزر (ص ١٩٠- ١٩١) وحكاية زهر الدولة بختيار مع الأسد (ص ١٩٩) ثم قال:
«نقف الآن عند هذا الحدّ، وفى النوادر التى نقلناها أمور كثيرة حرية بالنظر. من ذلك ذكره كلمة الافرنج بهذا اللفظ الشائع الآن فى مصر والشأم، فاستعمالها كذلك قديم، ولا داعى للعدول عنه إلى كلمة فرنج أو فرنجة. ولم نر فيما لدينا من التواريخ إشارة إلى قصة بغدوين ملك القدس وجوسلين صاحب تل باشر، لكن أبا الفرج قال فى تاريخه إن بغدوين مات فى القدس ووصى ببلاده للقمص صاحب الرها، وهو الذى أسره جكرميش وأطلقه سقاوو جاولى. وعليه فاسم الموصول راجع إلى بغدوين لا إلى القمص، إذا كان مراد أبى الفرج الاشارة إلى أسر بغدوين مع جوسلين واطلاق جاولى سقاوى لهما. وجاء فى تاريخ الصليبيين للسر جورج كوكس أن جوسلين أعان بلدوين البرجى حتى خلف الملك بلدوين الثانى، فجعله بلدوين البرجي أميرا على الرها. لكن جوسلين هذا أسر أخيرا سنة ٥٤٦ ومات أسيرا، فهل هو جوسلين عينه الذى أسر أو لا سنة ٤٩٠؟. أو إن أسامة لم يكن يدقق فى ذكر السنين، كما يظهر مما نقلناه عنه فى الجزء الماضى، حيث
[ ١٢ ]
قال: إنه كان فى مصر سنة ٥٤٧ فى عهد الملك العادل، مع أن الملك العادل خلف الملك الصالح سنة ٦٥٥.
وكيفما كانت الحال فالقصة محتملة الصدق، ولا بد من أنها كانت تروى فى عهده حتى تمثل بها. وهى تماثل ما يروى عن أخلاق فرسان الصليبيين وشهامتهم وحفظهم للذمام، وما كان جاريا فى ذلك العهد من استعانة أمراء المسلمين بأمراء الصليبيين، وأمراء الصليبيين بأمراء المسلمين.
ومنها اهتمام أمراء المسلمين بتعليم أولادهم، فقد كان أبو أسامة مستخذما شيخا من كبار العلماء لتعليم أولاده، وظهرت نتيجة تعليمه فى تفوق أسامة فى الانشاء، نثرا ونظما.
ومنها أن ذلك الزمان كان زمان حروب متتابعة، ولذلك كانوا يضطرون أن يقيموا فى الحصون ويصعدوا إليها بالحبال.
ومنها أن الاسود كانت لا تزال كثيرة فى بلاد الشام، أو فى أطرافها، فذكر هذا الاسد من غير استغراب، وقد انقرضت الأسود منها الآن
وواضح مما ذكره هنا أنه ألف كتاب (لباب الآداب) وعمره أكثر من تسعين سنة «١»، فهو ثمرة يانعة من ثمار عقله، بعد أن حنكته التجارب، وراضته الايام.
وفى الكتاب أدلة على أن الكاتب بيّض مسودات كانت عند أسامة وخطها غير جلىّ، لانه ترك بعض الأعلام الأعجمية ثم كتبها بقلم آخر وهو يقرأ الكتاب على المؤلف، أو أخطأ فى كتابتها ثم أصلحها لما قرأ الكتاب. أما دعاء أسامة على الافرنج بقوله: خذلهم الله (ص ١٣٢) فأقل مما كان يستعمله غيره من كتاب عصره» . اه كلام العلامة الدكتور يعقوب صروف.
[ ١٣ ]