ولد أسامة يوم الأحد ٢٧ «٣» جمادى الآخرة سنة ٤٨٨ (يوليو سنة ١٠٩٥) بقلعة شيزر. وقد حكى هو تاريخ ولادته فى الاعتبار (ص ١٢٤) . وكنيته «أبو المظفر» . ونقل ياقوت كنية أخرى له وهى «أبو أسامة» وقد وجدت كنية ثالثة له فى عنوان كتابه (البديع فى نقد الشعر) الموجود بمكتبة بلدية
[ ١٩ ]
الاسكندرية، وهى «أبو الفوارس» والكنية الأولى أشهر، ولم أجد ما يؤيد الأخريين. ويلقب «مؤيد الدولة مجد الدين» .
ونشأ أسامة فى كنف أبويه وعمه وجدته، وفى وسط أسرة من أعظم الأسر العربية، أكثر رجالها فرسان محاربون من الطبقة الأولى، وبعد ولادته بنحو سنتين بدأت الحروب الصليبية فى بلاد الشام سنة ٤٩٠، ورباه أبوه على الشجاعة والفتوة والرجولة، ومرّنه على الفروسية والقتال، وكان يخرجه معه إلى الصيد، ويدفع به بين لهوات الأسود. فأخرج منه فارسا كاملا، وسياسيا ماهرا، ورجلا ثابتا كالرواسى، لا تزعزعه الأعاصير، ولا تهوله النكبات والرزايا. فهو يقول عن نفسه بعد أن جاوز التسعين، إذ يحكي بعض ما لقي من الأهوال:
«فهذه نكبات تزعزع الجبال، وتفني الأموال، والله سبحانه يعوّض برحمته، ويختم بلطفه ومغفرته. وتلك وقعات كبار شاهدتها، مضافة إلى نكبات نكبتها، سلمت فيها النفس لتوقيت الآجال، وأجحفت بهلاك المال» (الاعتبار ص ٣٥) .
ويقول أيضا: «فلا يظنّ ظانّ أن الموت يقدمه ركوب الخطر، ولا يؤخره شدة الحذر، ففى بقائي أوضح معتبر، فكم لقيت من الأهوال، وتقحّمت المخاوف والأخطار، ولاقيت الفرسان، وقتلت الأسود، وضربت بالسيوف، وطعنت بالرماح، وجرحت بالسهام والجروخ «١» - وأنا من الأجل فى حصن حصين- إلى أن بلغت تمام التسعين فأنا كما قلت:
مع الثمانين عاث الدّهر فى جلدي وساءنى ضعف رجلى واضطراب يدي
اذا كتبت فخطّي جدّ مضطرب كخطّ مرتعش الكفّين مرتعد
فاعجب لضعف يدي عن حملها قلما من بعد حطم القنا فى لبّة الأسد
[ ٢٠ ]
وإن مشيت وفى كفّي العصا ثقلت رجلي كأنّي أخوض الوحل فى الجلد
فقل لمن يتمنّى طول مدّته هذى عواقب طول العمر والمدد»
(الاعتبار ص ١٦٣- ١٦٤) «١» ولم يكتف أبوه بتربيته الحربية، بل كان يحضر له الشيوخ الكبار ليعلموه هو وإخوته، فسمع الحديث من الشيخ الصالح أبى الحسن علي بن سالم السنبسي فى سنة ٤٩٩ كما فى تاريخ الاسلام للذهبى «٢»، وقد روى عنه حديثا فى أول (لباب الآداب ص ١) . وكان يؤدبه الشيخ العالم أبو عبد الله محمد بن يوسف المعروف بابن المنيرة المتوفى سنة ٥٠٣ «٣» وقرأ علم النحو قريبا من عشر سنين على الشيخ العالم أبى عبد الله الطّليطلي النحوي، وكان فى النحو سيبويه زمانه. «٤»
والتوسع فى علم النحو هذه السنين الطويلة يستدعي كثرة الاطلاع على الشعر القديم، وعلى غريب القرآن وتفسيره، وعلى علوم البلاغة وما يتبعها. وكان الأمراء بنو منقذ ممن يقصدهم الأدباء والشعراء، يمدحونهم ويسترفدونهم، وكانوا هم أيضا علماء شعراء، فاقتبس أسامة من هذا المجتمع الأدبي الذي نشأ فيه أدبا جمّا، وعلما واسعا، وحفظ كثيرا من الشعر القديم، فقد نقل الحافظ الذهبى فى تاريخ الاسلام عن الحافظ أبي سعد السمعاني قال: «قال لى أبو المظفر- يعنى أسامة- أحفظ أكثر من عشرين ألف بيت من شعر الجاهلية» «٥» . وصار
[ ٢١ ]
شاعرا فحلا. حتى كان السلطان صلاح الدين الأيوبي لشغفه بديوان شعره يفضله على جميع الدواوين. «١»
ولما خرج أسامة من شيزر سنة ٥٣٢ أقام بدمشق نحوا من ثمان سنين فى رعاية صديقه وظهيره الأمير معين الدين أنر وزير شهاب الدين محمود، حتى نبت به دمشق «كما تنبو الدار بالكريم» «٢» . فسار إلى مصر فدخلها يوم الخميس ٢ جمادى الآخرة سنة ٥٣٩ قال: «فأقرّنى الحافظ لدين الله- يعني الخليفة الفاطمي عبد المجيد بن المنتصر بالله العلويّ- ساعة وصولى، فخلع عليّ بين يديه، ودفع لى تخت ثياب ومائة دينار، وخوّلنى دخول الحمام، وأنزلنى فى دار من دور الأفضل بن أمير الجيوش، فى غاية الحسن، وفيها بسطها وفرشها ومرتبة كبيرة وآلتها من النحاس، كل ذلك لا يستعاد منه شىء، وأقمت بها مدة فى إكرام واحترام، وإنعام متواصل» «٣» . ثم مات الخليفة الحافظ وولي الخلافة ابنه الأصغر (الظافر بأمر الله أبو منصور اسمعيل) وكان عمره ١٧ سنة تقريبا، ووثب على الوزارة سيف الدين أبو الحسن (علي بن السلار) فخلع عليه الخليفة خلع الوزارة، ولقّبه (الملك العادل) . وأرسل ابن السلار أسامة فى مهمة حربية سياسية لدى (الملك العادل نور الدين بن زنكى) وبعد وقائع وحروب عاد إلى مصر باستدعاء ابن السلار، ومكث فيها إلى سنة ٥٤٩ ثم خرج منها مكرها بعد قتل الخليفة الظافر. وقد وقعت فى مصر فى هذه السنوات الخمس مدة خلافته (٥٤٤- ٥٤٩) أحداث وفتن كبار، قتل فيها ابن السلار الوزير والظافر الخليفة. واتهم المؤرخون أسامة بأن له يدا فى قتلهما، بل بأنه هو الذي حرّض
[ ٢٢ ]
على هذه الجرائم المنكرة «١» . وقد برأه الله من أن يغمس يده فى الدماء البريئة.
وإنما اتّهم بذلك افتراء واتباعا للشائعات الكاذبة التى أشاعها ذوو الأغراض من الدساسين. وأسامة حكى فى الاعتبار تفاصيل هذه الحوادث «٢»، والقارىء المنصف يتبين له أن الرجل برىء مما نسب إليه زورا وبهتانا.
وسنفصل القول فى ذلك فى ترجمته المطولة التى سننشرها قريبا إن شاء الله.
ذهب أسامة من مصر إلى دمشق فأقام بها مدة. ثم انتقل باهله وولده إلى «حصن كيفا» «٣» وأقام بها إلى أن أخذ السلطان صلاح الدين الأيوبى دمشق فى ربيع الأول سنة ٥٧٠، وكان الأمير عضد الدين أبو الفوارس «مرهف بن أسامة» جليس صلاح الدين وأنيسه، ولم يزل مشغولا بذكر أسامة، مشتهرا باشاعة نظمه ونثره، فاستدعاه إلى دمشق، وهو شيخ قد جاوز الثمانين «٤» . قال العماد: «فلما جاء مؤيد الدولة- يعنى أسامة- أنزله أرحب منزل، وأورده أعذب منهل، وملّكه من أعمال المعرّة ضيعة زعم أنها كانت قديما تجرى فى أملاكه، وأعطاه بدمشق دارا وإدرارا. وإذا كان- يعني السلطان صلاح الدين- بدمشق جالسه وآنسه، وذاكره فى الأدب ودارسه، وكان ذا رأي وتجربة، وحنكة مهذبة، فهو يستشيره فى نوائبه، ويستنير برأيه فى غياهبه. وإذا غاب عنه فى غزواته كاتبه، وأعلمه بواقعاته ووقعاته، واستخرج رأيه فى كشف مهماته، وحلّ مشكلاته» «٥» .
ومكث أسامة فى دمشق إلى أن مات بها ليلة الثلاثاء ٢٣ رمضان سنة ٥٨٤
[ ٢٣ ]
(نوفمبر سنة ١١٨٨) فعاش ﵀ يوم/ ٢٥ شهر/ ٢ سنة/ ٩٦ بالحساب الهجري.
وأخباره ﵁ كثيرة، وآثاره عظيمة. حكى منها كثيرا فى كتابه (الاعتبار) .