عن عبد الله بن عمر رضوان الله عليهما «١» قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله عند لسان كل قائل، فليتق الله عبد، ولينظر ما يقول» روى: «أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أوصني؛ قال: عليك باليأس مما في أيدي الناس، وإياك والطمع، فإنه فقر حاضر؛ وإذا صليت فصل صلاة مودع؛ وإياك وما يعتذر منه» وعن إسمعيل بن عمر «٢» قال: سمعت النبي ﷺ يوصي رجلا فقال: «أقلل من الدين تعش حرا، وأقلل من الذنوب يهن عليك الموت، وانظر في أي نصاب تصير «٣» ولدك، فإن العرق دساس «٤»» وقال النبي ﷺ: «أوصاني ربي جل وعز بتسعٍ، وأنا أوصيكم بهن:
أوصاني بالسر والعلانية، وأن أعفو عمن ظلمني، وأعطي من حرمني، وأصل من قطعني، وان يكون صمتي فكرا، ونطقي ذكرا، ونظري عبرا «٥»» روى أبو القاسم الزجاجي عن حرملة بن عبد الله «٦» قال: «ارتحلت
[ ٥ ]
الى رسول الله ﷺ لأزداد من العلم، فجئت حتى قمت بين يديه، فقلت:
يا رسول الله، ما تأمرني أن أعمل به؟ فقال: يا حرملة، إيت المعروف، واجتنب المنكر، وانظر إلى الذي تحب أن يقوله القوم من الخير إذا قمت من عندهم فأته، وانظر إلى الذي تكره أن يقوله القوم من الشر إذا قمت من عندهم فاجتنبه. قال حرملة: فلما قمت من عند رسول الله ﷺ نظرت، فاذاهما أمران لم يتركا شيئا من إتيان المعروف واجتناب المنكر» قال رسول الله ﷺ: «أوصيكم بثلاث، وأنهاكم عن ثلاث: أوصيكم بالذكر، فان الله تعالى يقول: فَاذْكُرُونِي «١» أَذْكُرْكُمْ
[البقرة: ١٥٢]؛ وأوصيكم بالشكر، فان الله تعالى يقول: لَئِنْ «٢» شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ
[إبراهيم: ٧]؛ وأوصيكم بالدعاء، فان الله تعالى يقول: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ
[غافر: ٦٠]؛ وأنهاكم عن البغي، فان الله تعالى يقول: إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ
[يونس: ٢٣]؛ وأنهاكم عن المكر، فإن الله تعالى يقول: وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ
[فاطر: ٤٣]؛ وأنهاكم عن النكث، فإن الله ﷻ يقول: فَمَنْ «٣» نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ
[الفتح: ١٠]» .
وقال عيسى ابن مريم صلى الله عليه لأصحابه: «إذا اتّخذكم الناس رؤوسا فكونوا أذنابا» .
وقال ﵇: «يا معشر الحواريين، تحببوا إلى الله تعالى ببغض أهل المعاصي، وتقربوا إليه بالبعد منهم، والتمسوا رضاه بسخطهم» .
٨* عن أنس بن مالك ﵁ قال «٤»: «قدم رسول الله ﷺ المدينة
[ ٦ ]
وأنا ابن ثماني سنين، فانطلقت بي أمي إليه، فقالت: يا رسول الله، إنه ليس أحد من الأنصار إلا وقد أتحفك بهدية، وإني لم أجد شيئا أتحفك به غير ابني هذا، فأحب أن أتحفك به، وتقبله مني، يخدمك ما بدا لك. قال أنس ﵁: فخدمت رسول الله ﷺ عشر سنين؛ فما ضربني ضربة، ولا سبني سبة قط، ولا انتهرني قط، ولا عبس في وجهي قط. وقال: يا بني، اكتم سري تكن مؤمنا. قال: فكانت أمى تألنى عن الشيء من سر رسول الله ﷺ فلا أخبرها به؛ وإن كانت أزواج رسول الله ﷺ- ورحمة الله عليهنّ- يسألنى عن سر رسول الله ﷺ فما أخبرهن به؛ وما أنا بمخبر بسر رسول الله ﷺ أحدًا حتى أموت. قال: وقال لي: يا بني، عليك بإسباغ الوضوء يزد في عمرك ويحبّك حافظا. يا بني، بالغ في غسلك من الجنابة، فإنك تخرج من مغتسلك وليس عليك ذنب ولا خطية. قلت يا رسول الله، وما المبالغة في الغسل؟
قال: أن تبل أصول الشعر وتنقّى البشر. يا نبىّ، كن إن استطعت أن تكون «١» على وضوء فافعل، فإنه من أتاه ملك الموت وهو على وضوء أعطي الشهادة. يا بني، إن استطعت أن لا تزال تصلي «٢» فإن الملائكة تصلي عليك ما دمت تصلي. يا بني، إياك والالتفات في الصلاة «٣» فإنه هلكة. يا بني إذا ركعت فارفع يديك عن جنبيك، وضع كفيك على ركبتيك. يا بنيّ، إذا رفعت رأسك من السجود فأسكن كل عضو موضعه، فإن الله ﷿ لا ينظر يوم القيامة إلى من لا يقيم صلبه في ركوعه. يا بنيّ، إذا قعدت بين السجدتين فابسط ظهري قدميك على الأرض، وضع أليتيك على عقبيك، فإن ذلك من سنّتي
[ ٧ ]
ومن أحيا سنتي فقد أحبني، ومن أحبني كان معي في الجنة. لا تقع كما يقعي «١» الكلب، ولا تنقر كما ينقر الديك. يا بنيّ، إذا خرجت من منزلك فلا يقعن بصرك على أحد من أهل القبلة إلا سلمت عليه، فإنك ترجع وقد زيد فى حسناتك. يا بنيّ، إن استطعت أن تُمسي وتصبح وليس في قلبك غش لأحد فافعل، فإنه أهون عليك في الحساب. يا بني، إن حفظت وصيتي فلا يكونن شيء أحب إليك من الموت» وعن أسامة بن زيد رحمهما الله قال: قال رسول الله ﷺ: «ما كرهت أن يراه الناس منك، فلا تعمله إذا خلوت» .
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵀ أن رسول الله ﷺ قال: «من الكبائر أن يشتم الرجل والديه. قالوا: وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: نعم، يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه «٢»» قيل: مر عيسى بن مريم صلى الله عليه على قوم يبكون على ذنوبهم فقال:
«دعوها يُغْفر «٣» لكم» ١١* وعن أبي هريرة ﵁ قال: أخذ رسول الله ﷺ بيدي وقال:
«يا أبا هريرة، اتق المحارم تكن أعبد الناس، وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس، وأحسن إلى جارك تكن مؤمنا، وحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلمًا، وإياك وكثرة الضحك، فإن كثرة الضحك تميت القلب «٤»» .
[ ٨ ]
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره. قالوا: يا رسول الله، وما حق الجار على الجار؟ قال: إن سألك فأعطه، وإن استعانك فأعنه، وإن استقرضك فأقرضه، وإن دعاك فأجبه، وإن مرض فعده، وإن مات فشيعه، وإن أصابته مصيبة فعزه، ولا تؤذه بقتار «١» قدرك إلا أن تغرف له منها، ولا ترفع عليه البناء لتسد عليه الريح إلا بإذنه» عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أوصني. قال: عليك بتقوى الله، فإنه جِماع كل خير، وعليك بالجهاد، فإنه رهبانية الاسلام؛ وعليك بذكر الله وتلاوة القرآن، فإنه نور في الأرض وذكر لك في السماء؛ واخزن لسانك إلا من خير، فإنه بذاك تغلب الشيطان «٢»» وعن أبي أمية، قال: سألنا أبا ثعلبة الخشني ﵀، فقلنا: كيف نصنع بهذه الآية؟ قال: أية آية؟ قلت: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ، لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ
[المائدة: ١٠٥]؛ فقال: أما والله لقد سألت عنها خبيرًا. سألت عنها رسول الله ﷺ فقال: «نعم؛ ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر؛ حتى إذا رأيتم شحًا مطاعًا، وهوىً متبعًا، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، ورأيت أمرًا لا يدان لك به، فعليك بنفسك، ودع أمر العوام، فإن من ورائكم أيامًا، الصابر «٣» فيهن مثل القابض على الجمر، للعامل فيهن
[ ٩ ]
كأجر خمسين رجلًا يعملون مثل عمله «١»» وعن عبد العزيز «٢» قال: أوحى الله سبحانه إلى داود ﵇:
«يا داوود، اصبر على المؤونة، تأتِك المعونة» وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «اجتنبوا السبع الموبقات، قيل: يا رسول الله، وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسِّحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات «٣»» .
وعن ابن عباس ﵁ قال، قال موسى ﵇: «يا ربِّ، أيُّ عبادك أغنى؟ قال: الراضي بما أعطيته. قال: فأيُّ عبادك أحبُّ إليك؟
قال: أكثرهم لي ذكرًا. قال: يا ربِّ، فأي عبادك أحكَم؟ قال: الذي يحكم على نفسه بما يحكم على الناس» وعن معاذ بن جبل ﵁: «أن النبي ﷺ لما بعثه إلى اليمن مشى معه أكثر من ميل يوصيه قال: يا معاذ، أوصيك بتقوى الله العظيم، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وترك الخيانة، وحفظ الجار، وخفض الجناح، ولين الكلام، ورحمة اليتيم، والتفقه في القرآن، وحب الآخرة. يا معاذ، لا تُفسد أرضًا، ولا تشتم مسلمًا، ولا تصدق كاذبًا، ولا تَعْصِ إمامًا عادلًا. يا معاذ، أوصيك بذكر الله عند كل شجر وحجر، وأن تحْدِثْ لكل ذنبٍ توبة:
السر بالسر، والعلانية بالعلانية. يا معاذ، إني أحب لك ما أحب لنفسي، وأكره لك ما أكره لنفسي. يا معاذ، إني لو أعلم أنّا لو نلتقي لقصرت لك من
[ ١٠ ]
الوصية، ولكني لا أرانا «١» نلتقي إلى يوم القيامة. يا معاذ، إن أحبَّكم إليّ من لقيني يوم القيامة على مثل الحالة التي فارقني عليها» قال أبو موسى العطار: حدثني رجل قال: «رأيت النبي ﷺ في النوم فقلت:
يا رسول الله، أوصني. فقال: من اعتدل يوماه «٢» فهو مغبون، ومن كان غده شرًا من يومه، فهو ملعون، ومن لم يتفقد النقصان من نفسه فهو في نقصان، فالموت خيرٌ له» عن عقبة بن أبي الصَّهباء قال: لما ضرب ابن ملجم- لعنة الله- أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضوان الله عليه دخل عليه الحسن رضوان الله عليه- وهو باكٍ- فقال: ما يبكيك يا بني؟ قال: وما لي لا أبكي، وأنت في أول يوم من الآخرة وآخر يوم من الدنيا؟! قال: يا بني، احفظ عني أربعًا وأربعًا، لا يضرك ما عملت معهن. قال: وما هن يا أبَه؟ قال: «أغنى الغنى العقل، وأكبر الفقر الحمق، وأوحش الوحشة العُجب، وأكرم الحسب حسن الخُلق» . قال: يا أبَهْ هذه الأربع فأعطني الأربع. قال: «يا بني، إياك ومصادقة الكذاب؛ فإنه يقرّب عليك البعيد «٣»، ويبعد عليك القريب. وإياك ومصادقة الأحمق؛ فإنه يريد أن ينفعك فيضرّك. وإياك ومصادقة البخيل؛ فإنه يعقد عنك أحْوج ما تكون إليه. وإياك ومصادقة الفاجر، فإنه يبيعك «٤» بالتافه «٥»»
[ ١١ ]
وقال محمد بن علي «١» رضوان الله عليهما لابنه: يا بني، لا تكْسَلْ، فإنك إن كسِلتَ لم تؤدِّ حقًا؛ ولا تضجر، فإنك إن ضجِرت لم تصبر على حق؛ ولا تمتنع من حقٍ، فإنه ما من عبد يمتنع من حق إلا فتح الله عليه باب باطل فأنفق فيه أمثاله.
قال عمر بن الخطاب رضوان الله عليه: «من عرّض نفسه للتهمة فلا يلومن من أساء به الظن؛ ومن كتم سره كانت الخيرة بيده. وضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك ما يغلبك عليه. ولا تظنَّنَّ بكلمة خرجت من امرىء مسلم شرًا وأنت تجد لها في الخير مخرجًا «٢»؛ وعليك بإخوان الصدق فَكِسْ «٣» في اكتسابهم، فإنهم زينة في الرخاء، عدة في البلاء. ولا تهاون في الحلف بالله فيهينك. وعليك بالصدق ولو قتلك، ولا تعتز إلى من لا يغنيك «٤»؛ واعتزل عدوك؛ واحذر صديقك إلا الأمين: والأمين من خشي الله تعالى. ولا تصحب الفاجر فتتعلم من فجوره، ولا تطلعه على سرك فيفضحك. وتخشَّع عند القبور؛ وآخ الإخوان على قدر التقوى؛ ولا تستعن على حاجتك من لا يحب نجاحها لك؛ وشاور في أمرك الذين يخافون الله ﷿» ومن عجيب الوصايا ما روي عن قتادة قال: أخبرني محمد بن ثابت بن قيس ابن شماس الأنصاري ﵀، قال: «كان ثابت بن قيس رجلًا «٥» جهير
[ ١٢ ]
الصوت، يحب الجمال والشرف، وكان قومه قد عرفوه بذلك. فلما أنزل الله تعالى على رسوله ﷺ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ
[لقمان: ١٨] انصرف ثابت بن قيس بن شماس ﵀ من عند النبي ﷺ وهو ينتحب؛ فدخل بيته وأغلق عليه وطفق يبكي، ففقده رسول الله ﷺ فسأل عنه بشير بن سعد ﵀ فأخبره خبره. فأرسل إليه النبي ﷺ فسأله عن أمره، فقال: أنزل الله تعالى عليك إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ
وأنا أحب الجمال، وأحب أن أسود قومي. فقال رسول الله ﷺ: إنك لست منهم. إنك تعيش بخير، وتموت بخير وتدخل الجنة. فلما قال ذلك رسول الله ﷺ خرج من بيته، وسرّ بما قاله رسول الله ﷺ. فلما أنزل الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِ
[الحجرات: ٢] «١» رجع ثابت ابن قيس بن شماس ﵀ إلى بيته ينتحب؛ فدخل بيته وأغلق عليه. فافتقده رسول الله ﷺ فسأل عنه أبا مسعود الأنصاري «٢» ﵀ فأخبره خبره. فأرسل إليه رسول الله عليه ﷺ فسأله، فقال: إن الله ﷿ أنزل عليك يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِ
وأنا جهير الصوت، فأخاف أن يكون قد حبِط عملي. فقال رسول الله ﷺ: لست منهم، إنك تعيش حميدًا، وتقتل شهيدًا، ويدخلك الله الجنة. فكان ثابت ﵀ يتوقع الشهادة في حياة رسول الله ﷺ فلم يرزقها. فلما قُبض رسول الله ﷺ وارتدَّت العرب، وبعث أبو بكر الصديق- رضوان الله عليه- خالد بن الوليد
[ ١٣ ]
﵁ إلى اليمامة «١»، انتدب «٢» ثابت بن قيس بن شماس، فعقد له أبو بكر الصديق ﵁ لواءً على الأنصار ﵃. ثم سار مع خالد إلى أهل الردة، فشهد وقعة طُلَيحة بن خويلد «٣» وأصحابه، ثم شهد اليمامة، فلما رأى انكشاف المسلمين، قال ثابت وسالم مولى أبي حذيفة ﵃:
ما هكذا كنا نفعل مع رسول الله ﷺ، فحفرا لأنفسهما حفرتين وقاما فيهما «٤» - مع سالم مولى أبي حذيفة راية المهاجرين، ومع ثابت بن قيس راية الأنصار- حتى قتلا ﵄، وعلى ثابت درع له نفيسة كانت لآبائه، فمر به رجل من الضاحية «٥» فأخذها عنه، وهو قتيل ﵀، فأري بلال بن رباح﵀- ثابت بن قيس يقول له في منامه: إني أوصيك بوصية، فإياك ان تقول هذا حلم فتضيعها. إني لما قتلت بالأمس جاء رجل من ضاحية نجد، وعليّ درعي فأخذها، فأتى بها منزله فأكفأ عليها برمةً، وجعل على البرمة رحلًا، وخباؤه في أقصى العسكر، إلى جانب خبائه فرس يستن في طوله «٦» . فأْتِ خالد بن الوليد فخبِّره، فليبعث إلى درعي فليأخذها، وإذا قدمت على خليفة رسول الله ﷺ فأخبره أن عليّ من الدين كذا، ولي من الدين كذا؛ وسعد ومبارك غلاماي حرَّان: فإياك أن تقول هذا حلم فتضيِّعه. فلما أصبح بلال ﵀ أتى خالدًا ﵀ فخبره الخبر؛ فبعث خالد نفرًا إلى الدرع فوجدوها كما قال، فلما قدم بلال ﵀ المدينة، أتى أبا بكر الصديق رضوان الله عليه فأخبره
[ ١٤ ]
بوصية ثابت بن قيس بن شماس ﵀ فأجازها. فلا نعلم أحدًا من المسلمين أُجيزت وصيته بعد موته على هذا الوجه إلا ثابت بن قيس بن شماس ﵀» «١» .
عن الشعبي عن ابن عباس ﵄، قال: قال لي أبي: إني أرى أمير المؤمنين- يعني عمر بن الخطاب رضوان الله عليه- يدنيك دون أصحاب محمد ﷺ، فاحفظ عني ثلاثًا: لا يجرّبَنَّ عليك كذبًا، ولا تغتابنَّ عنده أحدًا، ولا تفشينَّ له سرًا. قال: فقلت: يا أبا عباس «٢» كل واحدة خير من ألف دينار، قال: كل واحدة منهن خير من عشرة آلاف دينار «٣» .
قال عبد الله بن الحسن بن الحسين «٤» رضوان الله عليهم لابنه محمد ﵁: يا بني، احذر مشهورة الجاهل وإن كان ناصحًا، كما تحذر العاقل إذا كان عدوًا؛ فيوشك أن يورطك الجاهل بمشورته في بعض اغتراره «٥»، فيسبق إليك مكروه فكر العاقل. وإياك ومعاداة الرجال، فإنها لن تعدِّيك مكرَ حليم أو مفاجأة جاهل.
كتب إلى عبد الله بن الحسن ﵄ صديقٌ له: أوصيك بتقوى الله ﷿، فإنه جعل لمن اتقاه من عباده المَخْرَجْ مما يكره، والرزق من حيث لا يحتسب.
دخل كعب الأحبار يومًا على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضوان الله عليه، فأمره بالجلوس إلى جانبه، فتنحَّى «٦» كعب قليلًا، فقال له عمر: ما منعك من
[ ١٥ ]
الجلوس إلى جانبي؟ قال: يا أمير المؤمنين، وجدت في حكمة لقمان مما أوصى به ابنه أن قال له: يا بني، إذا قعدت إلى ذي سلطان فليكن بينك وبينه مقعد رجلٍ، فلعله أن يأتيه من هو آثر عنده منك، فيريد أن تنحَّى «١» له عن مجلسك، فيكون ذلك نقصًا عليك وشينًا.
قال المدائني: قال زيد بن علي ﵄ لأصحابه: أوصيكم بتقوى الله، فإن الموصي «٢» بها لم يدخر نصيحة، ولم يقصر في الإبلاغ. فاتقوا الله في الأمر الذي لا يفوتكم منه شيء وإن جهلتموه؛ وأجملوا في الطلب، ولا تستعينوا بنِعَم الله على معاصيه. وتفكروا وأبصروا: هل لكم قِبَلَ خالقكم من عمل صالح قدَّمتموه فشكره لكم؟ فبذلك جعلكم لله تعالى أهل الكتاب والسنة، وفضلكم على أديان آبائكم. ألم يستخرجكم نُطفًا من أصلاب قوم كانوا كافرين، حتى بثكم في حجور أهل التوحيد، وبث من سواكم في حجور أهل الشرك؟ فبأي سوابق أعمالكم طهَّركم؟ إلا بمنّه وفضله الذي يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
كان أبو الدرداء ﵁ يقول لأصحابه: لا تكلفوا «٣» من أمور الناس ما لم تُكلَّفوا «٤»، ولا تحاسبوهم دون ربهم تعالى. ابن آدم، عليك نفسك: فإنه من يُكثِر تتبُّع الناس لما يرى في أيديهم يطل حزنه، ويكثر فكره، ولا يُشْفَى «٥» غيظه.
قال معاذ بن جبل ﵁ في وصيته: إنه لا بد لك من نصيبك من الدنيا، وأنت إلى نصيبك من الآخرة أحوج. فابدأ بنصيبك من الآخرة فخذه، فإنه سيمر على نصيبك من الدنيا فينتظمه انتظامًا، ويزول «٦» معك حيث مازلت.
[ ١٦ ]
عن الأحنف بن قيس ﵀ قال، قال لي عمر رضوان الله عليه: يا أحنف، من كثر ضحكه قلَّت هيبته، ومن مزح استخف به، [ومن أكثر من شيء عُرف به، ومن كثُر كلامه كثُر سقطُه، ومن كثُر سقطُه قلّ حياؤه، ومن قلّ حياؤه قلّ ورعه، ومن قل ورعه مات قلبه] «١»
لا تله عن أمر وهَى منه جانب فيتبعه في الوَهْيِ- لا شكَّ- سائره
إذا طَرَفٌ من حَبْلك انحَلَّ صدرُه تداعت وشيكَا بانحلالٍ مرائره «٢»
وقال آخر «٣»:
اقضِ الحوائجَ ما استطعت، وكُنْ لهمِّ أخيك فارِجْ فَلَخَيْرُ أيامِ الفتى يومٌ قَضى فيه الحوائجْ كتب بعض الحكماء إلى أخ له: أما بعد، فاجعل القنوع ذخرًا تبلغ به إلى أن يفتح باب يحسن بك الدخول فيه؛ فإن الثقة من القانع لن تخذل، وعون الله سبحانه مع ذي الأناة. وما أقرب الصنع من الملهوف! وربما كان الفقر نوعًا من آداب الله ﷿، وخيرةً في العواقب. والحظوظ مراتب. فلا تعجل على ثمرة لم تُدرك، فإنك تدركها في أوانها عذبة. والمدبر لك أعلم بالوقت الذي تصلح فيه لما توصل [به] «٤»؛ فثق بخيرته لك في الأمور كلها.
وقال المهلَّب بن أبي صفرة ﵀ لولده: إذا سمع أحدكم العوراء فليتطأطأ لها تخطَّه.
[ ١٧ ]
قال أبو حازم ﵀: رأيت الدنيا شيئين: لي ولغيري: فما كان لغيري فلا سبيل إليه، وما كان لي فلو جهدت لم أقدر عليه قبل وقته. ففيم أتعب نفسي؟
قال المدائني: لقي رجل راهبًا فقال له: يا راهب، كيف ترى الدهر؟ قال.
يُخلِق الأبدان، ويُجدِّد الآمال، ويُقرِّب المَنيّة. قال: فما حال أهله؟ قال:
من ظفر به تعب، ومن فاته نصب. قال: فما المغني؟ قال: قطع الرجاء. قال:
فأي الأصحاب آثر وأوفى؟ قال: العمل الصالح والتقوى. قال: فأيهم أضرَّ وأردى؟ قال: النفس والهوى. قال: فأين المخرج؟ قال: سلوك المنهج. قال:
وما هو؟ قال: ترك الراحة وبذل المجهود. قال: أوصني، قال: قد فعلت «١» عن الشعبي قال: قلت لابن هبيرة: عليك بالتُؤَدة فإنك على رد ما لم تفعل أقدر منك على رد ما فعلتَ.
عن العتبي، قال: حدثني بعض علماء الفرس أن أردشير قال لابنه: يا بني، إن المُلك والدِّين أخوان، ولا غِنى بأحدهما عن صاحبه، ولا قوِام له إلا به.
الدين أُسٌ، والمُلك حارس؛ فما لم يكن له أس فمهدوم، وما لم يكن له حارس فضائع. يا بني، اجعل مرتبتك «٢» مع أهل المراتب، وعطيتك لأهل الجهاد، وبشرك لأهل الدين، وسرك لمن يعنيه ما عناك من أهل العقل «٣» .
وعن سعد بن عبد العزيز ﵀ «٤» قال: من أحسن فليرجُ الثواب، ومن أساء فلا يستنكر الجزاء، ومن أخذ عزًا بغير حق أورثه الله تعالى ذلًا بحق، ومن جمع مالًا بظلم أورثه الله فقرا بغير ظلم.
[ ١٨ ]
ووصى حكيم ابنه فقال: يا بني، إن المُدْبِر لا يوفَّق لطرق المراشد. فإياك وصحبة المدبر؛ فإنك إن صحبته علق بك إدباره، وإن تركته بعد صحبتك إياه تتبعت نفسك آثاره.
وقال الحكيم: من التوفيق حفظ التجربة.
وقال بعض العلماء: صُنْ عفتك بالحلم، ومروءتك بالعفاف، ونجدتك «١» بمجانبة الخيلاء، وجهدك بالإجمال في الطلب.
كتب حكيم إلى حكيم: من حاسب نفسه ربح، ومن غفل عنها خسر، ومن نظر في العواقب نجا، ومن أطاع هواه ضل، ومن لم يحلم ندم، ومن صبر غنيم، ومن خاف رحِم، ومن اعتبر أبصر، ومن أبصر فهم، ومن فهم علم.
قال أنو شروان لابنه: يا بني، إن من أخلاق الملوك العز والأنفة. وإنك ستُبلى بمداراة أقوام، وإن سَفَهَ السفيه ربما تُطْلَعُ «٢» منه فإن كافأته بالسفه فكأنك رضيت بما أتى. فاجتنب أن تحتذي على مثاله، فإن كان سفهه عندك مذمومًا فحقِّق ذمَّك إياه بترك معارضته بمثله.
عن عطاه بن مسلم الخَفَّاف قال، قال لي سفيان ﵁ «٣»: يا عطاء، احذر الناس، وأنا فاحذر بي. فلو خالفت رجلًا في رمَّانة، قال: حامضة، وقلت: حلوة؛ أو قال «٤»: حلوة، وقلت: حامضة-: لخشيت أن يشيط بدمي. «٥»
أوصى رجل ابنه فقال: إن وصيتي مع وصية الله ﷿ لهجنة، وإنّ
[ ١٩ ]
في التذكرة لَيقظة، وعَوْدُ الخير محمود. وأنا أسترعي لك- بعد وفاتي- الذي أحسن إليك في حياتي. تحرَّ في كل أمرك طاعة الله تنجك، وإيّاك والأخرى فتُردك «١» . وابذل لِجِلَّةِ الناس إكرامَك تنصرف إليك أبصارهم، وابذل لسائرهم بشْرَك يطِبْ ذكرُك في أفواههم. وأصلِح بكلِّ الأدب «٢» لسانك، واستعمل في إصلاحها بدنك؛ فإن الأدب أول مدلول به على عقلك.
وأوصى بعض الحكماء بنيه فقال: أصلحوا ألسنتكم، فإن الرجل تنوبه النائبة فيستعير من أخيه ثوبه، ومن صديقه دابته، ولا يجد من يعيره لسانه.
قال الصولي: كاتبت أبا حنيفة ﵀ «٣» فأغفلت التاريخ، فكتب إلي.
وصل كتابك مبهم الأوان، مظلم البيان، فأدى خبرًا ما القرب فيه بأولى من البعد منه. فإذا كتبت- أعزك الله- فلتكن كتبك موسومة بالتاريخ، لأعرف أدنى آثارك وأقرب أخبارك قال أبو العيناء: سمعت الحسن بن سهل يقول: من أحبَّ الازدياد من النعم فليشكر، ومن أحب المنزلة عند السلطان فليعظه، ومن أحب بقاء عزه فليتواضع، ومن أحب السلامة فليدم الحذر.
قال لقمان لابنه: إياك وصاحب السوء، فإنه كالسيف المسلول: يعجب منظره، ويقبح أثره، ولا يهوننَّ عليك من قبح منظره ورثّ لباسه، فإن الله تعالى إنما ينظر إلى القلوب ويجازي بالأعمال.
[ ٢٠ ]
كان قسّ بن ساعدة يفد على قيصر ويزوره، فقال له: يا قس، ما أفضل العقل؟ قال: معرفة المرء بنفسه. قال: فما أفضل العلم؟ قال: وقوف المرء عند علمه قال: فما أفضل المروءة؟ «١» قال: استبقاء الرجل ماء وجهه. قال: فما أفضل المال؟ قال ما قضي به الحق «٢» .
لما حضرت أبا بكر الصديق- رضوان الله عليه- الوفاة دعا عثمان بن عفان، رضوان الله عليه، وقال: اكتب.
بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قُحافة، في آخر عهده بالدنيا خارجًا منها، وعند أول عهده بالآخرة داخلا فيها؛ حيث يؤمن الكافر، ويوقن الفاجر، ويصدِّق الشاك المكذب: إني استخلفت عليكم بعدي عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا، فإني لم آل الله ورسوله ودينه ونفسي وإياكم خيرًا. فإن عدل فذلك ظني به وعلمي فيه، وإن بدّل فلكلّ امرىء ما اكتسب، والخير أردت، ولا يعلم الغيب إلا الله وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ
[الشعراء: ٢٢٧] والسلام عليكم ورحمة الله. «٣»
روي أن عمر- رضوان الله عليه- أوصى ابنه عبد الله عند الموت، فقال: عليك بخصال الإيمان. قال: وما هنَّ يا أبَه؟ قال: الصوم في شدة أيام الصيف، وقتال الأعداء بالسيف، والصبر على المصيبة، وإسباغ الوضوء في اليوم الشاتي، وتعجيل الصلاة في يوم الغيم، وترك ردْغًة الخَبَال «٤» . قال [فقال]: وما ردغة الخبال؟ قال: شرب الخمر «٥» وقال: إذا قبضت فغمضني، واقتصد
[ ٢١ ]
في الكفن، ولا تخرجن معي امرأة، ولا تزكوني بما ليس فيّ، فإن الله تعالى [هو] أعلم بي. وأسرعوا بي في المشي، فإنه إن كان لي عند الله خيرٌ قدَّمتموني إلى ما هو خير لي، وإن كنت على غير ذلك كنتم قد ألقيتم عن رقابكم شرًا [تحملونه] .
لما حضرت عبد الله بن شداد الوفاة دعا ابنه محمدًا فقال له «١»: يا بني، أرى داعي الموت لا يقلِع، ومن مضى منَّا لا يرجع، ومن بقي فإليه ينزِع، وليس أحد عليه بممتنع «٢»؛ وإني أوصيك- يا بني- بوصية [فاحفظها]:
عليك بتقوى الله [العظيم]، وليكن أولى الأمور بك الشكر لله «٣» وحسن النية «٤» في السر والعلانية. واعلم بأنّ الشاكر مزاد «٥»، والتقوى خبر زاد.
وكن- يا بني- كما قال [الحطيئة]:
ولست أرى السعادة جمع مالٍ، ولكن التقيَّ هو السعيدُ
وتقوى الله خير الزاد ذخرًا، وعند الله للأتقى مزيدُ
وما لا بد أن يأتي قريبٌ ولكن الذي يمضي بعيدُ
ثم قال: يا بني، لا تزهدن في معروف؛ فإن الدهر ذو صروف، والأيام ذات نوائب، على الشاهد والغائب. فكم «٦» من راغب كان مرغوبًا إليه، وطالب قد أصبح «٧» مطلوبًا مالديه. واعلم بأن «٨» الزمان ذو ألوان، ومن يصحب الزمان يرى «٩» الهوان. وكن كما قال أخو بني الدئل «١٠» [أبو الأسود الدؤلى]:
[ ٢٢ ]
وعَدِّدْ «١» من الرحمن فضلًا ونعمةً عليك، إذا ما جاء للخير «٢» طالبُ
وإن امرأً «٣» لا يرتجى الخير عنده يكن هيِّنًا ثِقْلًا على من يصاحبُ
فلا تمنعنْ ذا حاجة جاء طالبًا؛ فإنك لا تدري متى أنت راغبُ
رأيتُ تصاريف الزمان بأهله «٤» وبينهم فيه تكون النوائبُ
ثم قال: يا بني، كن جوادًا بالمال في مواضع الحق، بخيلًا بالأسرار عن جميع الخلق؛ فإن أحمد جود الحر «٥» الإنفاق في وجوه «٦» البر؛ [وإن أحمد بخل الحر]، الضَن بمكتوم السر «٧»، وكن- يا بني- كما قال [قيس بن] الخطيم [الأنصاري]:
أجود بمضنون التلاد وإنني بسرك «٨» عمن سالني لضنين
إذا جاوز الاثنين سرٌ، فإنه بنَثٍّ «٩» وتكثير الحديث قمينُ
وإن ضيَّع الإخوان «١٠» سرًا فإنني كتوم لأسرار العشير «١١» أمينُ «١٢»
وعندي له يومًا إذا ما ائتُمِنتهُ مكانٌ بسوداءِ الفؤاد مكينُ
ثم قال: يا بني، وإن غلبت يومًا عن المال فلا تدع الحيلة بكل مكان «١٣»؛ فإن الكريم محتال، واللئيم مغتال «١٤» . وكن أحسن ما تكون في الظاهر حالًا-:
أقل ما تكون في الباطن مالًا. واعلم أن الكريم من كرمت عند الحاجة
[ ٢٣ ]
طبيعته [وظهرت عند الإنفاد نعمته] وكن كما قال الشاعر [ابن خذّاق العبدي]:
[وجدتُ أبي قد أورثه أبوهُ خلالًا قد تعدُّ من المعالي]
فأكرمُ «١» ما تكون عليَّ نفسي إذا ما قل في الأزمات مالي
[فتحسن سيرتي، وأصون عِرْضي ويجمُلُ عند أهل الرأي حالي]
فإن نلت الغنى لم أغلُ فيه ولم أخصُصْ بجفوتي الموالي
ثم قال: يا بني، وإن سمعت كلمةً من حاسد، فكن كأنك لست بالشاهد، [فإنك] إن «٢» أمضيتها حيالها «٣»، وقع العيب على من قالها. وقد كان يقال: إن الأريب العاقل هو الفطن المتغافل. وكن كما قال حاتم الطائي:
وما من شيمتي شتم ابن عمي وما أنا مخلف من يرتجيني
وكلمة حاسد من غير جرم سمعت، فقلتُ: مرّي فانفذيني
فعابوها عليَّ ولم تعِبْني ولم يعْرَق لها يومًا جبيني
وذو اللونين «٤» يلقاني طليقًا وليس «٥» إذا تغيَّب يأتليني «٦»
بصُرْتُ بعيبهِ فكفَفْتُ عنه «٧» محافظةً على حسبي وديني
ثم قال: يا بني، لا تواخِ أخًا حتى تعاشره وتعرف أمره، وتتفقد موارده ومصادره؛ فإذا استطبت العشرة، ورضيت الخِبرة، فآخه «٨» على إقالة العثرة، والمواساة في العشرة «٩» . وكن- يا بني- كما قال [المقنَّع] الكندي:
[ ٢٤ ]
أُبْلُ الرجالَ إذا أردتَ إخاءهم وتوسَّمَنَّ فَعَالهم «١» وتفقَّدِ
فإذا «٢» ظفرتَ بذي الأمانة والتُّقى فَبِهِ اليَدَيْنِ- قريرَ عَيْنٍ- فاشْدُدِ
وإذا رأيتَ «٣» - ولا محالةَ- زلَّةً فعلى أخيك بفضلِ حِلْمِكَ فارْدُدِ
ثم قال: يا بني، وإذا أحببت حبيبًا فلا تفرط، وإذا أبغضت بغيضًا فلا تشطط، فإنه قد قال أمير المؤمنين رضوان الله عليه «٤»:
«أحبب حبيبك هو نامّا، عسى أن يكون بغيضك يومًا ما. وأبغض بغيضك هونًا ما، عسى أن يكون حبيبك يومًا ما «٥»» . وكن كما قال الشاعر [هدبة بن الخشرم العذري]:
وكنْ معقِلًا للخير، واصفحْ عن الخَنَى «٦» فإنك راءٍ- ما حييتَ «٧» - وسامعُ
وأحبِبْ- إذا أحببت- حبًا مقاربًا فإنك لا تدري متى أنت نازعُ
وأبغض- إذا أبغضت- بغضًا مقاربًا فإنك لا تدري متى الود «٨» راجع
وعليك- يا بني- بصحبة الأخيار وصدق الحديث، وإياك وصحبة الأشرار [فإنه عار] . وكن كما قال الدارمي:
صاحب «٩» الأخيار وارغب فيهم رُبَّ من صاحبته مثلُ الجَرَبْ
[ودَع الناس فلا تشتمهم، وإذا شاتمت، فاشتم ذا حسبْ
إن من شاتم وغدًا كالذي يشتري الصفرَ بأعيان الذهب]
[ ٢٥ ]
وأصدق الناس إذا حدّثتهم ومدع الكذب فمن شاء كذبْ «١»
رُبَّ مهزولٍ سمينٌ عِرْضُه وسمينِ الجسم مهزولُ الحسَبْ
ثم قال: يا بني، وإذا آخيت فآخ من يعد لنوائب الزّمان. وعليك بذوي الألباب الذين ثقفتهم «٢» الآداب، ووثَّقتهم الأحساب، فإنهم أطيبُ مختبر، وأكرم محْتضر، وأعذب معتصر. واحذر إخاء كلِّ جهول، وصحبة كل عجول؛ فإنه لا يغفر الزَّلَة، وإن عرف العلَّة، سريعٌ «٣» غضَبه، عالٍ لهبه، إن سأل ألحف، وإن وعد أخلف، يرى ما يعطيك غُرمًا، وما يأخذ منك غُنْمًا «٤»؛ فهو يرضيك، ما طمع فيك؛ فإذا يئس من خيرك، مال إلى غيرك.
وفي مثله يقول الشاعر «٥»:
لا تواخ- الدهر- جِبْسًا راضعًا مُلْهَبَ «٦» الشرّ، قليل المنفعهْ
ما ينلْ منك فأحلى مغنمٍ ويرى ظرفًا به أن يمنعهْ «٧»
يسألُ الناس ولا يعطيهمُ ثكِلتْهُ أُمُّهُ، وما أطمَعَهْ «٨» !
ثم قال: يا بني، من عتب على الزمان، وتتبع عثرات الإخوان، قطعهُ صديقه، وملَّه رفيقه، واحتماه الأهلون، وظفر به الشامتون، ومن سار في البلاد ثمَّر المراد. وطالب «٩» الكفاف- بالقناعة والعفاف-: يعيش حميدًا، ويموت فقيدًا. وقد قال النابغة «١٠»:
[ ٢٦ ]
إذا المرء لم يطلُب «١» معاشًا لنفسِه شكا الفقر، أو لام «٢» الصديق فأكثرا
وصارَ على الأدنينَ كلًاّ، وأوشكتْ صلاتُ ذوي القربى له أن تنكَّرا
فسرْ في بلاد الله والتمسِ الغنى، تعِشْ ذا يسارٍ أو تموتَ فتُعذرَا
وما طالبُ الحاجاتِ في كل وجهة «٣» من الناس، إلا من أجدَّ وشمَّرا «٤»
ولا ترْضَ «٥» من عيشٍ بدونٍ، ولا تنمْ وكيف ينامُ الليلَ من باتَ مُعْسِرا «٦»؟
ثم قال: وليكن إخوانك وأهل بطانتك أولِي الدين والعفاف، والمروءات والأخلاق الجميلة؛ فإني رأيت إخوانَ المرء يده التي يبطش «٧» بها، ولسانه الذي يصول به، وجناحه الذي ينهض به. فاصحب هؤلاء تجدهم إخوانًا، وعلى الخير أعوانًا. واجتنب الصِّغار الأخطار، اللئام الأقدار، الذين لا يحامون على حسب، ولا يرجعون إلى نسب، ولا يصبرون على نائبةٍ، ولا ينظرون في عاقبةٍ؛ فإنهم إن رأوك في رخاءٍ سألوك، وإن رأوك في شدةٍ أسلموك؛ ولعلهم أن يكونوا عليك مع بعض الأعداء.
واعلم بأن الرجل بلا خدِين، كذي الشِّمال بلا يمين. واخلِطْ نفسك مع الأبرار، وطهرها من الفجَّار، فالمرء يُعرف بقرينه. وقد قال الشاعر «٨»:
وقارن- إذا قارنتَ- حرًا، فإنما يزينُ ويُزري بالفتى قرناؤه
[ ٢٧ ]
ولن يهلك الانسانُ إلا إذا أتى من الأمر [ما لم يرضهُ نُصَحَاؤهُ] «١»
إذا قلَّ ماء الوجه قلَّ حياؤهُ ولا خيرَ في وجه إذا قلَّ ماؤُهُ
ثم قال: يا بني، قد جمعت لك مصالح نفسك، فاستفتح الله بمسامع عقلك؛ وتفهَّم ما وصفت لك بالتجارب، تحُزْ «٢» صلاح العواقب.
واعلم أن من حاسب نفسه تورَّعْ، ومن غفل عنها خسر، ومن نظر في العواقب نجا، ومن اعتبر أبصر، ومن فهم علم؛ وفي التواني تكون الهلكة، وفي التأني السلامة. وزارع البر يحصد السرور. والقليل مع القناعة في القصد، خير من الكثير مع السرف في المذلة. والتقوى نجاة، والطاعة ملك؛ وحليف الصدق موفق، وصاحب الكذب مخذول؛ وصديق الجاهل تعب، ونديم العاقل مغتبط. فإذا جهلت فسلْ، وإذا ندمت فأقلع، وإذا غضبت فأمسك. ومن لاقاك بالبشر فقد أدّى إليك الصنيعة، ومن أقرضك الثناء فاقضِهِ الفضل.
وضع- يا بني- الصنائع عند الكرام ذوي الأحساب، ولا تضعَنَّ معروفك عند اللئام فتضيعه، فإن الكريم يشكرك ويرصدك بالمكافأة، وإن اللئيم يحسب ذلك حتمًا، ويؤول أمرك معه إلى المذلة. وقد قال الشاعر:
إذا أوليتَ معروفًا لئيمًا فعدَّك قد قتلتَ له قتيلا
فعُدْ- من ذاك- معتدرًا إليه وقلْ: «إني أتيتك مستقيلا
فإن تغفر فمجترمٌ عظيمٌ وإن عاقبت لم تظلم فتيلا»
وإن أوليت ذلك ذا وفاءٍ فقد أودعته شكرًا طويلا
[ ٢٨ ]
لما حضرت المهلب بن أبي صفرة ﵀ الوفاة، قال لولده وأهله: أوصيكم بتقوى الله، وصلة الرحم: فإن تقوى الله تعقب الجنّة؛ وإن صلة الرّحم تنسىء الأجل، وتثري المال، وتجمع الشمل، وتكثر العدد وتعمر الديار، وتعز الجانب.
وأنهاكم عن معصية الله تعالى، فإن معصية الله تعقب النار؛ وإن قطيعة الرحم تورث الذلة والقلة، وتقل العدد، وتفرّق الجمع، وتذر الديار بلاقع، وتذهب المال، وتطمع العدو، وتبدي العورة.
يا بنيّ، قومك قومك: إنه ليس لكم فضل عليهم، بل هم أفضل منكم، إذ فضلوكم وسودوكم، أوطؤا أعقابكم، وبلغوا حاجتكم فيما أردتم وأعانوكم؛ فإن طلبوا فأطلبوهم، وإن سألوا فأعطوهم، وإن لم يسلوا فابتدئوهم، وإن شتموا فاحتملوهم، وإن غشوا أبوابكم فلتفتح لهم ولا تغلق دونهم.
يا بني، إني أحب للرجل منكم أن يكون لفعله الفضل على لسانه، وأكره للرجل منكم أن يكون للسانه الفضل على فعله.
يا بني، اتقوا الجواب، وزلة اللسان: فإني وجدت الرجل تعثر قدمه فيقوم من زلته وينتعش منها سويًا، ويزل لسانه فيوبقه ويكون فيه هلكته.
يا بني، إذا غدا عليكم رجل وراح فكفى بذلك مسألة وتذكرة بنفسه.
يا بني، ثيابكم على غيركم أجمل منها عليكم، ودوابكم تحت غيركم أجمل منها تحتكم.
يا بني، أحبوا المعروف، وأنكروا المنكر واجتنبوه؛ وآثروا الجود على البخل؛ واصطنعوا العرب وأكرموهم، فإن العربي تعده العدة فيموت دونك،
[ ٢٩ ]
ويشكر لك، فكيف بالصنيعة إذا وصلت إليه في احتماله لها وشكره، والوفاء منه لصاحبها؟
يا بني، سودوا أكابركم، واعرفوا فضل ذوي أسنانكم؛ وارحموا صغيركم وقربوه وألطفوه، وأجبروا يتيمكم وعودوا عليه بما قدرتم؛ ثم خذوا على أيدي سفهائكم، وتعاهدوا فقراءكم وجيرانكم بما قدرتم عليه؛ واصبروا للحقوق ونوائب الدهور؛ واحذروا عار غدٍ؛ وعليكم في الحرب بالأناة والتؤدة في اللقاء، وعليكم بالتماس الخديعة في الحرب لعدوكم؛ وإياكم والنزق والعجلة، فإن المكيدة والأناة والخديعة أنفع من الشجاعة والشدة.
واعلموا أن القتال والمكيدة مع الصبر، فإذا كان اللقاء، نزل القضاء المبرم.
فإن ظفر المرء وقد أخذ بالحزم قال القائل: قد أتى الأمر من وجهه؛ وإن لم يظفر قال: ما ضيَّع ولا فرَّط، ولكن القضاء غالب.
يا بني، الزموا الحزم على أي الحالين وقع الأمر؛ والزموا الطاعة والجماعة؛ وتواصلوا وتوازروا وتعاطفوا، فإن ذلك يثبت المودة، وتحابوا؛ وخذوا بما أوصيكم به بالجد والقوة، والقيام به والتعهد له، وترك الغفلة عنه، تظفروا بدنياكم ما كنتم فيها، وآخرتكم إذا صرتم إليها، ولا قوة إلا بالله.
يا بني، وليكن أول ما تبدؤن «١» به أنفسكم إذا أصبحتم تعلم «٢» القرآن والسنن، وأداء الفرائض؛ وتأدبوا بأدب الصالحين من قبلكم من سلفكم؛ ولا تقاعدوا أهل الدعارة «٣» والريبة، ولا تخالطوهم، ولا يطمعن في ذلك منكم.
وإياكم والخفة في مجالسكم وكثرة الكلام، فإنه لا يسلم منه صاحبه. وأدوا حق الله
[ ٣٠ ]
تعالى عليكم؛ فإني قد أبلغت إليكم في وصيتي، واتخذت الله حجة عليكم.
وتوفي بمرْوٍ الروذ بعد ولاية خراسان أربع سنين. وفيه يقول نهار بن توسعة [التميمي]:
ألا ذهب الغزو المقرِّبُ للغنى ومات الندى والجود بعد المهلَّبِ
أقاما بمرو الروذ رهن ترابه «١» وقد غيبا عن كل شرقٍ ومغربِ
قال الشاعر من وصية عبد الملك بن مروان لبنيه:
انفوا الضغائن والتخاذل عنكمُ عند البعيد، وفي الحضور الشُهَّدِ
بصلاح ذات البين طول بقائكم إن مدَّ في عمري وإن لم يمددِ
فَلِمثل ريب الدهر ألفةُ بينكم بتواصلٍ وتراحمٍ وتوددِ
وانفوا الضغائن والتخاذل عنكم بتكرم وتوسع وتغمدِ «٢»
حتى تلين جلودكم وقلوبكم لمسودٍ منكم وغير مسودِ
إن القداحَ إذا اجتمعنَ فرامَها بالكسْرِ ذو بطشٍ شديد أيِّدِ «٣» -:
عزَّتْ فلم تُكْسر؛ وإن هي بدِّدَتْ فالوهنُ والتكسيرُ للمتبددِ
وقال آخر:
وادنُ ليدنو منك مَنْ كان نائيًا وَشُبْ منك بعض اللين والبذل في العُدْمِ
تنلْ بارتجاءِ القوم والخوف طاعةً فتوصف في التدبير بالحزم والعزمِ
وقال آخر:
نظيرك لا تُظهر عليه تطاولًا فتملأَ ضِغْنًا صدره بالتّطاول
[ ٣١ ]
ولكن له لِنْ، وارعَ- إن كنت راعيًا- له الحق وارمم حاله بالنوافلِ «١»
وقال آخر:
ولا تهدمنَّ بنيان من قد وجدتهُ بنى «٢» لك بنيانًا، وكن أنت بانيا
وقال آخر:
ولا تأمننَّ الدهر حرًا وترتَهُ «٣» ولا تحسبنه ليله «٤» عنك نائما
[ ٣٢ ]