روي: أن المازني قال يومًا لأصحابه: ما أحسن ما قيل في الاعتذار؟
فأنشدوه ما حضرهم «٤»، فقال: أحسن ما قيل في الاعتذار قول النابغة الذبياني:
سيري إليه فإما رحلةٌ نفعت أو راحة القلب من هم وتعذيبِ
فإن عفوت فعفوٌ غير مؤتنفٍ وإن قتلت فوترٍ غير مطلوبِ «٥»
نسب المازني هذين البيتين إلى النابغة، وقد وقفت على عدة نسخ من شعر النابغة، فما رأيت هذين البيتين فيما دون من شعره «٦» .
وقال النابغة يعتذر إلى النعمان «٧»:
[ ٣٧٧ ]
وعيد أبي قابوس في غير كنهه أتاني ودوني راكسٌ فالفوارعُ «١»
فبت كأني ساورتني ضئيلةٌ من الرقش في أنيابها السم ناقعُ
وأخبرت- خير الناس- أنك لمتني وتلك التي تستك منها المسامعُ «٢»
أتوعد عبدًا لم يخنك أمانةً وتترك عبدًا ظالمًا وهو ظالعُ؟! «٣»
حملت علي ذنبه وتركته كذي العر يكوى غيره وهو راتعُ «٤»
أتاك بقول لهله النسج كاذبٍ ولم يأتك الحق الذي هو ساطعُ «٥»
فإن كنت لا ذا الضّغن عني مكذبًا ولا حلفي على البراءة نافعُ «٦»
ولا أنا مأمونٌ بشيءٍ أقوله وأنت بأمرٍ لا محالة واقعُ
فإنك كالليل الذي هو مدركي وإن خلت أن المنتأى عنك واسعُ
وأنت ربيع ينعش الناس سيبه وسيفٌ أعيرته المنية قاطعُ «٧»
أبى الله إلا عدله ووفاءه فلا النّكر معروف ولا العرف ضائع
[ ٣٧٨ ]
وقال أيضا يعتذر «١»:
فداء لامرىء سارت إليه بعذرة ربها عمي وخالي «٢»
فإن كنت امرءًا قد سؤت ظنًا بعبدك والخطوب إلى تبالِ
فأرسل في بني ذبيان فاسأل ولا تعجل إلي عن السؤالِ
فلا عمر الّذي أثني عليه وما رفع الحجيج إلى إلالِ «٣»
لما أغفلت شكرك فانتصحني وكيف ومن عطائك جلَّ مالي؟
ولو كفي اليمين بغتك خونًا لأفردت اليمين من الشمالِ
وقال [أيضًا] يعتذر إلى النعمان «٤»:
حلفت فلم أترك لنفسك ريبةً وليس وراء الله للمرء مذهبُ
لئن كنت قد بلغت عني خيانةً لمبلغك الواشي أغش وأكذبُ
ولكنني كنت امرءًا لي جانبٌ من الأرض فيه مسترادٌ ومطلبُ «٥»
ملوكٌ وإخوانٌ إذا ما أتيتهم أحكم في أموالهم وأقرَّبُ
كفعلك في قومٍ أراك اصطنعتهم فلم ترهم في مثل ذلك أذنبوا «٦»
فلا تتركني بالوعيد كأنني لدى الناس مطليٌ به القار أجربُ «٧»
أتاني- أبيت اللعن- أنك لمتني وتلك التي أهتمّ منها وأنصب
[ ٣٧٩ ]
ولست بمستبقٍ أخًا لا تلمه على شعثٍ، أي الرجال المهذبُ؟!
فإن أكُ مظلومًا فعبدٌ ظلمته وإن تك ذا عتبى فمثلك يعتبُ «١»
وقول علي بن الجهم:
إن الذين سعوا إليك بباطلٍ أعداء نعمتك التي لا تجحدُ
شهدوا وغبنا عنهم فتحكموا فينا، وليس كغائبٍ من يشهدُ
لو يجمع الخصماء عندك مجلسٌ يومًا لبان لك الطريق الأرشدُ
فالشمس لولا أنها محجوبةٌ عن ناظريك لما أضاء الفرقدُ «٢»
قال مؤلف الكتاب من قصيدة يعتذر فيها:
هبني أتيت بجهلٍ ما قُذفت به فأين فضلك والحلم الذي عرفا؟
ولا ومن يعلم الأسرار حلفة من يبر فيما أتى إن قال أو حلفا
ما حدثتني نفسي عند خلوتها بما تعنفني فيه إذا انكشفا
وقال أيضًا في جواب عتاب «٣» وصله من أخيه ﵀:
أبا حسنٍ، وافى كتابك شاهرًا صوارم عتبٍ كل صفحٍ لها حدُّ
فقابلت بالعتبى مضيض عتابه ولم يتجهمه الحجاج ولا الردُ «٤»
وأعجبني عيي لديه ولم أزل إذا لم تكن خصمي لي الحجج اللدُّ «٥»
فياحبذا ذنبٌ إلي نسبته وما خطأٌ مني أتاه ولا عمد
[ ٣٨٠ ]
ولو كان ما بُلغته فظننته لكفره حق الأخوة والودُّ
فأهلًا بعتبٍ تستريح ببثه ويؤمنني أن يستمر بك الحقدُ
لقد راق في قلبي ولذَّ سماعه بسمعي، فزدني من حديثك يا سعد