قول المقنع الكندي «١»:
يعاتبني في الدين قومي، وإنما ديوني في أشياء تكسبهم حمدا «٢»
أسد بها ما قد أخلوا وضيعوا ثغور حقوق ما أطاقوا لها سدا
فإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا
ولا أحمل الحقد القديم عليهم وليس يسود القوم من يحمل الحقدا
لهم جلّ مالي إن نتابع لي غنىً وإن قل مالي لم أكلفهم رفدا
وإني لعبد الضيف مادام ثاويًا وما شيمةٌ لي غيرها تشبه العبدا
وقال الأسيدي «٣»:
إني ليمنعني من ظلم ذي رحمٍ لب أصيل وحلم غير ذي وصمِ
إن لان لنت وإن دبت عقاربه ملأت كفيه من صفحٍ ومن كرمٍ
وقال عطية بن العيسر بن محزر: «٤»
[ ٣٨١ ]
ومولى كداء السّوء لاخير عنده ولا شر إلا ما أصاب الأدانيا
عديمٌ من الأخلاق إلا أدقها وألأمها يزجي إليَّ الدواهيا
ألا قد أرى والله أن لست فاعلًا كفعلي ولا تبلي كمثل بلائيا
ولست بأن ناوأت قومًا بناصري عليهم، ولا إن قلَّ مالي مواسيا
وقال المبرد:
وإني للبَّاس على المقت والأذى بني العم منهم كاشحٌ وحسودُ
أذبُّ وأرمي بالحصى من ورائهم وأبدأ بالحسنى لهم وأعودُ «١»
وقال ثابت قطنة: «٢»
تعففت عن شتم العشيرة إنني وجدت أبي قد عف عن شتمهم قبلي
حليمٌ إذا ما الحلم كان مروءةً وأجهل أحيانًا إذا التمسوا جهلي
وقال عمرو بن لبيد الرياحي: «٣»
أبلغ إهابًا كلها وأُهيبها وشر صديق المرء من لا يعاتبهْ
إهاب وأهيب: ابنا رياح، وهما حيان.
فما تركت أحلامكم من صديقكم لكم من أخٍ إلا قد ازورَّ جانبهْ
وقال أبو الشعر الضبي:
قل لمولاي الذي لا شره كف بالأمس ولا الود بذلْ:
إن للدهر خطوبًا جمةً ذات إبرامٍ ونقضٍ لو عقل
[ ٣٨٢ ]
ليس مولاك الذي يأبى الندى وإذا ما هُزَّ للنصر خذلْ
إنما مولاك من ترمي به من ترامي حين يشتد الوهلْ
والذي إن خضت يومًا غمرةً خاضها إن ناكلٌ عنك نكل
خذلوني أن أُلمَّت عثرةٌ واتقوني بمعاذير العللْ «١»
وقال عبد الله بن المعتز «٢»:
يا نازحًا أُحرجت من ذكره قد ذاق قلبي منك ما خافا «٣»
فابخل بإخوانك واستبقهم لا تنفق الإخوان إسرافا
وقال عمران بن عصام العنزي «٤»:
ولم أرَ مثل الحلم خير مغبةٍ ولا مثل عقبى الطيش والجهل والظلمِ
جهلتم فلم نحلم وكنا وأنتم حقيقين أن نلقى العشيرة بالحلم «٥»
فإذ لم يكن حلمٌ وفالت عقولنا جميعًا فما هذا التهدد بالهضمِ؟!
فكفوا وداووا ما مضى بحلومكم فذلك أدنى للتكرم والحزمِ
وقال أبو العباس الأعمى، وهو السائب بن فروخ مولى لبنى جذيمة «٦»:
[ ٣٨٣ ]
لحى الله مولى السوء لا أنت راغبٌ إليه ولا رامٍ به من تحاربهْ «١»
وما قرب مولى السوء إلا كبعده بل البعد خيرٌ من عدوٍ تقاربهْ «٢»
من الناس من يدعى صديقًا ولو ترى خبية جنبيه لساءك غائبهْ «٣»
يمن ولا يعطي ويزعم أنه كريم، ويأبى لؤمه وضرائبهْ
وإني وتأميلي جذيمة كالذي يؤمل ما لا يدرك الدهر طالبهْ «٤»
يمنون ما يعطي العلاء بن طارقٍ علي وما يشقى به من يحاربهْ
فأما إذا استغنيتم فعدوكم وأدعى إذا ما غصَّ بالماء شاربهْ «٥»
[ ٣٨٤ ]
فإن يك قومي أهل شاءٍ وجاملٍ ومالٍ كثير لا تعدّ مساربه
فما لي في أموال قومي حاجةٌ ولا عزهم، ما عاجل الظل آيبهْ
وكنتم كغيث الرك من يرع دونه يقصر، ومن يطلب حيًا فهو جادبهْ «١»
فما تركت أحلامكم من صديقكم لكم صاحب إلا قد ازور جانبهْ
وقال الشريف الرضي «٢»:
ولي صاحبٌ كالرمح زاغت كعوبه أبى بعد طول الغمز أن يتقوما «٣»
تقبلت منه ظاهرًا متبلجًا وأصمر دوني باطنًا متجهما «٤»
فأبدى كنور الروض رفت فروعه وأضمر كالليل الخداريِّ مظلما «٥»
ولو أنني كشفته عن ضميره أقمت على ما بيننا اليوم مأتما «٦»
حملتك حمل العين لج بها القذى فلا تنجلي يومًا ولا تبلغ العمى «٧»
فلا باسطًا بالسوء إن ساءني يدًا ولا فاغرًا بالذم إن رابني فما «٨»
هي الكف مضٌ حملها بعد دائها وإن قطمت شانت ذراعًا ومعصما «٩»
[ ٣٨٥ ]
لوالدي مجد الدين أبي سلامة مرشد بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ ﵀ أبيات من قصيدة تقارب هذا المعنى وهي «١»:
فيالي من ريب الزّمان وصرفه ومالي من هم أفاعيه لن تُرقى «٢»
وإن أظهر الشكوى أجد غير راحمٍ يسر شماتًا بي وإن أحسن الملقى «٣»
فيبدي نهارًا مشرقًا من وداده ويضمر من غل دجوجنه قلقا «٤»
تجاهلت عما ساء من كل صاحبٍ كأني جمادٌ لا أحس بما ألقى
وقال نهشل بن حري «٥»:
ومولىً عصاني واستبد برأيه كما لم يطع بالبقتين قصيرُ «٦»
فلما رأى أن غب أمري وأمره وولّت بأعجاز الأمور صدور «٧»
ممنّى أخيرًا أن يكون أطاعني وقد حدثت بعد الأمور أمورُ
وقال الزبير بن عبد الله بن الزبير «٨»:
ومولىً كداء البطن أو فوق دائه يزيد موالي الصدق خيرًا وينقصُ
[ ٣٨٦ ]
تربصت أرجو أن يثوب ويرعوي إلى الحلم حتى استيأس المتربصُ «١»
وقال آخر، ويروى للزبرقان بن بدر «٢»:
ولي ابن عمٍ لا يزا ل يعيبني ويعين عائبْ
وأعينه في النائبا ت ولا يعين على النوائبْ
[تسري عقاربه إليّ ولا تناوله عقاربْ «٣»]
لاهِ ابن عمك لا تخا ف المخزيات من العواقبْ «٤»
دعني أعنك على الزما ن وأغن عنك بكل جانبْ
إني كسيفك في يمين ك لا ألين لمن تحارب
وقال آخر «٥»:
عذرت السّابقين إلى لسع ال عقارب غيركم عمرو بن كعبِ
ألم أبذل لكم ودي ونصحي وأصرف عنكم ذربي ولغبي «٦»
وأجعل كل مضطهد أتاني يريد النّصر بين حشى وخلب «٧»
[ ٣٨٧ ]
واحفظ ما شهدت إذا أضعتم وينسح عنكم الأقصين كلبي؟!
إذا قرمٌ سما بغيا عليكم تنكب عن شديد الركن صلبِ
رآني معنقًا أمشي إليه فولى يتقي غضبي وعضبي «١»
وقال كثير بن عبد الرحمن الحزاعيّ «٢»:
أود لكم خيرًا وتطرحونني أكعب بن عمرو لاختلاف الصّنائع «٣»
وكيف لكم صدري سلم وأنتم على حسك الشحناء حنو الأضالعِ «٤»
أحاذر أن تلقوا ردىً ومطيكم خواضعُ تبغيني حمام المصارغ «٥»
على كل حال قد بلوتم خليقتي على الفقر مني والغنى المتتابعِ
وإني لمستأنٍ ومنتظر بكم على هفوات فيكم وتتايعِ «٦»
وبعض الموالي تتقى درءآته كما تتقى روس الأفاعي الأضالعِ «٧»
[ ٣٨٨ ]
قال أبو الحسن المدائني «١»: لما ادعى معاوية بن أبي سفيان ﵀ زياد بن عبيد، وقدم بذلك عمرو بن العاص المدينة-: جزعت بنو أمية من ذلك جزعًا شديدًا، فقدموا الشأم بأجمعهم، ونزلوا في مكان واحد، ووجدوا مروان بن الحكم قد كتب له معاوية بن أبي سفيان عهدًا بولاية المدينة، فأتوه فقالوا «٢» له: أنت شيخنا وكبيرنا، وقد ترى ما ركبنا «٣» به معاوية من أمر ليس لنا عليه صبر ولا قرار، ولا ينام على مثله الأحرار، ويعذر بعض الإعذار «٤» -: إدخاله من ليس منا، يريد أن يدخله على حرمنا ونسائنا، وإيثاره علينا من هو دوننا، وقد أجمع رأينا على أن نعاتبه في ذلك، فإن قبل قبلنا، وإن أبى اعتزلنا. فقال مروان: قد والله كلمته في ذلك ثلاث مرات، ليس فيها مرة إلا وهو يظهر التعتب والتغضب، ويزعم أني في هذا الأمر أوحد. فقال سعيد بن العاص: لا والله، ولكنك تحامي على عهدك، وتبقي على ولايتك. فقال مروان: والله لصلاحكم في فساد عهدي أحب إلي من فسادكم في صلاح عهدي، فادخلوا على الرجل فكلموه بملء أفواهكم، فإنه
[ ٣٨٩ ]
حليم أديب أريب. فانطلق القوم بجماعتهم، وتخلف عنهم مروان. فذهبوا حتى استأذنوا على معاوية، فلما أخبره الآذن بمكانهم قال له: احبسهم بين البابين، وأرسل إلى قواد أهل الشأم ورؤسائهم، فجمعهم عنده، وأفام الرجال بين يديه بالأعمدة والسيوف، ثم أذن لهم، فلما دخلوا عليه سلموا، فأحسن الرد عليهم، ثم قال: قرب الله الديار، وأدنى المزار، ما لذي أقدمكم؟ أزيارة فتحظى؟
أم سخط فيرضى؟ أم حاجة فتقضى؟ قالوا: لكل جئنا يا أمير المؤمنين. قال:
تكلموا، فسكت القوم، ومثل عبد الرحمن بن الحكم- أخو مروان- بين يديه فقال: يا أمير المؤمنين، أتتك عصبة من فصيلتك، وآخرون من أسرتك وعشيرتك، كلهم عارف بفضلك، راعٍ لحقك، ناشرٌ لشكرك-: في أمر قبره خير من نشره، وإماتته خير من ذكره، جئناك لأمر عجزت عن حمله الجنوب، وضاقت الصدور والقلوب، وكرهنا أن لا نذكره لك فينبت في صدورنا، ولا يحصد لزمانه، ولا يصيره لإبانه «١»، وهي المصيبة الخطرة «٢»، واللأواء المبيرة «٣»، واعلم أنّا لم نأتك تجرمًا ولا تعيثًا «٤» ولا بطرًا، فإن تأذن تكلمنا، وإن تأب سكتنا. قال: هات، لله أنت! قال: يا أمير المؤمنين، إن أمية بن عبد شمس ولد عشرة ذكور: حربًا وأبا حربٍ، وسفيان وأبا سفيان والعاص وأبا العاص، والعيص وأبا العيص «٥»، ولم يلد عبيد عبد ثقيف ولا
[ ٣٩٠ ]
العاص بن وائل، وإنك قد جعلت عمروا وزيادًا شعارك دون دثارك، ونفسك التي بين جنبيك، ثم لم ترض لابن عبيد حتى نسبته إلى أبيك، عضيهة لأبيك «١»، وإزراء ببنيك، مع ما في ذلك من السخط لربك، والمخالفة لنبيك ﷺ، إذ قضى: أن الولد للفراش وللعاهر الحجر، فقضيت الولد للعاهر وللفراش الحجر، فرفعت أمرًا كان حقيرًا، وشهرت أمرًا كان خاملًا صغيرًا، تريد أن تدخله على حرمك ونسائك، ثم أنشأ يقول:
أترضى يا معاوية بن حربٍ بأن تعطي حراثمك العبيدا
كأني والذي أصبحت عبدًا له بالقوم قد شكروا يزيدا
فإن ترجع فقد لقيت رشدا وإن تجمع فلم تطع الرشيدَ «٢»
فأما عمرو بن العاص فقد الزمت نفسك الحاجة إليه، وألزم نفسه الغناء عنك، وايم الله لنحن أنصح جيوبًا وأوجب حقًّا وأمسّ رحمًا، وما من أمرٍ يبلغه عمرٌو فنعجز عنه لتقصيرٍ بنا ولا وهنٍ منّا، لكنك رفعت المرء فوق قدره، حتى طمح بفخره، وزخر ببحره، فصار كأنه شيءٌ وليس بشيءٍ، وإنّ مثلنا ومثلك كما قال الأوّل «٣»:
مِنَ النّاسِ مَنْ يصلُ الأبعدينَ ويشقَى بهِ الأقربُ الأقربُ
قال: ثم إنّ مروان أدركه تذمّم «٤» من تخلفه عن القوم، فلحق بهم عند انقضاء
[ ٣٩١ ]
كلام أخيه، فلما رآه معاوية قال: إيه يا مروان! عن رأيك صدر القوم حتى أسمعوني ما سمعت؟ قال: يا أمير المؤمنين، إنّ لنا ولك مثلًا. قال: هات خطّط كخطط أخيك. قال: يا أمير المؤمنين، إن عديّ بن زيدٍ العباديّ لما حبسه النعمان بن المنذر في السجن قال «١»:
أبَا منذرٍ جازيتَ بالودِّ سخطةً فماذَا جزاءُ المبغضِ المتبغضِ «٢»
فجازيتهُ فِي ذَا المثالِ كرامةً ولستُ لشيءٍ بعد بالمتعرّض «٣»
فإنا والله- يا أمير المؤمنين- غير عائدين لشيء من معاتبتك في هذا الأمر، فإن تراجع قبلنا، وإن تأب أمسكنا، مع أنك لو قدرت تتكثر بالزنج على آل «٤» أبي العاص لفعلت، تكرّها لجلدٍ فيهم، وتبرمًا بمدتهم، وايم الله ما هذا جزاؤهم منك، لقد أثروك وواسوك، فما جازيت ولا كافأت. فقام معاوية مغضبًا «٥»، وقال للحرس: شدّوا أيديكم بالقوم. ثم دخل، وأجلسوا «٦» طويلًا حتى ساء ظنهم، ثم خرج مقطّبًا بين عينيه، فجلس على سريره، وأقبل بوجهه، وتمثل بأبيات «٧»:
[ ٣٩٢ ]
لدي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصاء ومَا علمَ الإنسانُ إلاَّ ليعلمَا
ولوْ غيرُ أخوالِي أرادُوا نقيصتِي جعلتُ لهمْ فوقَ العرانينِ ميسمَا «١»
ومَا كنتُ إلاَّ مثلَ قاطعِ كفّهِ بكفٍ لهُ أخرَى فأصبحَ أجذمَا
يداهُ أصابتْ هذهِ حتفَ هذهِ فلمْ تجدِ الأخرَى عليهَا مقدّمَا «٢»
فلمّا استقادَ الكفَّ بالكفِّ لمْ يجدْ لهُ دركًا فِي أنْ تبينَا فأحجمَا «٣»
فأطرقَ إطراقَ الشّجاعِ ولوْ يرَى مساغًا لنابيهٍ الشّجاعُ لصمّماَ «٤»
ثم قال: هذا الذي حجزني عنكم، وايم الله، لقد قطعتم من زيادٍ رحمًا قريبةً واشجةً، وقلتم عليه البهتان بغير تثبّتٍ ولا بيان، ولقد وضع الله ما كان في الجاهلية من سفك الدماء، والشرك برب السماء، فذلك أعظم مما كان فيه أبو سفيان، وايم الله، ما الله راقبتم، ولا لي نظرتم، بل أدرككم الحسد في القديم «٥» لبني حربٍ، ولئن عدتم لشيءٍ مما أرى، أو أتاني «٦» عنكم من ورا ورا-: لأنهلنّكم صبرًا، ولأعلنكم «٧» علقمًا، حتى تعلموا- في طول حلمي- أن قد منيتم بمن إن حزَّ قطع، وإن همز أوجع، وإن همّ فجع، ثم لا تقال «٨» لكم العثرات، ويستصعب عليكم منّي ما كان وطيّا «٩» .
[ ٣٩٣ ]
ويتوغّر عليكم ما كان سهلًا، فأمّا قولكم: إني أصبت السلطان بسببكم-:
فقد علمتم- يا آل العاص- أن عثمان قتل وأنا غائبٌ وأنتم حضورٌ، فما كان فيكم من مد ذراعًا، ولا اشال «١» باعًا، أسلمتموه «٢» للحتوف، وغمدتم بعده السيوف، فما نصرتموه ولا منعتموه بأكثر من الكلام، وكان سبب ما ألب عليه الناس «٣» وأجلبوا ما كان من إيثاره إياكم بالفيء والقسم، وفي ذلك قطعت أوداجه، وسفك دمه على أثباجه «٤»، واستحلت حرمته، ونكثت بيعته، فما شببتم نارًا، ولا طلبتم ثأرًا، حتى كنت أنا المطالب بالثأر، والمثكّل للأمهات، ولقد منيت في الطلب بدمه بحرب امريءٍ لا يغيض بحره، ولا يذلّ نحره، من إن قرعته لم يفزع «٥»، وإن أطمعته لم يطمع: من لا تخور قناته، ولا تصدع صفاته «٦»: من لا يطعن في قرابته وفهمه وعلمه وسابقته ومبين بلائه «٧» . وإنّي كالحيّة الصمّاء لا يبلّ سليمها «٨»، ولا ينام كليمها، وإني للمرء إن همزت كسرت، وإن كويت أنضجت، فمن شاء فليشاور، ومن شاء فليؤامر، مع أنهم لو عاينوا من يوم الهرير «٩» ما عاينت، أو ولوا
[ ٣٩٤ ]
منه ما وليت، إذ شد علينا أبو حسنٍ في كتائبه، وعن يمينه وشماله أهل البصائر، وكرام العشائر، فهناك شخصت الأبصار، وارتفع الشرار وقارعت الأمهات عن ثكلها، وذهلت عن حملها، واحمرّت الحدق، واغبر الأفق، وألجم العرق، وسال العلق، وثار القتام، وصبر الكرام، وحام اللئام، وحضر الفراق، وأزبدت الأشداق، وقامت الحرب على ساقٍ، وتضاربت الرجال بنصالها، بعد يأسٍ من مآلها، وتقصّفٍ من رماحها، فلا نسمع إلا التغمغم من الرجال، والتحمحم من الخيول»
، ووقع السيوف كأنه دقّ غاسل خشبته على منصبته، فكان ذلك دأبنا يومنا حتى رهقنا «٢» الليل بغسقه، ثم انبلج الصبح بفلقه، فلم يبق من القتال إلا الهرير والزّئير «٣» . فقال عمرو ابن العاص: أما والله لو شهدتم ذلك اليوم لعلمتم أنّي أحسن بلاءً، وأصبر في اللأواء «٤»، وإني وإياكم لكما قال الأوّل:
وأعرضُ عنْ أشياءَ لوْ شئتُ قلتهَا ولوْ قلتهَا لمْ أبقِ للصلحِ موضعَا
فان كان أمير المؤمنين صيّرني شعاره دون دثاره فقد أوليته ذلك من نفسي، وقد عجمني وسبرني فوجدني وفيًّا شكورًا، إذ لم تشكروه ولا أنتم معه، وقد طلبنا بدم أمير المؤمنين- المقتول ظلمًا- إذا لم تطلبوه، وصبرنا لقراع الكتائب وظبات القواضب «٥»، وأنا أسألك- يا أمير المؤمنين- أن تغفر
[ ٣٩٥ ]
للقوم ما قالوا، وتتغمد لهم ما نالوا «١»، فإنهم غير عائدين إلى أمر تكرهه.
فقال معاوية: قد فعلت إن هم فعلوا. ثم نهض ونهض القوم، فلم يكن بينهم في هذا الأمر معاودة.