قول يزيد بن الحكم لأخيه عبد ربّه بن الحكم «٢»:
[ ٣٩٦ ]
تكاشرنِي كُرهًا كأنكَ ناصحٌ وعينكَ تبدِي أنَّ صدركَ لِي دوِي «١»
لسانكَ لِي أريٌ وغيبكَ علقمٌ وشرُّكَ مبسوطٌ وخيركَ ملتوِي «٢»
تقاربُ منْ أطوي طوى الكشح دونهُ ومنْ دونِ منْ صافيتهُ أنتَ منطوِي
تصافحُ منْ لاقيتَ لِي ذَا عداوةٍ صفاحًا وغيي بينَ عينيكَ منزوِي «٣»
أراكَ إذَا لمْ أهوَ أمرًا هويتهُ ولستَ لمَا أهوَى منَ الأمرِ بالهوَى
أراكَ اجتويتَ الخيرَ منِّي وأجتوِي أذاكَ، فكلُّ يجتوِي قربَ مجتوِي «٤»
فليتَ كفافًا كانَ خيركَ كلهُ وشركَ عنّي مَا ارتوَى الماءَ مرتوِي
[تودُّ عدوًّا ثمّ تزعم أنّني صديقكَ! ليسَ الفعلُ منكَ بمستوِي] «٥»
لعلّكَ أنْ تنأَى بأرضِكَ نيّةُ وإلاَّ فإنِّي غيرَ أرضكَ منتَوي «٦»
تبدَّلْ خليلًا بِي كشكلِكَ شكلُهُ فإنّي خليلًا صالحًا بكَ مقتوي «٧»
فلمْ يغوِني ربّي، فكيفَ اصطحابنَا ورأسُكَ في الأغوَى منَ الغيّ منغوِي؟
عدوّكَ يخشى صولتِي إنْ لقيتهُ وأنتَ عدوّي، ليس ذك بمستوي
[ ٣٩٧ ]
وكمْ موطنٍ لولايَ طحتَ كمَا هوَى بأجرامهِ منْ قلّةِ النّيقِ منهوِي «١٣»
نداكَ عنِ المولَى ونصركَ عاتمٌ وأنتَ لهُ بالظلمِ والغمِّ مجذوِي «١٤»
تودُّ لهُ لوْ نالهُ نابُ حيّةٍ ربيبِ صفاة بين لهبين منحوي «١٥»
إذَا مَا ابتنَى المجدَ ابنُ عمّكَ لمْ تعن وقلت: ألا يا ليت بنيانَهُ خوِي «١٦»
كأنكَ إنْ قيلَ: ابنُ عمّكَ غانمٌ شجٍ أو عميدٌ أَوْ أخُو مغلةٍ لوِي «١٧»
تملأتَ منْ غيظٍ عليَّ فلمْ يزلْ بكَ الغيظُ حتَّى كدتَ بالغيظِ تنشوِي
ومَا برحتْ نفسٌ حسودٌ حبستهَا تذيبكَ حتَّى قيلَ: هلْ أنتَ مكتوِي؟ «١٨»
وقالَ النّطاسيَونَ: إنكَ مسعرٌ سلالًا، ألاَ بلْ أنتَ منْ حسدٍ جوِي «١٩»
جمعتَ وفحشًا غيبةً ونميمةً! * ثلاثَ خلالٍ لستَ عنها بمرعوي
[ ٣٩٨ ]
[أفحشًا وجبنًا واختتاءً عنِ الندَى؟ كأنكَ أفعَى كديةٍ فرَّ محجوِي! «٢٢»]
ويدحُو بكَ الدّاحِي إلَى كلّ سوءة فياشرّ منْ يدحُو بأطيشَ مدحوِي «٢٣»
بدَا منكَ غشٌّ طالمَا قدْ كتمتَهُ كمَا كتمَتْ داءَ ابنِهَا أمُّ مدّوِي «٢٤»
قيل: كانت امرأةٌ خطبت على ابنها، فجاءت أم الجارية التي خطبتها لتنظر إلى ابنها وتكلمه، فجاء الغلام إلى أمه، وفي البيت لبنٌ عليه دوايةٌ، وهي: قشرة رقيقة تعلو اللبن؛ فقال: يا أمه، أدَّوي؟! أي: ألعق تلك القشرة. فكرهت أمه أن تسمع ذاك أم الجارية التي خطبتها فتستصغره، فقالت: اللجام معلّقٌ بباب البيت. تريها أنه إنما طلب اللجام. فيقول الشاعر: كتمت أنت هذا الغشَّ كما كتمت تلك أمر ابنها «١» .
وقال معن بن أوسٍ لأخيه حبيب «٢»:
لعمركَ مَا أدرِي وَإنّي لأوجلُ علَى أينَا تغدُو المنيّة أوّل «٣»
[ ٣٩٩ ]
كأنّك تنفي منكَ داءَ إساءتِي وسُخطِي، ومَا فِي ذاكَ مَا يتعجّلُ «١»
لَحى اللهُ منْ ساوَى أخاهُ بعرسه وخدّعه، حاشاك إن كنت تفعل «٢»
وإتي على أشياء منك تريبني قديما لذ وصفح علَى ذاكَ مجملُ «٣»
وإنّي أخوكَ الدّائمُ العهدِ لمْ أحلْ إنّ ابزاكَ خصمٌ أوْ نبا بكَ منزلُ «٤»
أحاربُ منْ حاربتَ منْ ذِي قرابةٍ وأحبسُ مالِي إنْ غرمتَ فأعقِلُ «٥»
فإنْ سؤتني يوما صفحت إلى غد ليعقب يوما منكَ آخرُ مقبلُ «٦»
ستقطعُ فِي الدنيَا إذَا مَا قطعتنِي يمينكَ، فانظرْ أيَّ كفٍّ تبدّلُ
إذَا أنتَ لمْ تنصفْ أخاكَ وجدتهُ علَى طرفِ الهجرانِ إنْ كانَ يعقلْ
ويركبُ حدَّ السيفِ منْ أنْ تضيمهُ إذَا لمْ يكنْ عنْ شفرةِ السيفِ مزحلُ «٧»
وكنتُ إذَا مَا صاحبٌ ملَّ صحبتِي وبدّلَ سوءًا بالذِي كنتُ أفعلُ «٨»
قلبتُ لهُ ظهرَ المجنِّ ولمْ أدمْ علَى العهدِ إلاَّ ريثَ مَا أتحوّلُ «٩»
إذَا انصرفتْ نفسِي عنِ الشّيءِ لمْ تكدْ إليهِ بوجهٍ أخرَ الدّهرِ تقبلُ «١٠»
وفِي الناسِ إنْ رثَّتْ حبالكَ واصلٌ وفِي الأرضِ عنْ دارِ القلى متحوّل «١١»
[ ٤٠٠ ]
وقال معن بن أوس أيضًا «١»:
وذِي رحمٍ قلّمتُ أظفارَ ضغنهِ بحلميَ عنهُ وهوَ ليسَ لهُ حلمُ
يحاولُ رغمِي لاَ يحاولُ غيرهُ وكالموتِ عندِي أنْ يحلَّ بهِ الرغمُ «٢»
إذَا سمتهُ وصلَ القرابةَ سامنِي قطيعتهَا، تلكَ السفاهةُ والإثمُ «٣»
ويسعَى إذَا أبنِي ليهدمَ صالحِي وليسَ الذِي يبنِي كمنْ شأنهُ الهدمُ
فإنْ أعفُ عنهُ أغضِ عينًا علَى القذَى وليسَ لهُ بالصّفحِ عنْ ذنبهِ علمُ «٤»
وإنْ أستقدْ منهُ أكنْ مثلَ رائشٍ سهامَ عدوٍّ يستهاضُ بهَا العظمُ «٥»
فدارأتهُ بالحلمِ، والمرءُ قادرٌ علَى سهمهِ ما دام في كفّه السّهمُ «٦»
فمَا زلتُ فِي رفقٍ بهِ وتعطّفٍ عليه كما تحنو على الولد الأمّ «٧»
[ ٤٠١ ]
وخفضٍ لهُ منّي الجناحَ تألّفًا لتدنيهُ منّي القرابةُ والرّحمُ
وقولِي إذَا أخشَى عليهِ ملمّةً: ألاَ اسلمْ فداكَ الخالُ ذُو العقدِ والعمُّ «١»
وصبرِي علَى أشياءَ منهُ تريبُنِي وكظمِي علَى غيظِي، وقدْ ينفعُ الكظمُ
ودارأتهُ حتَّى ارفأنَّ نفارهُ فعدنَا كأنَّا لمْ يكنْ بيننَا صرمْ «٢»
وأطفأتُ نارَ الحربِ بينِي وبينهُ فأصبحَ بعدَ الحربِ وهوَ لنَا سلمُ «٣»
وقال قعنب بن أمّ صاحبٍ من بني عبد الله بن غطفان: «٤»
مَا بالُ قومٍ صديقٍ ثمَّ ليسَ لهمْ عهدٌ وليسَ لهمْ دينٌ إذَا ائتمنوا؟! «٥»
إنْ يحلفُوا لكَ تسمعْ قولهمْ وترَى أجسامَ قومٍ فإنَّا بعدهمْ أفنُوا «٦»
[ ٤٠٢ ]
إذَا تواريتُ أدلوْا فيَّ ألسنهمْ ولاَ يبالونَ لي بالله ما متنوا «١»
قومٌ بهمْ عرّةٌ تدمَى جوانبُهَا إذَا أشاءُ بدالي منهم ضغن «٢»
طرّوا على جربٍ أغفلتهُ فهمُ ربدُ الجلودِ علَى السَّوءاتِ قدْ عدنُوا «٣»
لا يرفعونَ إلَى السلطانِ وجههمُ ولاَ العدوِّ، فأمَّا لِي فقدْ طبنُوا «٤»
فطانةٌ فطنوهَا لوْ تكونُ لهمْ مروءةٌ أوْ تقْى لله ما فطنوا
شبهُ العصافيرِ أحلامًا ومقدرةً لوْ يوزنونَ بزفِّ الرّيش ما وزنوا «٥»
جهلًا علينَا وجبنًا عنْ عدوّهمُ لبئستِ الخلّتانِ: الجهلُ والجبنُ «٦»
صمٌّ إذَا سمعُوا خيرًا ذكرتُ بهِ وإنْ ذكرتُ بسوءٍ عندهمْ أذنُوا «٧»
إنْ يسمعُوا ريبةً طارُوا بِها فرحًا منِّي، ومَا سمعُوا منْ صالحٍ دفنُوا «٨»
وقدْ رجوْا أنْ أرى أعراضهم حرما ويستحلّون عرضي، ما لهم؟ لعنُوا!
إذَا بطنتُ أرجِّي ودّهمْ ظهرُوا وإنْ ظهرت لبقيا فيهم بطنوا «٩»
[ ٤٠٣ ]
وقدْ علمتُ- علَى أنِّي أعايشهُمْ-* لمْ يبرحِ الدّهرَ فيمَا بيننَا إحَنُ «١»
كلٌّ يداجِي علَى البغضاءِ صاحبهُ فلمْ أعالنهمُ إلاّ كمَا علنُوا «٢»
لاَ تطمئنُّ إليَّ الدهرَ أنفسهمْ منَ العداوةِ والضّغنِ الذِي اضطغنُوا
ولنْ يراجعَ قلبِي ودّهمْ أبدًا زكنتُ منهمْ علَى مثلِ الذِي زكنُوا «٣»
وقال أبو الأسود الدّئليّ «٤»:
من مبلغ عني خليلي مالكا رسولًا إليه حيث كان من الأرضِ:
فما لك مسهومًا إذا ما لقيتني تقطع عني طرف عينك كالمغضي «٥»
ومالي إذا ما أخلق الود بيننا أمر القوى منه وتعمل في النقضِ؟ «٦»
ألم تر أني لا ألون سيمتي تلون غول الليل بالبلد المفضي؟ «٧»
فسل بي، ولا تستحي مني، فإنه كذلك بعض الناس يسأل عن بعضِ
وقال أيضًا:
أعود على المولى- وإن زل حلمه-* بحلمي، وكان العود أبقى وأحمد «٨»
وكنت إذا المولى بدا لي غشه تجاوزت عنه وانتظرت به غدا
[ ٤٠٤ ]
لتحكمه الأيام أو لترده علي، ولم أبسط لسانًا ولا يدا «١»
وإني لذو حلمٍ كثيرٍ، وإنني مرارًا لأشفي داء من كان أصيدا «٢»