كان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ كثيرًا ما ينشد هذا الشعر:
ألا قد أرى والله أن لست منكم ولا أنتم مني، وإن كنتم أهلي
وأني ثويٌ قد أحم انطلاقه يحييه من حياه وهو على رحلِ «٣»
ومنطلقٌ منكم بغير صحابةٍ وتابع إخواني الذين مضوا قبلي «٤»
ألم أكُ قد صاحبت عمرًا ومالكًا وأدهم يغدو في فوارس أو رجلِ
وصاحبت شيبانا وصاحبت ضابيا وصاحبني الشم الطوال بنو شبلِ
أولئك إخواني مضوا لسبيلهم يكاد ينسيني تذكرهم عقلي
يقول أناسٌ أخلياءٌ: تناسهم وليس بناسٍ مثلهم أبدًا مثلي «٥»
أُلاك أخلائي إذا ما ذكرتهم بكيت بعينٍ ماء عبرتها كحلي «٦»
وكانوا إذا ما القر هبت رياحه وضم سواد الليل رحلا إلى رحلِ «٧»
يدرون بالسيف الوريدين والنسا إذا لم يقم راعي أناسٍ إلى رسلِ
إذا ما لقوا أقرانهم قتلوهم وإن قتلوا لم يقشعروا من القتل
[ ٤٠٥ ]
وكم من أسيرٍ قد فككتم قيوده وسجل دم أهرقتموه على سجلِ «١»
وقال هذيلة بن سماعة بن أشول: «٢»
وعاذلة باتت باليل تلومني فبت كأن الهم قرنٌ أجاذبهْ «٣»
ذكرت بني سهلٍ وبيني وبينهم شراج الحمى أركانه ومناكبهْ «٤»
أجدي لن ألقى زيادًا ولا أرى قنانًا يقود الخيل شعثًا ذوائبهْ «٥»
ولا مثل فتيان توالوا بمنع عجالى إذا ما الجوف أوضع راكبهْ «٦»
رجالًا لو أن الشمَّ من جانبي قنًا هوى مثلهم منها لزلت جوانبهْ «٧»
وقال الحارث بن حلزة، وقيل إنها منحولة: «٨»
أرقًا بت ما ألذّ رقادا تعتريني مبرّحات الأمور
[ ٤٠٦ ]
واردات وصادرات إلى أن حسر المدلهم ضوء البشيرِ «١»
قذفتك الأيام بالحدث الأك بر منها وشاب كلّ صغير «٢»
وتفانى بنو أبيك فأصبح ت عقيرًا للدهر أو كالعقيرِ
ليس من حادث الزمان إذا جا ر على أهل غبطة من مجيرِ «٣»
وقال يزيد بن ضبة ابن مقسم «٤»:
لم ينسَ سلمى فؤادك السدك فكيف تصبو وأنت محتنكُ «٥»
لو كان ما واحدًا هواك لقد أقصرت، لكن هواك مشتركُ «٦»
تقول سلمى- واستنكرت-: عجبًا! * ما بال أشياء منك تنتهكُ؟! «٧»
فقلت من ترحةٍ ومن أسفٍ: أبناء عوفٍ ومالكٍ هلكوا
خلوا فجاجًا علي فانخرقت لم يستطع سدهن من تركوا
وقال أبو العيص بن حزام «٨»:
[ ٤٠٧ ]
وكم من صاحب قد ناء عني رميت بفقده وهو الحبيبُ «١»
فلم أبد الذي تحنو ضلوعي عليه، وإنني لأنا الكئيبُ
مخافة أن يراني مستكينًا عدوٌ أو يساء به قريبُ «٢»
فيشمت كاشحٌ ويظن أني جزوعٌ عند نائبةٍ تنوبُ
فبعدك مدت الأعداء طرفًا إلي ورابني دهر مريب «٣»
[وأنكرت الزّمان وكلّ أهلي وهرّتني لغيبتك الكليبُ] «٤»
وكنت تقطع الأنظار دوني وإن وغرت من الغيظ القلوبُ «٥»
[ويمنعني من الأعداء أني وإن رغموا- لمخشيٌ مهيبُ] «٦»
فلم أرَ مثل يومك كان يومًا بدت فيه النجوم فما تغيبُ «٧»
وليل ما أنام به طويل كأني للنجوم به رقيبُ
وما يكُ جائيًا لا بدّ منه إليك فسوف تجلبه الجلوبُ «٨»
وقال رقيع بن عبيد بن صيفيّ الأسديّ، ويرثي أخاه صيفيًا وابن أخيه معبدًا «٩»:
لحى الله دهرًا شره دون خيره وحدًا بصيفي نأى بعد معبد «١٠»
[ ٤٠٨ ]
بقية خلاني أتى الدهر دونهم فما جزعي؟ أم كيف عنهم تجلدي؟ «١»
فلو أنها إحدى يدي رزئتها ولكن يدي بانت على إثرها يدي
فلست بباكٍ بعده إثر هالكٍ قدي الآن من وجدٍ على هالك قدي
وقال دعبل الخزاعي يرثي قومه: «٢»
كانت خزاعة ملء الأرض ما اتسعت فقصَّ مر الليالي من حواشيها
هذا أبو القسم الثاوي ببلقعةٍ تسفي الرياح عليه من سوافيها «٣»
هبت وقد علمت أن لا هبوب به وقد تكون حسيرًا إذ يباريها
[أضحى قرىً للمنايا إذ نزلن به وكان في سالف الأيام يقريها] «٤»
وقال عبد الله بن المعتز «٥»:
لله أقوامٌ فقدتهم سكنوا بطون الأرض والحفرا
مرد الزمان علي بعدهم وعرفت طول الهم والسهرا «٦»
وقال أبان بن النعمان بن بشير يرثي أخاه «٧»:
[ ٤٠٩ ]
وأنا ابن أمك يا يزيد فمن يكن يسلو فقلبي موجعٌ محزونُ
وإذا رأيت منازلًا خلفتها حسب المحدث أنني مجنونُ
قال الأصمعي: أرثى ما قالت العرب قول الشاعر «١»:
ومن عجب أن بت مستشعر الثرى وبت بما خولتني متمتعا «٢»
ولو أنني أنصفتك الود لم أبت خلافك حتى ننطوي في الثرى معا
قلت: ما رأيت أن أخلي هذا الباب من ذكر شيء من المراثي، فذكرت هذه النبذة منها، وقد أوردت في كتابي المترجم بكتاب (التأسي والتسلي من المراثي والتعازي) ما غنيت به عن الإطالة هاهنا.