قول الشاعر:
ياللّيالي، قد فعلن بلمتي عجبًا! ومن أفعالها يُتعجبُ
كتبت بأبيض في سواد وإنما عهدي بأسود في بياض يكتب «٣»
وقال الآخر «٤»:
عرض المشيب بعارضيَّ فأعرضوا وتقوضَّت خيم الشباب فقوَّضوا
فكأن في الليل البهيم تبسطوا خفرًا وفي الصبح المنير تقبَّضوا
ولقد رأيت فهل سمعت بمثله بينًا غراب البين فيه أبيضُ؟!
وقال الأفوه الأودي «٥»:
[ ٣٧٣ ]
إن تري رأسي فيه نزعٌ وشواتي خلةً فيها دوارُ «١»
أصبحت من بعد لون واحدٍ وهي لونان وفي ذاك اعتبارُ «٢»
وصروف الدهر في أطباقه خلفة فيها ارتفاع وانحدارُ «٣»
[بينما الناس على عليائها إذ هو وافي هوةٍ منها فغاروا] «٤»
[ولياليه إلالٌ للفتى دانياتٌ تختليه وشفارُ] «٥»
إنما نعمة قومٍ متعةٌ وحياة المرء ثوبٌ مستعارُ
[حتم الدهر علينا أنه ظلفٌ ما نال منا وجبارُ] «٦»
وقال الآخر: «٧»
يا من لشيخٍ قد تخدد لحمه أبلى ثلاث عمائم ألوانا: «٨»
[ ٣٧٤ ]
سوداء حالكةً وسحق مفوفٍ وأجد لونًا بعد ذاك هجانا «١»
[قصر الليالي خطوه فتدانى وحنون قائم ظهره فتحانى] «٢»
والموت يأتي بعد ذلك كلّه وكأنّ ما قد كان لم يك كانا «٣»
وقال والدي مجد الدين أبو سلامة مرشد بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ ﵀:
إن الليالي أنذرت بفراق من أهوى ووالت رسلهن حثاثا
ألبسنني من كل لون صبغةً قسمت حياتي بينها أثلاثا:
لونًا غدافيًا ولونًا أشهبًا أضحت حبال العيش منه رثاثا
وأتت بلونٍ بعد ذلك ناصعٍ عادت قواي لنقضه أنكاثا
إني لأحسد- بعد طول تلهفٍ وتأسفٍ- من يسكن الأجداثا
وعمرت فردًا في الأنام فلا أرى إلا امرءًا عن هفوتي بحَّاثا
وللشيخ أبي العلاء بن سليمان التقدم في هذا المعنى بقوله «٤»:
واهًا لرأسك زال أدهمه عنه وأشهبه وأرقطهُ
وأعاده مثل اللجين مدى قد كان قبل به ينقِّطهُ
بل ليت شعري حين يرتحل ال جون المودّع أين مسقطه؟!
[ ٣٧٥ ]
وقال عبد الله بن المعتز ﵀ «١»:
رقد الخلي لأنه خلو عمن يؤرق عينه الشجوْ
وإذا المشيب رمى بوهنته وهت القوى وتقارب الخطوُ «٢»
وإذا استحال بأهله زمنٌ كثر القذى وتكدر الصفوُ
سبحان من يعصى بأنعمه فيكون منه الستر والعفوُ
أنشدنا الهذيل وزير جوش بك أون به «٣» صاحب الموصل بحصن شيزر سنة تسع وخمس مائة في دار والدي ﵀ لبعض شعراء خراسان:
أقول ونوار المشيب بعارضي قد افتر لي عن لون أسود سالخِ:
أشيبًا وحاجات النفوس كأنما يجيش بها في الصدر مرجل طابخِ؟
وما كلّ همّي للمشيب وإن هوى بي المشّيب عن طود من العز باذخِ
ولكن لقول الناس: شيخٌ، وليس لي على نائبات الدهر صبر المشايخِ
وقال أبو هلال الأسدي «٤»:
نزل المشيب فحل غير مدافعٍ وعفا المشيب من الشباب ديارا
وتجاورت خصل السواد ومثلها لمع البياض على القرون جوارا
[ ٣٧٦ ]
وإذا هما اجتمعا هنالك حقبةً ظعن السواد عن البياض فسارا
قلت: ما رأيت أن أخلي هذا الباب من شعر في ذكر الشيب، فذكرت هذه الأبيات مختصرًا، فإنني أفردت لذكر الشيب والكبر والشباب أيضًا كتابًا ترجمته بكتاب: (الشيب والشباب) «١» اشتمل على كثير مما يُتطلع إليه من هذا النوع، فغنيت به عن الإطالة هاهنا. فمن وقف عليه «٢» من الفضلاء عرف ما بينه وبين كتاب (الشهاب «٣» في ذكر الشيب والشباب) تأليف المرتضى ﵁، وعلم أن الفضل للمقدم في البيان، لا في التّقدّم في الزمان