أبو حردبة. [و] مالك بن الريب المازني «٣» . وعبيد الله بن الحر الجعفي. وعقبة بن هبيرة الأسدي. وعبد الله بن سبرة الحرشي «٤» .
وعبد الله بن خازم «٥» السلمي. والقتال الكلابي «٦» . وقرَّان بن بشار الفقعسي «٧» .
وعبد الله بن حجاج الثعلبي «٨» . وعبيد الله بن زياد بن ظبيان، أحد بني تيم الله بن ثعلبة بن عكابة «٩» .
[ ١٧١ ]
٦١* قال عمران بن الحصين ﵀ «١»: «أخذ رسول الله ﷺ بطرف عمامتي من ورائي، فقال: يا عمران، إن الله يحب الإنفاق ويبغض الإقتار، فأنفق وأطعم ولا تصر صرًا فيعسر عليك الطلب. واعلم أن الله يحب النظر النافذ عند مجيء الشبهات، والعقل الكامل عند نزول الشهوات، ويحب السماحة ولو على تمرات، ويحب الشجاعة ولو على قتل حية «٢»» .
٥٠* وعن أبي بكر بن عبد الله بن قيس [﵀] «٣» قال: سمعت أبي- وهو بحضرة العدو «٤» - يقول: قال رسول الله ﷺ: «إن أبواب الجنة تحت ظلال «٥» السيوف» فقام إليه رجل رث الهيئة فقال: يا أبا موسى، أنت سمعت رسول الله ﷺ يقول هذا؟ قال: نعم قال: فرجع إلى أصحابه قال: أقرأ عليكم السلام، ثم كسر جفن سيفه فألقاه، ثم مشى بسيفه إلى العدو، فضرب به حتى قُتل ﵀ «٦»، ولم يُذكر اسمه.
وأما من كان من أصحاب رسول الله ﷺ ورحمة الله عليهم أجمعين «٧» من الشجعان- وكلهم كان مقدامًا في الحرب حريص «٨» على الشهادة-: ولأمير
[ ١٧٢ ]
المؤمنين علي بن أبي طالب رضوان الله عليه التقدمة في الإقدام، والصيت الشائع في الشجاعة.
فإنه شهد مع رسول الله ﷺ وقعة بدر، وهي أول وقعة كانت في الإسلام، ورسول الله ﷺ في ثلاثمائة رجل وثلاثة عشر من المهاجرين والأنصار ومن تبعهم، والمشركون تسع مائة رجل، فنصر الله سبحانه [وتعالى] «١» رسوله صلى الله عليه [وسلم] «٢»، وقتل من المشركين سبعون رجلًا، وأُسر سبعون رجلًا، فكان من قتله منهم علي بن أبي طالب ﵁ أربعة وعشرين «٣» رجلًا، سوى من شارك في قتله «٤» . وقد ذكرت شيئًا من حروبه ووقعاته «٥» في كتابي المترجم بكتاب (فضائل الخلفاء الراشدين) ﵃ أجمعين، فغنيت عن إعادته هنا.
ومن أصحاب رسول الله ﷺ- بل من أهله- ابن عمته الزبير بن العوام ﵁، المشهور بالإقدام والبأس.
روى المدائني عن مُصعب بن عبد الله الزبيري قال: أجمع أهل الإسلام أنه لم يكن في الناس راجلٌ أشجع من علي بن أبي طالب «٦»، ولا فارس أشجع من الزبير بن العوام ﵄.
وروى أحمد بن يوسف بن إبراهيم: أن أمر إفريقية اضطرب بتنازع
[ ١٧٣ ]
أعيانِها الرياسة فيها، فكتب عمرو بن العاص من مصر- وهو يومئذٍ عليها- إلى عمر بن الخطاب «١» رضي الله [تعالى] «٢» عنه: يخبره بذلك، وأنه قد عزم أن يسيِّر إليها جيشًا، واستدعى من عمر [﵁] «٣» نجدةً. فكتب إليه عمر يستصوب رأيه، ويذكر له: أنه ينفذ إليه على إثر كتابه ألف فارس، فتشوف عمرو إليهم، فوافاه الزبير بن العوام [﵁] «٤» وحده، ومعه كتاب عمر ﵁: «قد أنفذت إليك الزبير بن العوام، وهو عندي يعدل ألف فارس إن شاء الله» وسيَّر عمرو الجيش إلى إفريقية. فلما انتهوا إلى مفرق «٥» طريقين خافوا أن يسلكوا في أحد الطريقين فتقع بهم مكيدة في الأخرى، فقال لهم الزبير [﵁] «٦»: أفردوني في إحدى الطريقين «٧»، فإني أكفيكموها. فسار وحده في أحد «٨» الطريقين، وسلك الجيش في الطريق الأخرى، واتفق أن كانت طريق الزبير قريبة جدًا، فلم تزل الشمس حتى وافى حصن إفريقية، فنزل عن دابته واحتش لها بقلًا يشغلها به، وقام يصلي، وأشرف كفرة إفريقية من حصنها، فرأوا رجلًا واحدًا من المسلمين حسن الطمأنينة، غير قلق في موضعه، ولا مستوحش من محله، فقالوا لرجل من شجعانهم: اخرج إليه واكفنا مؤونته، فخرج إليه، وركب الزبير [﵁] «٩» فرسه وجاوله فقتله، وخرج إليه فارسان، فطعن أحدهما فقتله وهرب الآخر منه، وصار إلى أصحابه، فقال: لو خرجتم
[ ١٧٤ ]
بأجمعكم إلى هذا الرجل لقتلكم، فريعوا منه ووجّهوا إليه أسقفهم، فقالوا:
يا هذا، ما تلتمس؟ وهل جئتنا وحدك أو في جماعة؟ فقال: أنا واحدٌ من جمعٍ كثير قد توجهوا معي إليكم، والذي ألتمسه أن تسلموا أو تؤدوا إلينا الجزية، قال: فنحن نجيب إلى أحدهما، فماسحوه «١» وفتحوا له الباب، ووافى «٢» الجيش وقد فتح الزبير [﵁] «٣» إفريقية وحده «٤» .
ومن أصحاب رسول الله ﷺ معاذ بن عمرو بن الجموح ﵀ «٥»، شهد بدرًا، قال: «سمعت القوم- يعني المشركين- وأبو جهل في مثل الحرجة «٦» يقولون: أبو الحكم لا يخلص إليه. فلما سمعتها جعلته من شأني، فصمدت «٧» نحوه، فلما أمكنني حملت عليه، فضربته ضربةً أطنت قدمه من نصف ساقه، فو الله ما شهّتها- حين طاحت- إلا بالنواة تطيح «٨» من تحت مرضخة «٩» النوى حين يضرب بها، قال: فضربني ابنه عكرمة على
[ ١٧٥ ]
عاتقي فطرح يدي، فتعلقت بجلدة من جنبي «١»، وأجهضني القتال «٢» عنها، فلقد قاتلت عامة يومي وإني لأسحبها خلفي، فلما آذتني وضعت عليها قدمي ثم تمطيت بها [عليها] «٣» حتى طرحتها» .
قال ابن اسحاق: ثم عاش ﵀ «٤» بعد ذلك حتى كان زمن «٥» عثمان بن عفان ﵁.
٦٢* ومن أصحاب رسول الله ﷺ: أبو دُجانة سِماك بن خَرَشة بن لَوْذان بن عبد ودٍّ بن يزيد بن ثعلبة «٦» بن الخزرج، ﵁، شهد حروب رسول الله ﷺ كلها. وقال النبي ﷺ يوم أحد قبل القتال: «من يأخذ هذا السيف بحقه؟» فقام إليه رجال فأمسكه عنهم، منهم الزبير بن العوام ﵀ «٧»، حتى قام أبو دُجانة سِماك بن خَرَشة [﵁] «٨»، فقال: ما حقه يا رسول الله؟ قال: «تضرِب «٩» به في العدو حتى ينحني» قال: أنا آخذه يا رسول الله بحقه. فأعطاه إياه. وكان أبو دجانة رجلًا شجاعًا يختال عند الحرب، وكان إذا أعلم بعصابةٍ حمراء علم الناس أنه سيقاتل. فلما أخذ السيف من يد رسول الله ﷺ أخرج عصابته «١٠» تلك فعصب بها رأسه، فقال رسول الله ﷺ حين رأى أبا دُجانة يتبختر-: «إنها لَمشيةٌ يبغضها الله إلا في مثل هذا
[ ١٧٦ ]
الموضع» قال الزبير بن العوام ﵀ «١»: فوجدت في نفسي، حين سألت رسول الله صلى الله عليه [وسلم] «٢» السيف فمنعنيه وأعطاه أبا دُجانة، وقلت:
أنا ابن صفيَّة عمَّته، ومن قريش، وقد قمت إليه فسألته «٣» إياه قبله، فأعطاه إياه وتركني! والله لأنظرنَّ ما يصنع. فاتبعته، وأخرج عصابة فعصَّب بها رأسه، فقالت الأنصار: أخرج أبو دُجانة عصابة الموت، وكذا كانت تقول إذا تعصَّب بها، فخرج وهو يقول:
أنا الذي عاهدني خليلي ونحن بالسفح لدى النخيلِ
أن لا أقومَ الدهرَ في الكَيُّولِ أضربْ بسيف الله والرسولِ «٤»
الكَيُّول: آخر الصفوف، وقيل: وراء القوم. قال الزبير: فجعل لا يلقى «٥» أحدًا إلا قتله، وكان في المشركين رجلٌ «٦» لا يدع جريحًا إلا دفَّف «٧» عليه، فجعل كل واحد منهما يدنو «٨» من صاحبه، فدعوت الله أن يجمع بينهما، فالتقيا، فاختلفا ضربتين: فضرب المشرك أبا دُجانة فاتقاها»
بدرقته، فعضَّت بسيفه، وضربه أبو دجانة فقتله، ثم رأيته قد حمل السيف على مفرق رأس هند بنت عتبة، ثم عزل بالسيف عنها، وقال: أكرمتُ سيف رسول الله
[ ١٧٧ ]
صلى الله عليه [وسلم] «١» أن أضرب به امرأة. فقال الزبير: فقلت: الله ورسوله أعلم «٢» .
ومن أصحاب رسول الله ﷺ: البراء بن مالك [﵁] «٣»، حضر القتال يوم مسيلمة الكذاب «٤» وقد قُتل أكثر أصحاب مسيلمة، والتجأ منهم نحو من سبعة آلاف «٥» إلى حديقة الموت- وإنما سميت «حديقة الموت» لكثرة من قتل بها، وكان اسمها قبل ذلك «أبّاض «٦»» - فامتنعوا فيها، فقال البراء بن مالك ﵀ «٧»: احملوني على الجدار حتى تطرحوني عليهم، فقالوا: لا نفعل يا براء «٨»، قال: والله لتفعلن «٩»، فحملوه على الجدار، فرأى كثرتهم، فقال: أنزلوني، فأنزلوه، ثم قال: احملوني على الجدار، فحملوه، فقال: أفٍ لهذا جَشعًا! «١٠» ثم اقتحم عليهم الحديقة، فقاتلهم على الباب حتى فتحه للمسلمين، ودخلوا عليهم فقتلوهم أجمعين، وكانوا في سبعة آلاف «١١» رجل، وقُتل من بني حنيفة في الفضاء سبعة آلاف «١٢» وفي الطلب مثلها، وقُتل من المسلمين نحوٌ من تسع مائة رجل «١٣» . ﵃.
وعن اسمعيل بن عمر ﵁ قال: لما فرض عمر رضوان الله عليه «١٤»
[ ١٧٨ ]
الدواوين جاء طلحة بن عُبيد الله ﵀ «١» بنفرٍ من بني تميم يستفرض لهم، وجاء رجلٌ من الأنصار بغلامٍ مصفرٍّ سقيمٍ، فقال: من هذا الغلام؟ قال: هذا ابن أخيك البراء بن النضر، فقال عمر [﵁] «٢»: مرحبًا وأهلًا، وضمَّه إليه، وفرض له في أربعة آلاف «٣»، فقال طلحة: يا أمير المؤمنين، انظر في أصحابي هؤلاء، قال: نعم، ففرض لهم في ستمائة ستمائة، فقال طلحة:
ما رأيت كاليوم شيئًا أبعد من شيء! أي شيء «٤» هذا؟! فقال عمر ﵀ عليه «٥»: أنت يا طلحة تظن أنني منزلٌ هؤلاء بمنزلة هذا؟! إني رأيت أبا هذا جاء يوم أُحدٍ وأنا وأبو بكر قد تحدثنا أن رسول الله ﷺ قتل، فقال: يأبابكر، ويا عمر، مالي أراكما جالسين؟! إن كان رسول الله ﷺ قُتل فإن الله حي لا يموت، ثم ولّى بسيفه، فضُرب عشرين ضربة، أعدها في وجهه وصدره، ثم قُتِل ﵀ «٦»، وهؤلاء قتل آباؤهم على تكذيب رسول الله صلى الله عليه [وسلم] «٧» وإطفاء نور الله تعالى، فمعاذ الله أن أجعلهم بمنزلته.
وأمدَّ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضوان الله [تعالى] «٨» عليه سعد بن أبي وقاص ﵀ «٩» في حرب القادسية-: بجيشٍ عليه هاشم بن عتبة المرقال «١٠»، فوصلهم والعسكران متواقفان: المسلمون ورُستم، فوقف [هاشم بن] «١١» عتبة مقابل موكب منهم، ثم أخذ سهمًا فوضعه في قوسه ورماهم، فوقع
[ ١٧٩ ]
سهمه في أُذن فرسه فخلها «١»، فضحك، وقال واسوأتاه! من رمية رجلٍ كل من ترى ينتظره!! أين ترون كان سهمي بالغًا لو لم يصب أذن الفرس؟ قالوا:
العتيق- وهو نهر خلف ذلك الموكب- فنزل عن فرسه، ثم سار يضربهم بسيفه، حتى أوصلهم العتيق، ثم رجع إلى موقفه «٢» .
ووقفت الأعاجم كتيبة فيها فيل، فقال: عمرو بن معدي كرب ﵀:
أنا «٣» حاملٌ على الفيل ومن معه، فلا تدعوني أكثر من جزر جزور، فإن تأخرتم عني فقدتم أبا ثور، وأين لكم «٤» مثل أبي ثور؟! فقذف نفسه في وسطهم، فاستلحموه «٥»، وشجروه بالرماح طويلًا، ثم أفضى إلى السيف، ثم سقط عن فرسه، فتعطَّفت عليه رجالهم، ونادى المسلمون: أبو ثور، الله الله، فإنه إن هلك لم تجدوا منه عوضًا! وحملوا عليهم فأفرجوهم عنه، وإذا هو قد طعن من كل ناحية، وإذا هو جاثٍ على ركبتيه قد أزبد، يضرب بسيفه يمينًا وشمالًا، وإذا سواعد الرجال وأسوقهم حوله كأنها أكاريع «٦» الغنم، فلما انفرج عنه الأعاجم أخذ برجل فرسٍ منهم، فحركه الفارس فلم يستطع براحًا، فنزل عنه الفارس، وانهزم إلى أصحابه، وركبه عمرو، فقال له رجل: فداك أبي وأمّي يأباثور، كيف تجدك؟ قال: أجدني صالحًا، قال: فإذا إهابه قد خرِّق، فعصِّب بالعمائم، وعاد إلى القتال كأنه لم يصنع شيئًا «٧» .
[ ١٨٠ ]
روي أن عمرو بن معدي كرب الزبيدي ﵀ «١» قال: لو طُفْتُ بظعينةٍ أحياءَ العرب ما خفت عليها، ما لم ألقَ عبديها وحرَّيها- يعني بالعبدين: عنترة بن شداد والسُّليْك بن السُّلكة، والحرَّين: دريد بن الصِّمَّة وربيعة بن مكدَّم «٢» - قال: وكلًاّ قد لقيت، وأعطاني الله النصر عليه، قيل له: فما تقول في عامر بن الطفيل؟ قال: أقول فيه ما قاله «٣»:
إذا مات عمر وقلت للخيل: «أوطئي زبيدًا، فقد أودَى بنجدتهِ عمرو
فأما وعمروٌ في زبيدٍ فلا أرى لكم غزوهم، فارضوا بما حَكَمَ الدهرُ!
فَلَيْتَ زُبيدًا زِيدَ فيها كَضِعفها وليتَ أبا ثورٍ يجيشُ به البحرُ!!»
وكان لعمرو بن معدي كرب أخٌ أكبر منه، يقال له: عبد الله، وكانت له التقدمة والرئاسة دون عمرو، وكان له أختٌ يقال لها: ريحانة «٤»، ولها يعني عمروٌ بقوله في قصيدةٍ له:
أَمِنْ ريحانةَ الداعي السميعُ يؤرِّقني وأصحابي هُجُوعُ
يقول في هذه القصيدة، وهو بيت حكمة:
إذا لم تستطع أمرا «٥» فدعه وجاوزه إلى ما تستطيع
[ ١٨١ ]
فقتل عبد الله، وبذل قاتلوه الدية لعمرو، فجنح إلى ذلك، فقالت أخته تحرِّضه على الطلب بدم أخيه «١»:
أرسلَ عبد اللهِ إذ حان يومهُ إلى قومهِ: لا تعقِلوا لهم دمي «٢»
ولا نقبلوا منهم إفالا وأبكرًا وأُترَكَ في بيتٍ بصعدةَ مظلمِ «٣»
فإن أنتم لم تثأروا بأخيكمُ فمُشٌّوا بآذان النّعام المصلّم «٤»
ولا تشربوا إلّا فضولَ نسائكمُ إذا ارتملت أعقابهنَّ من الدمِ «٥»
ودعْ عنكَ عمرًا إن عمرًا مسالمٌ وهلْ بطنُ عمرٍ وغير شبرٍ لمطعمِ؟!
فحرَّك هذا الشعر عَمْرًا، وطلب بثأرِ أخيه، وتقدَّم في الحروب والشجاعة، حتى كان منه ما كان.
والسُّليك بن السَّلكة «٦» القائل:
قرِّبِ النَّحَّام مني يا غلامْ واطرحِ السرجَ عليهِ واللِّجامْ «٧»
أعلمِ الفتيان: أني خائضٌ غمرةَ الموتِ، فمن شاءَ أقام
[ ١٨٢ ]
وفي السُّليك تقول السُّلكة أمه «١»، وقد قُتل «٢»:
طافَ يبغي نجوةً من هلاكٍ فهلكْ «٣»
ليتَ شِعري ضلةً! * أيُّ شيء قتلكْ؟
أمريضٌ «٤» لم تُعدْ أم عدوٌّ ختلكْ؟
كلُّ شيءٍ قاتلٌ حين تلقى أجلكْ
والمنايا رصدٌ للفتى حيثُ سلكْ
أيُّ شيءٍ حسنٍ لفتىً لم يكُ لكْ؟
وعنترة بن شداد القائل من قصيدة «٥»:
وَسَلي لِكَيما تخبري بفعالنا عند الوغى «٦» ومواقفِ الأبطالِ
والخيلُ تعثرُ بالقنا في جاحمٍ «٧» تهفو به ويجلن كلَّ مجالِ
وأنا المجرَّبُ في المواطنِ كلها من آلِ عبسٍ منصبي وفعالي «٨»
منهم أبي حقًا فهم لي والدٌ «٩» والأم من حامٍ فهم أخوالي
وأنا المنية حين تشتجرُ القنا والطعنُ مني سابق الآجالِ
ولربَّ قرنٍ قد تركتُ مجدَّلًا بلبانهِ كنواضحِ الجريالِ «١٠»
[ ١٨٣ ]
تنتابُهُ طُلْسُ الذئابِ مغادرًا في قفْرةٍ متمزق السربالِ «١»
أَوْجرتهُ لَدْنَ المهزَّةِ ذابلًا مرنتْ عليهِ أشاجِعِي وخِصالي «٢»
قول عنترة: «مرنت عليه أشاجعي وخصالي» مثل قول قيس بن الخطيم:
ملكتُ بها كفي فأنهرتُ فتْقها ترى قائمًا «٣» من دونها ما وراءها
وتحت هذا القول معنىً لا يعرف حقيقته إلا من باشر الحرب، ولم يزل فيها طاعنًا ومطعونًا «٤»، وقد يتهجم الإنسان على السرية والموكب فيطعن فيه مخاطرًا بنفسه، خائفًا من الموت، فتسترخي يده على الرمح حتى يسبح الرمح في كفه-: فلا يكون للطعنة كبير تأثير. فعنترة وقيسٌ يشيران إلى أنهما ما أصابهما ذلك، ولا استرخت يدهما من الروع.
وقال مؤلف الكتاب «٥»:
إن يحسدوا في السلم من زلتي من العز المنيفِ
فبما أُهين النفس في يومِ الوغى يوم الصفوفِ
فلطالما أقدمتُ إقدا مَ الحتوفِ على الحتوفِ
بعزيمةٍ أمضى على حد السيوف من السّيوف
[ ١٨٤ ]
وفي ربيعة بن مكدم الفراسي يقول بعض العرب، وقد اجتاز بقبره، يعتذر إذ لم ينحر عليه ناقته «١»:
لا يبعدنَّ «٢» ربيعةُ بن مكدَّمٍ وسقى الغوادي قبرَه بذنوبِ
نفرتْ قَلُوصي من حجارةٍ حرةٍ بنيت على سمحِ اليدين وهوبِ
لا تنفِري يا ناقَ منه فإنه شرِّيبُ خمرٍ مسعرٌ لِحروبِ
لولا السِّفارُ وطولُ خرقٍ مهمهٍ لتركتها تحبو على العُرقوبِ «٣»
وسيأتي شيءٌ من أخباره.
وعامر بن الطفيل القائل «٤»:
إني وإن كنتُ ابن سيد عامرٍ وفارسها المشهور في كل موكبِ
لما سوَّدتني عامرٌ عن كلالةٍ أبى الله أن أسمو بأمٍ ولا أبِ
ولكنني أحمي حِماها وأتقي أذاها وأرمي من رماها بمنكبي
ودريد بن الصمة الجشمي القائل في أخيه عبد الله «٥»:
تنادوا فقالوا: أردتِ الخيل فارسًا فقلتُ: أعبدُ الله ذلكم الردي؟
فجئتُ إليهِ والرماحُ تنوشهُ كوقع الصياصي في النسيج الممددِ
[ ١٨٥ ]
فطاعنتْ عنه الخيلَ حتى تبددوا «١» وحتى علاني حالك اللون أسودي «٢»
فما رمت حتى خرقتني رماحهم وغودرت أكبو في القنا المتقصدِ
فِعال امرىء آسى «٣» أخاه بنفسه ويعلم أن المرء غير مخلدِ
وهو القائل في إخوته وقد قتلوا «٤»:
تقول: ألا تبكي أخاك؟ وقد أرى مكان البكا لكن بنيت على الصبرِ
فقلت: أعبد الله أبكي؟ أم الذي على الجدث «٥» الأعلى «٦» قتيل أبي بكرِ
وعبد يغوثَ أم نديمي مالكًا «٧»؟ وعزَّ المصابُ حثوَ قبرٍ على قبرِ
أبى القتل إلا آل صمة إنهم أبوا غيره، والقدر يجري على قدرِ «٨»
قال مصعب بن عبد الله الزبيري: قلت لأبي: ما بلغ من شجاعة هؤلاء الثلاثة، حيث يقول عبد الله بن الزبير: يا له فتحًا! لو كان له رجالٌ مثل مصعب ومصعب ومختار «٩»؟! قال: إنهم بيّتوا ليلةً مسلحةً «١٠» للحجَّاج، فقتلوا مائة رجل بأيديهم.
وقالت جمرة امرأة عمران بن حطان لعمران: ألم تزعم أنك لم تكذب في شعرك قط؟ قال: نعم. قالت: فقولك:
وكذاك «١١» مجزأة بن ثور كان أشجع من أسامه
[ ١٨٦ ]
هل رأيت رجلًا أشجع من الأسد؟! قال: فهل رأيت أنت أسدًا فتح مدينة وحده؟! قالت: لا. قال: فمجزأة بن ثور فتح مدينة تستر «١» وحده.
قال عبد الله بن الزبير: لما اصطفنا «٢» يوم الجمل خرج علينا صائحٌ يصيح من قبل عليٍّ رضوان الله عليه: يا معشر فتيان قريش، أحذِّركم الرجلين العابدين: جندب بن زهير والأشتر مالك [﵄] «٣»، فلا تقوموا لأسنتهما، أما جندب بن زهير فرجلٌ ربعةٌ يجر درعه حتى يعفو أثره، وأما الأشتر فلا نيابه قعقعةٌ في الحرب.
والأشتر مالك بن الحارث [﵁] «٤» القائل «٥»:
بقَّيتُ وفري وانحرفت عن العلى ولقيت أضيافي بوجه عبوسِ
إن لم أشنَّ على ابن حربٍ «٦» غارةً لم تخلُ يومًا من نهابِ نفوسِ
خيلًا كأمثال السعالي شزَّبًا «٧» تغدو ببيضٍ في الكريهة شوسِ «٨»
حميَ الحديدُ عليهم فكأنهم لمعاتُ «٩» برقٍ أو شعاعُ شموسِ
وإنما سمي مالك بن الحارث [«الأشتر»] «١٠» بضربةٍ أصابته في قتال
[ ١٨٧ ]
بني حنيفة حين ارتدوا. وذلك: أنه حين تواقف الفئتان دعا أبا مسيكة «١» الإيادي، فخرج اليه، فقال له: ويحك يأبا مسيكة! بعد الإسلام والتوحيد ارتددتَ «٢» ورجعت إلى الكفر؟! فقال: يا مالك، إياك عني، إنهم يحرِّمون الخمر ولا صبر عنها! قال: فهل لك في المبارزة؟ قال: نعم. فالتقيا، فتطاعنا بالرماح، ثم رمياها وصارا إلى السيوف، فضربه أبو مسيكة فشق رأسه حتى شتر عينه، فعاد معتنقا رقبة فرسه، فاجتمع حوله أصحابه يبكون، فقال لأحدهم:
أدخل «٣» إصبعك في فمي، فعضها مالك، فالتوى الرجل من شدة العضة! فقال: لا بأس على صاحبكم، إذا سلمت الأضراس سلم الراس، ثم قال:
احشوها سويقًا ثم شدوها بعمامة، ثم قال: هاتوا فرسي! قالوا: إلى أين؟ قال إلى أبي مسيكة! فركب، ودعا أبا مسيكة، فخرج اليهم مثل السهم، فتجاولا، فضربه مالك فقطعه إلى السرج، وعاد، فبقي مغمى عليه عدّة أيام [﵁] «٤» . فهذه الضربة سمي «الأشتر» «٥» .
وقال حُضين «٦» بن المنذر- صاحب راية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇-: ابتذال النفس في الحرب أبقى لها إذا تأخرت الآجال.
قال أبجر بن جابر «٧» العجلي لبنيه: إن سركم طول البقاء، وحسن
[ ١٨٨ ]
الثناء، والنكاية في الأعداء-: فلا تمنحوا عدوكم أكتافكم، فإن أمثل القوم بقية الصابر «١» .
وقيل لعباد بن الحصين الحبطي «٢»: في أي جنة تحب أن تلقى عدوك؟
قال: في أجلٍ مستأخر.
وقال خالد بن الوليد ﵀: ما ليلةٌ أقرَّ لعيني من ليلةٍ يُهدى إليّ فيها عروس، اللهمّ إلّا ليلة أغد وفيها لقتال العدو «٣» .
عن المدائني قال: كانت قريشٌ تقول: ما استوسق «٤» أمر الجاهلية والإسلام لأحد غير خالد بن الوليد، فإنه لم يهزم قط [﵁] «٥» .
وعن المدائني قال: كان سعيد بن الأوس بن أبي البختري من أجمل الناس وأشجعهم «٦»، وكان يختال في مشيئته. فنظر إليه عبد الله بن الزبير ﵀ يومًا وهو يتبختر بين الصفين، فقال: كنت أظن أن مشيته تخلق فإذا هي سجية.
وقاتل يوم الحرة فأبلى وأحسن، وكانوا قد بنوا على المصاف جدارات لئلا «٧» يفر بعضهم من بعض، فقال رجل من أهل المدينة من موالي قريش:
بصُرتُ به وهو راجع وقد انهزم الناس وهو يمشي على رِسْلِهِ، فقلت: بأبي
[ ١٨٩ ]
أنت وأمي، إني أخاف عليك الطلب، فجعل ينظر إلي ويتبسم، وأنا أكرر عليه القول، ولا يزيدني عن النظر والتبسم شيئًا!! فجعلت أعجب من ذلك؟
فالتفت فإذا أنا بفارس، فصحت: بأبي وأمي، خلفك، فانكفأ إلى الفارس فقنطره. فقلت: اركب- جعلت فداك- فرسه وانجُ، فإني أخاف عليك حثيث الطلب، فجعل ينظر إلي ويتبسم. قال: فتعلقت ببعض الجدارات، وسعيت، فانتهيت إلى صور من أصوار الحرة «١»، فأقمت فيه إلى الليل. فلما ضربني البرد التمست «٢» وتحركت وقد غلبتني عيني فإذا أنا عريان! فعلمت أن تبسمه كان من عريي وتحذيري.
قلت «٣»: كان بيننا وبين الإسماعيلية قتال في قلعة «شيزر» في سنة سبع وعشرين وخمس مائة، لعملةٍ عملوها علينا، ملكوا بها حصن «شيزر»، وجماعتنا في ظاهر البلد ركاب، والشيخ العالم أبو عبد الله محمد بن يوسف بن المنيرة «٤» ﵀ في دار والدي، يعلم إخوتي ﵏، فلما وقع الصياح في الحصن تراكضنا وصعدنا في الحبال، والشيخ أبو عبد الله قد مضى إلى داره
[ ١٩٠ ]
إلى الجامع، وكانت داره في الجامع، فوصل عمي «فخر الدين أبو كامل شافع بن علي ﵀» إلى تحت الجامع، والشيخ أبو عبد الله مشرفٌ عليه، فقال له صاحبٌ لعمي: يا شيخ أبا عبد الله «١»، دلي «٢» لنا حبلًا، قال: ما عندي حبل، قال: فدلِّ عمامتك! فأبطأ عليه، فتجاوزه وطلع من مكان آخر. فقيل للشيخ أبي عبد الله: كنت عريان وعلى رأسك عمامة؟! قال: لا، ما كان عليّ عمامة! ثم أفكر فقال: بلى والله، قد قال لي وهب بن التنوخي وهو مع الأمير فخر الدين أبي كامل شافع: دلي «٣» لنا حبلًا، قلت: ما عندي حبل، فقال: دلِّ لنا عمامتك-: ولو لم يكن قد رأى عليَّ عمامة ما قال ذلك!! فكان ﵀ عريان وعليه عمامة، ولا يدري بالحال التي هو عليها، لرعبه وضعف قلبه!! عن مصعب الزبيري قال: حدثني مصعب بن عثمان قال قال علي بن يزيد بن ركانة «٤»: ما نفعتني قوتي قط كما نفعتني مرة بأرض الروم: كنت غازيًا، فمررت وأصحابي في يوم شديد الحر، وإذا أنا بنهر جار على رضراضٍ «٥» لم أر مثل صفائه وشدة برده، فقلت لأصحابي: تمهلوا في سيركم حتى أدخل في هذا النهر فاغتسل ثم ألحقكم. ومضى أصحابي، ونزلت عن دابتي، ووضعت سلاحي، فلما دخلت النهر رفعت رأسي، إذا أنا بعلجين على رأسي قد أخذا سلاحي ودابتي، وقالا: اخرج، فقلت: ها أناذا «٦» لديكما، وأريتهما أنني قد
[ ١٩١ ]
خفّت منهما، وثفارقت «١» لهما، ثم رفعت يدي إلى الواحد ويدي الأخرى إلى الآخر، فلما أخذاني جذبتهما جذبة واحدة فألقيتهما في الماء، فما زلت أغط هذا مرة وهذا مرة حتى قتلتهما. فخرجت ولبست سلاحي وركبت دابتي ولحقت أصحابي.
قلت: جرى مثل هذا بعسقلان، لرجل من تباة «٢» البلد، يقال له «ابن الجلنار» كان مشغوفًا بالصيد بالبواشق «٣»، وكان مشهورًا بالقوة. فركب وخرج من عسقلان وعلى يده باشق يتصيد به في شجر الجميز، فخرج عليه فارسان من العرب، وقالا: انزل، فنزل عن فرسه، وقال لهما: لكما في هذا الطير حاجة؟ قالا: لا. فشدَّ الباشق على غصن شجرة، ثم اختلفا على مهاميز حليٍ في رجليه، فقال لهما: أنتما اثنان، يأخذ كل واحد منكما فردة مهماز، ومد رجليه لهما، فجلسا يقلعان المهاميز من رجليه، فمسك «٤» رقبة ذا، ورقبة ذا، وضرب رأسيهما بعضهما «٥» ببعض، ولا يقدران على الخلاص من يده حتى قتلهما، وأخذ خيلهما وسلاحهما وباشقه ودخل المدينة! وقد كان عندنا بشيزر رجل يقال له «محمد [بن] «٦» البشيبش «٧»» كان يخدم جدِّي «سديد الملك أبو الحسن «٨» علي بن نصر بن منقذ «٩» الكناني
[ ١٩٢ ]
﵀» وكيلا على ضيعة ببلد «كفر طاب» «١» يقال لها «أرجة» «٢» أدركته أنا وهو شيخ كبير، وكان أيِّدًا «٣» شجاعًا. قال: جئت يومًا في الحر إلى ركية أرجة لأشرب، فرأيت رجلًا عليه معرقة «٤» امرأة، وعلى كتفه كارة «٥» ثياب، فتداخلني الطمع فيه، فقلت: حط الكارة، فأظهر لي خوفا! وقال: هايا مولاي! وحطها عن كتفه، فتقدمت إليها لأخذها، فمدّ يده، فقبض على ركبتي ورفعتي من الأرض، ثم ضرب بي الأرض، وبرك عليّ، وأخرج من وسطه سكينا كشعلة النار ليقتلني، فقلت: الصّنيعة! فنهض عني وخلاني، وقال: لا تحتقر الرجال، ثم فتح الكارة فأخرج منها قميصًا دفعه إليّ، فقلت له: بالله من أين اقبلت؟ قال من المعرة، فتحت البارحة دكان الصبغ فأخذت كل ما «٦» كان فيها، ثم أخذ كارته ومشى.
قال عبد الرحمن بن خالد بن الوليد [﵄] «٧» يوم صفين لمعاوية:
ما رأيت أعجب منك يا أمير المؤمنين! إن كنت لتتقدم حتى أقول: أحبّ الموت، ثم تستأخر حتى أقول: أراد الهرب!! قال: يا عبد الرحمن: إني والله ما أتقدم لأقتل، ولا أتأخر لأهرب، ولكن أتقدم إذا كان التقدم غنمًا وأتأخر إذا كان التأخر حزمًا. كما قال الكنانيّ:
شُجَاعًا «٨» إِذَا مَا أمْكَنتْنِيَ فُرْصَةٌ فإنْ لَمْ تَكنّ لِي فُرْصَةٌ فَجَبَانُ
[ ١٩٣ ]
قلت: هذا كلام خبيرٍ بالحرب. وهو الذريعة إلى الظفر أو السلامة، إلاّ مع الاضطرار. فإنَّ المضطرَّ لا يليق به إلاّ الإقدام، فان كان في الأجل فسحةٌ فهو ينجو مشكورًا، وإن انتهت المدّة فموت المقدم «١» أكرم من موت المولّي.
قال الحجاج بن يوسف لوازع بن ذوالة الكلبي: كيف قتلت همَّام بن قبيصة النمري «٢»؟ قال: مرَّ بي والناس منهزمون، ولو شاء أن يذهب لذهب، فلما رآني قصد لي، فضربته وضربني، وسقط، فحاول القيام فلم يقدر، فقال وهو في الموت:
تَعِسْتَ ابنَ «٣» ذاتِ النَّوْفِ «٤» أَجْهِزْ على امرىء يَرَى المَوْتَ خَيرًا من فِرَارٍ وأكْرَمَا
وَلا تَتْرُكَنِّي بالحُشَاشَةِ «٥» إِنَّني صَبُورٌ إذَا مَا النِّكْسُ «٦» مِثْلُكَ أَحْجَمَا
فدنوت منه، فقال: أجهز عليَّ قبَّحك الله! فقد كنت أحب أن يلي هذا منّي من هو أربط جأشًا منك! فاحتززتُ رأسه فأتيت به مروان بن الحكم.
وعن رجل من تميم، قال: جاء رجلٌ من كلبٍ يوم المرج «٧» برأس ابن عمرو العقيلي إلى مروان بن الحكم، فقال له مروان: من قتل هذا؟ قال: أنا.
قال: كذبت. قال: المكذب أكذب! أنا والله قتلته، مر وهو تعدو به فرسه وهو يقول:
[ ١٩٤ ]
قَدْ طَابَ وِرْدُ المَوْتِ- مَرْوَانَ- فَرِدْ لاَ تَحْسَبَنَّ العَيْشَ أَدْنَى لِلرَّشَدْ «١»
لاَ خَيْرَ فِي طُولِ الحَيَاةِ فِي كَبَدْ «٢»
قال: فطعنته فسقط، فنزلت إليه وهو مثبتٌ «٣»، وهو يقول:
بُعْدًا وَسُحْقًا لاِمْرِئٍ عَاشَ فِي ذُلٍّ وَفِي كَفَّيْهِ عَضْبٌ صَقِيلُ
وقال مؤلف الكتاب «٤»:
سَلْ بِي كماة الوغى فى كُلِّ مُعْتَرَكٍ يَضِيقُ بالنَّفْسِ فِيهِ صَدْرُ ذِي الياس
يَنَبِّئُووكَ بِأَنِي فِي مَضَايِقِهَا ثََبْتٌ إذَا الخَوْفُ هزَّ الشَّاهِقَ الرَّاسِي
أَخُوضُهَا كَشِهَابِ القَذْفِ يَصْحَبُنِي عَضْبٌ كبرقٍ سرى أو ضوءٍ مقباسِ
إذا ضربت به قِرنًا أُنازله أو جاه «٥» عن عائدٍ يغشاه أو آسي
وقال أفلاطون: الشجاعة من أقوى فضائل العالم، لأنها تبرز ما حاوله من القول أو الفعل.
والشجاعة تكون في الضعيف البدن، الخلو من العمل بشيءٍ من السلاح، فيسمَّى صاحبها شجاعًا، ألا ترى أن سقراط كان يعد في الشجعان، وما بارز عدوًا، ولا حمل شيئًا من السلاح! ولكنه قدمت إليه شربة السم وهو يتكلم في النفس مع ملأٍ عنده، فما تغيَّر حتى انقضى كلامه، ثم شربها فمات!.
وعن يوسف بن إبراهيم: أن أبا دُلفٍ القاسم بن عيسى ﵀ كان يشكو نقصان حاسية الشم والذوق، فسألته عن الوقت الذي بدأ به هذا؟ فقال:
[ ١٩٥ ]
وجدته في شبيبتي، وله خبر عجيب!: كانت والدتي ترخِّم اسمي استصغارًا لمحلي، فتقول: فعل «قاسِ»، وابعثوا إلى «قاس» فيكرثني «١» ذلك، فإني لجالس في بعض الليالي بين جواريَّ وهن يغنين وقد ابتدأت الشرب «٢» -:
إذ دخلت عليَّ جارية لها مكينة عندها فقالت: إن سيدتي تقول «٣»: أنا كنت أعرَف بك ممن يلومني فيك! أنسيغ النبيذ وقد قتل أخاك ابن عمك؟! وانصرفتْ. فتسرعت إلى رمحي، وركبت فرسي وحدي، لا أنتظر غلامًا، ولا أتلبث على صاحب. فاستقبلني وهو يزئر «٤» زئير الأسد، وفي يده عمود حديد، فلما رأيته حملت عليه برمحي، فطعنته وأثبته، فسبح في طعنته، وما احتمل من ألم السباحة فيها حتى ضربني بذلك العمود في رأسي، وكانت تحت عمامتي زردية، فوقتني حد ضربته، ولو تمكن مني لأبارني بعموده. فنقص من ذلك الوقت حس شمي وذوقي، وخرّ لوجهه، فاحترزت رأسه، ودخلت به إلى أمي وهي تصلي، فوضعته بين يديها، فلما فرغت من صلاتها، قالت:
أحسن قاسم! ثم دعت بطيب فضمخته، وبعثت به إلى أمه، وقالت لرسولها:
قل لها: عزيزٌ عليَّ أن نتقاطع أرحامنا، ونتشاغل بسفك دمائنا عن دماء أعدائنا! قد وجهت إليك بمن جرّعني كأس الثّكل «٥»، ولم يعلم أن قاتل ولدي مقتول، فخذي بحظك من الفجيعة عليه، ووقدة الثكل فيه!! وقال يزيد بن سلمة الوشاء «٦»: سرنا في رفقةٍ صغيرةٍ كانت فيها قبةٌ
[ ١٩٦ ]
مسترة حولها خدم وعجائز، فتوهمتها قبة جارية لبعض الطاهرية. وكان في رفقتنا شابٌ كثير المزاح حلو النادرة، فقرب مني في المسايرة، فكان مما جرى بيني وبينه أن سألته عن القبة: لمن هي من حرم الطاهرية؟ فقال لي:
فيها شاب مؤنث من أبنائهم غير متماسك. فجعلته بالي، فكنت ربما رأيته يتطلع من فروج الأغشية، ثم رأيته بعد ذلك وقد رفع له بعض السجوف.
واتفق أن أفضينا في المسير إلى كرمان، فاعترض القافلة أسد في خلقة هائلة، فتخوف أهل الرفقة منه، وقيل لهم: إنه لا يقلع عن الرفقة إلا بافتراس بعضهم، فاجتمع من في الرفقة وماجوا، وارتفع لغطهم، وكنت قريبًا من قبة المؤنث، فسمعته يقول: يادادا! ما للناس؟ قالت: خير يا سيدي، وبرزت لنا عجوز في عنقها سبحة، فقالت: يا هؤلاء، قد وجب حق صحبتنا عليكم، وإن علم هذا الفتى بخبر الأسد ثكلناه، فاسكتوا، فقال لها المزَّاح: نحن في شغل بأنفسنا.
وأعاد المؤنّث القول: يادادا! ما للناس؟ فصاح المزَّاح: الأسد قد وقف لنا يريد أن يفترس منا واحدًا. فخرج من القبة ومعه سيف مشهور ودرقة، ووثب إلى الأرض، وأجال بصره حتى تأمل الأسد، ثم قصده ولم يواجهه، فما شك أحد منا أنه يفترسه، فانفتل انفتالةً وضرب الأسد فحلَّ كتفه، وضربه أخرى ففرَّغ حشوته «١»، وهو يروغ روغانًا لم يتمكن الأسد منه معه، ثم احتز رأسه وحمله في درقته والناس ينظرون، ورجع فألقى ما في يده، وقال:
يادادا! عييت والله! فلم يبقَ منا رئيس حتى غمَّر يديه ورجليه. قال يزيد بن مسلمة «٢»: فقلت له: لِمَ راوغته- يا سيدي- وأنت قادر على قتله بالمكافحة؟
[ ١٩٧ ]
فقال: أردت أن يسلم وجهه من ضربتي وتكون ضرباتي ضربات من كرَّ عليه وهو منهزم! فكان المزَّاح بعد ذلك يقول: إذا كان التخنيث فليكن مثل تخنيث الطاهري! وما زلنا به آمنين حتى دخلنا بغداد.
الشيء يذكر بالشيء «١»: كان عندنا بشيزر مخنث يحضر الأعراس والجنائز، اسمه «سبيكة» إذا وقع القتال لبس درعًا وأخذ سيفه وترسه، وقال: بطل التخنيث! وخرج يضرب بالسيف.
ومن العار على السيوف أن يحملها ويضرب بها المخانيث «٢» .
وروى أحمد بن أبي يعقوب قال: أحضر داود بن على بن عبد الله بن العباس جماعة من بني أمية يضرب أعناقهم، وشرع السيَّاف فيهم، فبرقت برقة، فهمس غلامٌ منهم بهذين البيتين:
تألَّق البرق نجديًا فقلت له: يا أيها البرق إني عنك مشغولُ
يكفيك مني عدوٌ ثائرٌ حنقٌ في كفه كحبابٍ «٣» الماء مصقول
فقال داوود بن علي: ما تقول؟ قال: بيتين قلتهما في هذه الساعة، وأنشده إياهما. فقال: وما كان لك في وقوع السيف فيكم وزاع؟! ثم قال للسيَّاف:
ما ينبغي أن تستبقي لنا عدوًا من شجاعته أن يعمل الشعر الجيد والسيف على ودجه «٤»، فضرب عنقه.
وأعجب من هذا ما جرى لهدبة بن خشرم العذري، وقد أُخرج من
[ ١٩٨ ]
السجن إلى القتل، وحوله أهله وإخوانه يشجعونه ويصبرونه، فقال: لا تظنوا أن الموت عندي صعب، ودليل سهولته عليَّ أني إذا ضُربت رقبتي مددت رجلي وقبضتها ثلاث مرات! فلما ضُربت رقبته فعل ذلك «١» !!