قد جعل الله الدنيا دارَ قلعة، ومحلَّ نقلةٍ، فمن راحِلٍ ليومِهِ، ومن مدعوٍّ لغدهِ، وكل مستوفٍ لأجله، وجارٍ إلى أمدِهِ، ما الدنيا إلا دار نُقلة، وما المقام فيها إلا لرحلةٍ، على شرطِ الفَناء، خلق اللَهُ الدنيا وقال: " والآخرةُ خيرٌ وأبقى " شرط الدنيا صلة المنائح بالحوائج، وجمع الرغائبِ إلى النوائب، فموهوبها مسلوبٌ، وإن أرخى إلى مَهَل، وممنوحها محروبٌ، وإن أُخِّر إلى أجَل. نحن في الدنيا على أوفازٍ ومجاز، وحذار وانتظار الدنيا عارية مرتجعة، وسحائب منقشعة، قد تنكرتِ الدنيا حتى صار الموتُ أخفَّ خطوبِها، وأصغر ذنوبها، فلينظر المرءُ يَمنةً، هل يرى إلاّ مِحنةً، ثم ليعطف يَسرةً، هل يرى إلاّ حَسرةً.