ولابُدَّ من شَكْوى إلى ذي مُروءةٍ يُواسيكَ أو يُسليكَ أو يتوجَّعُ
(فإنْ كان من باب الُمروءة خاليًا يقسيكَ أو يُقصيكَ أو ليس ينفعُ)
أما بعد حمد الله الذي قضى بالمحبة والولوع، وحكم بإحراق كبد كل عاشق وولوع، (وقدَّر) بهوان أهل الهوى، فلم يفرحوا بهجوم الهجوع، وأمر بشقائهم؛ إذ سقاهم كأس والتشوق والتحرق والدموع.
والصلاة والسلام على سيدنا محمد صاحب العلم المزيد، والحلم المديد، والبطش الشديد، والرأي السديد، القائل وقوله يدني من بالغ الحكمة كل بعيد: من عشق، وكتم، وعف (وصبر) فمات، فهو شهيد.
صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين بذلوا المهج في محبته، ولم يبتغوا غير طريقته، ولم يتبعوا غير سنته، ما هبت نسمات الصبا، فتروح الصب إليها، وتمشت من ديار الأحبة، فجرت دموعه عليها.
فإني أعرف إخواني وأصحابي، وخلاني وأترابي، سلمهم الله (تعالى) من سطوات العشق ونهباته، وروعات الحب وحسراته، ودواعي الهوى وهجومه، وحديث الوجد وقديمه، وولوع القلب واشتغاله، واحتراقه بالهم واشتعاله،
[ ٤ ]
ومرارة فراق الحبيب وفقده، وما يقاسيه المتيم بعد بعده، وما يكابده من تجرع كؤوس هجره وصده، وما يحصل عليه من وجود شتاته وعدم سناته، وما تذكيه نار المحبة من همول مقلتيه، وتصاعد زفراته، وما يبديه الغرام من تواتر أحزانه، وتزايد حسراته، وما يجنيه البعاد من تتابع أنفاسه، وتواصل أناته، فمعانيه مقهور بالأوجاع والأوجال، مأسور بحبائل الفتن وأغلال الإعلال، لا ينهض بمقاساته إلا الفحول من الرجال، ويضعف عنه كل ضعيف (قلب) نشأ في النعيم وفي الدلال، ولقد أجاد من أوضح هذا المقال؛ حيث قال:
هوىً بين الملاحةِ والجمالِ يُقاسيه القويُّ من الرِّجالِ
ويضعفُ عنه كُلُّ ضعيفِ قَلْبٍ تربَّى في الَّنعيمِ وفي الدَّلالِ
إن أضر ما على الإنسان، في كل زمان، أن يجري طرفه مرخى العنان، فيمرح في ميدان الملاحة والجمال، ويسرح في أفنان اللطافة والدلال، فينظر ما لا يقدر على الصبر عنه النظر إليه، ولا يستطيع الفرار منه عند الزحف عليه، فيرجع بعد النعمة والوقار، إلى موقف المذلة والانكسار، وبعد المناصب والخدم، إلى التوريط والندم، وقد قيل: كم نظرة أعقبت تعبًا وحسرة! وكانت نظرة حلوة، فأعقبت عيشة مرة.
وكان يقطع الليل نومًا ملء جفونه، فصار يقطعه سهرًا
[ ٥ ]
بتصاعد أنينه، وكان قلبه حرًا ويده على العشاق ضارية، فصار قلبه مملوكاّ ودموعه في الهوى جارية، وكان تائهًا على كلِّ متواجد بالخلوِّ، فصار تائهًا لا يعرف القرار ولا السّلو، وكان فائقًا من سكرة الحب ولاعج الغرام، فصار عاشقًا لا يرده العذل ولا يثنيه الملام، وكان ساليًا عن ملاعبة كل حبيب، فصار شاكيًا عن ملازمة كل رقيب، وكان رادعًا كل محب عن الحبائب، فصار واقعًا في مصائد المصائب، وكان عاذلًا فصار عاذرًا، وكان حاذقا فصار حائرًا، وكان مخدومًا فصار خادمًا، وكان مسرورًا فصار واجمًا، وكان ضاحكًا فصار نائحًا، وكان كاتمًا فصار بائحًا، وكان سليمًا فصار سليمًا، وكان كليمًا فصار كليمًا، وكان صحيحًا فصار عليلًا، وكان عزيزًا فصار ذليلًا، وكان ذا عزٍّ فذلَّ، مُذْ سطا عليه جيش الحب من كمينه وحلَّ.
ولطالما أرخى النَّاظر زمام طرفه، متنزَّهاّ في رشاقة معاطف المحبوب وظرفه، متفكهًا في لطافة شمائله متفكرًا في شمائل لطفه، إذ عاد النظر بوبال الناظر وحتفه، وكان كالساعي على حتفه بظلفه، والجالب له الحين من الحين عشقه وعسفه.
ولهذا أمر بغض البصر، ونهى عن إرسال النظر، وقد وقع ذلك في نظم من شرح الحال، وسرح في ميدان التّتُّيم وجال، ونظر نظرةً أعقبت سهرًا ووجدًا، وبات كما قال يشكو من المحبوب بعدًا:
[ ٦ ]
وكنتَ متى أرسلتَ طرفكَ رائدًا لقلبكَ يومًا أتبعكَ النَّواظرُ
رأيتَ الذي لا كلُّه أنتَ قادرٌ عليه ولا عَنْ بعضه أنْتَ صابرُ
فصرح بأن من أرسل رائد طرفه، رجع بوبال مرسله وحتفه؛ لأنه يرى مالا قدرة له على كثيره، ولا صبر له عن يسيره.
فأي حال أصعب من هذه الأحوال! وأي سيئ أعظم من مقاساة هذه الأهواء والأهوال! وأي أمر أنكى من مكابدة هذا الخطب الجلي الجليل! وأي بطل يقوي على مقابلة هذا الهم العريض الطويل! وأي شجاع يثبت لنوافث سحر هاتيك! وأي همام يصبر على مناضلة نضال هاتيك الجفون! وأي عين لا تدمع عند معاينة هاتيك القدود العوامل! وأي كبد لا تتقطع عند مشاهدة هاتيك المعاطف والشمائل! وأي قلب لا يذوب عند استماع ذلك المنطق الشهي الرخيم! وأي صب لا يؤوب إلى محاسن تلك الأخلاق التي هي ألطف من مر النسيم! (وأي فؤاد لا يميل عند قوام ذلك الغصن القويم! وأي كبد لا يظمأ عند ريقه الذي هو أحلى من التنسيم! وأي لب لا يدهش لمعاناة هذا الخطر العظيم).
نَظَرتُكَ نظرةً بالخَيفِ كانتْ جلاء العين منِّي بل قذاها
فواها كيف تجمعنا اللَّيالي وواها مِنْ تفرُّقِنا وآها
على أن العين (هي) التي توقع القلب في التعب، وتوفر نصيبه من أسهم الهم والنصب، وترميه بدواعي الهوان الهوى، وتسلمه إلى
[ ٧ ]