ربِّ العالمينَ) التقدير: أنه قائم وأنه لا إله إلا الله وانه الحمد لله، ومثله: (أن لَّعنةُ اللهِ على الظاَّلمينَ) في قراءة من خفف ورفع، ومثله: (وناديناهُ أن يا إبراهيمُ قد صدَّقت الرُّؤيا) التقدير: أنه قد صدقت الرؤيا أو أنك قد دقت الرؤيا، ومنه قول الأعشى:
في فتية كسيوف الهند قد علموا أن هالك كل من يحفى وينتعل
وإذا وليها الفعل لم يجمعوا عليها مع النقص الذي دخلها بحذف إحدى نونيها (وحذف) اسمها أن يليها ما لا يجوز أن يليها وهي مثقلة فكان الأحسن عندهم الفصل بينها وبينه بأحد أربعة أحرف السين وسوف ولا وقد، تقول: علمت أن ستقوم وأن سوف تقوم وأن لا تقوم وأن قد تقوم، وفي التنزيل: (علم أن سيكون منكم مرضى) وفيه: (أفلا يرونَ ألَّا يرجعُ إليهمْ قولًا) وقال جرير:
[ ٣٣ ]
زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا أبشر بطول سلامة يا مربع
وقال بن أبي الصلت:
وقد علمنا لو أن العلم ينفعنا أن سوف يتبع أخرانا بأولانا
وربما وليها الفعل بغير فصل كقوله تعالى: (وأن لَّيسَ لإنسان إلا ما سعى)، وإنما حسن أن يليها ليس لضعف ليس في الفعلية وذلك لعدم تصرفها، وقد وليها الفعل المتصرف في الشعر في قوله:
إني زعيم يا نوي قة إن سلمت من الرزاح
وسلمت من غرض الحتو ف من الغدوَّ إلى الرواحِ
أن تهبطين بلاد قو م يرتعون من الطلاح
رفع الفعل لأنه أراد أنك تهبطين. الرزاح الإعياء، يقال: إبل مرازيح
[ ٣٤ ]
ورزحى ورزاحى. والطلاح جمع الطلح وهو شجر عظام كثير الشوك. وأما الطلح في قوله تعالى: (وطلحٍ مَّنضودٍ) فزعم المفسرون أنه الموز.
فصل
الأفعال التي تقع بعدها أن ثلاثة أضرب: ضرب قد ثبت في النفوس واستقر وهو علمت وأيقنت ورأيت في معنى علمت، وضرب بعكس هذا نحو طمعت وخفت واشتهيت، وضرب متوسط بينهما وهو حسبت وخلت وظننت. فالضرب الأول لا يقع بعده إلا الثقيلة والمخففة منها لأن التوكيد إنما يقتضيه ما ثبت في النفوس واستقر. والضرب الثاني لا يقع بعدها إلا المصدرية، تقول: طمعت أن تزورني وخفت أن تهجرني واشتهيت أن تواصلني. وفي التنزيل: (والَّذي أطمعُ أن يغفرَ لي خطيئتي) وفيه: (أخافُ أن يأكلهُ الذئبُ وأنتمْ عنهُ غافلونَ) والضرب الثالث تقع بعده المخففة والمصدرية كما جاء في التنزيل: (وحسبوا ألَّا تكونَ فتنةٌ) قرئ برفع تكون ونصبها.
وق جاءت المخففة من الثقيلة بعد الخوف في قول أبي محجن الثقفي:
[ ٣٥ ]
إذا مت فادفني إلى أل كرمة تروي عظامي بعد موتي عروقها
ولا تدفنني بالفلاة فإنني أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها
وقد جاءت الثقيلة بعد الخوف في قول آخر:
وما خفت يا سلام أنَّك قاطعي
وأشد من هذا مجيئها بعده في التنزيل في قوله: (ولا تخافونَ أنَّكمْ أشركتمْ باللهِ).
والثالث من أقسام أن استعمالها زائدة للتوكيد كقولك: لما أن جاء زيد أكرمته، ووالله أن لو أقمت لكان خيرًا لك، قال:
ولما أن رأيت الخيل قبلا تباري بالخدود شبا العوالي
القبل جمع الأقبل وهو الذي ينظر إلى طرف أنفه، وفي التنزيل: (فلمَّا أن جاءَ البشيرُ).
والرابع كون أن بمعنى أي التي للعبارة والتفسير لما قبلها كقولك:
[ ٣٦ ]
دعوت الناس أن رجعوا معناه: أي ارجعوا، قال الله تعالى: (وانطلقَ الملأُ منهمْ أن امشواْ) معناه: أي: امشوا، وقال جل شأنه: (وعهدنا إلى إبراهيمَ وإسماعيلَ أن طهِّرا بيتي) معناه: أي طهرا، وتكون هذه في الأمر العام خاصة ولا تجيء إلا بعد كلام تام لأنها تفسير ولا موضع لها من الإعراب لأنها حرف يعبر به عن المعنى.
فصل
اختلف النحويون في مواضع من كاب الله تعالى منها قوله: (يبينُ اللهُ لكمْ أن تضلُّوا)، (ومنها: (يبين لكمْ على فترةٍ من الرُّسلِ أن تقولوا ما جاءنا من بشيرٍ)، ومنها: (ألستُ بربّكمْ قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يومَ القيامةِ إنَّا كنَّا عنْ هذا غافلينَ)، ومنها: (وألقى في الأرضِ رواسيَ أن تميدَ بكمْ)، ومنها: (إنَّ اللهَ يمسكُ السماواتِ والأرضَ أن تزولا)، ومنها: (ولا تجهروا لهُ بالقولِ كجهرِ بعضكمْ لبعضٍ أن تحبطَ أعمالكمْ)، ومنها: (يحرجونَ الرَّسولَ وإيَّاكمْ أن تؤمنوا باللهِ ربِّكمْ)، وأضافوا إلى ذلك قول عمرو بن كلثوم:
[ ٣٧ ]
نزلتم منزل الأضياف منا فعجلنا القرى أن تشتمونا
فقال الكسائي والفراء: يبين لكم لئلا تضلوا، وقال أبو العباس المبرد: بل المعنى: كراهة أن تضلوا. وكذلك قوله: (يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم)، وقال الكوفيان معناه: لئلا تؤمنوا بالله، وقال المبرد: كراهة أن تؤمنوا بالله. وكذلك قول عمرو ابن كلثوم: فجعلنا القرى تشتمونا قالا معناه: لئلا تشتمونا، وقال أبو العباس: أراد كراهة أن تشتمونا، وقال علي بن عيسى الرماني: إن التقديرين في قوله تعالى: (يبين الله لكم أن تضلوا) واقعان موقعهما لأن، البيان لا يكون طريقًا إلى الضلال فمن حذف القسم في نحو: واله أقوم حذف المضاف لإقامة المضاف إليه مقامه أكثر من حذف لا. وأقول ليس يجري حذف لا في نحو: (يبين الله لكم أن تضلوا) مجرى حذفها من جواب القسم لأن الدلالة عليها إذا حذفت من جواب القس قائمة لأنك إذا قلت: والله أقوم، لو لم ترد لا لجئت باللام والنون فقلت: لأقومن.