فمن بدائعه قوله في الحمَّى:
وزائرتي كأنّ بها حياءً فليس تزور إلا في الظلامِ
بذلت لها المطارفَ والحشايا فعافتها وباتت في عظامي
المطارف جمع مطرف ومطرف وهو الذي في طرفيه علمان، والحشايا حجمع حشية وهو ما حشي مما يفرش.
إذا ما فارقتني غسَّلتني كأنّا عاكفانِ على رامِ
إنما خص الحرام، والإغتسال يكون من الحلال والحرام لأنه جعلها زائرة والزائرة غريبة فليست بزوجة ولا مملوكة.
كأن الصبح يطردها فتجري مدامعها بأربعةٍ سجامِ
إنما قال بأربعة لأنه أراد الغروب والشؤون وواحدهما غرب وشأن
[ ١١٥ ]
وهما مجاري الدموع.
أراقب وقتها من غيرِ شوقٍ مراقبة المشوقِ لمستهامِ
ويصدق وعدها والصدق شرٌّ إذا ألقاك في الكرب العظامِ
أبنتَ الدهرِ عندي كلُّ بنتٍ فكيف وصلتِ أنتِ من الزِّحامِ
جعل الحمى بنتًا للدهر لأنها تحدث فيه فكأنه أب لها. وقوله: عندي كل بنت، يريد: كل شديدة حدثها الدهر. وفيها:
ضاقت خطَّةٌ فخلصت منها خلاصَ الخمرِ من نسجِ الفدامِ
خطة حال صعبة الفدام مصفاة الخمر ويقال: فدام بالتشديد. قال أبو الفتح بعد أن ذكر هذه الأبيات: ما قيل شعر في وصف حال نهكت صاحبها واشتدت به ثم عاد إلى حال السلامة إلا وهذا أحسن منه. وقد ذكر عبد الصمد بن المعذل الحمى في قصيد رائية وليست في طرز هذه وإن كان عبد الصمد حاذقًا مخترعًا غير مدفوع الفضل.
وقال أبو الفتح بعد قوله:
وكم من عائبٍ قولًا صحيحًا وآفته من الفهمِ السقيمِ
[ ١١٦ ]
ولكن تأخذ الآذان منه على قدرِ القرائحِ والعلومِ
هذا كلام شريف لا يصدر إلا عن فضل باهر. القريحة خالص الطبع وهي مأخوذة من قريحة البئر وهو أول ما يخرج من مائها، ومن هذا قيل: ماء قراح أي لا يخالطه غيره.
قال أبو الفتح عقيب قوله:
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى حتى يراق على جوانبه الدم
أشهد بالله لو لم يقل المتنبي إلا هذا البيت لوجب أن يتقدم كثيرًا من المجيدين.
وقال أبو الطيب في أسد قتله بدر بن عمار وفر منه أسد آخر:
تلف الذي اتخذ الجراءة خلة وعظ الذي اتخذ الفرار خليلا
وقال أبو الفتح بعد إيراد هذا البيت: هذا من حكمه التي يرسلها، وله في شعره أشباه لهذا كثيرة، منها قوله:
الرأي قبل شجاعة الشجعان هو أولٌ وهي المحل الثاني
[ ١١٧ ]
ومنها: مصائب قومٍ عند قوم فوائد.
ومنها: إنّ النفيس فغريب حيث ما كانا ومنها:
ومن نكدِ الدنيا على الحر أن يرى عدوًا له ما من صداقته بد
وقال أوب الفتح بعد إيراد قوله:
ولقد عرفت وما عرفت حقيقة ولقد جهلت وما جهلت خمولا
نطقت بسؤددك الحمام تغنيًا وبما تجشمها الجياد صهيلا
أشهد بالله لو خرس بعد هذين البيتين لكان أشعر الناس والسلام.
وقال أبو الفتح في قوله:
نهبت من الأعمار ما لو حويته لهنئت الدنيا بأنّك خالد
لو لم يمدحه إلا بهذا البيت وحده لكان قد أبقى له مالًا
[ ١١٨ ]
يخلقه الزمان، وهذا هو المدح الموجه لأنه بنى البيت على أن مدحه باستباحة الأعمار ثم تلقاه في آخره بذكر سرور الدنيا ببقائه واتصال أيامه. هذا البيت قد ذكرت ما فيه فيما تقدم.
وقال أبو العلاء المعري في قوله:
إلفُ هذا الهواء أوقع في الأن فسِ أنّ الحمامَ مر المذاقِ
والأسى قبل فرقة الروح عجزٌ والأسى لا يكون بعد الفراق
هذان البيتان يفضلان كتابًا من كتب الفلاسفة لأنهما متناهيان في الصدق وحسن النظام، ولو لم يقل شاعرهما سواهما لكان فيهما جمال وشرف. وقال أبو العلاء في مرثية أبي الطيب التي رثى بها أخت سيف الدولة التي أولها: إن يكن صبر ذي الرزية فضلا.
لو لم يكن للمتنبي غير هذه القصيدة في سيف الدولة لكان كثيرًا. وأين منها قصيدة البحتري التي أولها: إن سير الخليط لما استقلا، انتهى كلامه.
[ ١١٩ ]
ومن معاني أبي الطيب المستحسنة وإن كان ما سبق إليه قوله:
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم
أصل هذا لمعنى قول ارسطاطاليس: العقل سبب رداءة العيش، وأخذه عيد الله بن المعتز في قوله:
وحلاوة الدنيا لجاهلها ومرارة الدنيا لمن عقلا
وكرره أبو الطيب في قوله:
أفاضل الناس أغراضٌ لذا الزمن يخلوا من الهم أخلاهم من الفطن
ومن ابتداءاته الغزلية الفائقة قوله:
أريقك أم ماء الغمامة أم خمر بفي برود في كبدي جمر
ومن أبارع ابتداءات المراثي قوله:
[ ١٢٠ ]
نعد المشرفية والعوالي وتقتلنا المنون بلا قتال
ونرتبط السوابق مقرباتٍ وما ينجين من خبب الليالي
وما وصف أحد ما اعتوره من نوائب الدهر بأحسن من قوله:
رماني الدهر بالأرزاء حتى فؤادي في غشاء من نبالِ
فصرت إذا أصابتني هامٌ تكسّرت النصال على النصالِ
وهل وصف نساء بالجمع بين بكاء الفجيعة وبكاء الدلال بأبرع من قوله:
أتتهنَّ المصيبة غافلاتٍ فدمع الحزنِ في دمع الدلال
وهل أبن شاعر امرأة بأبلغ من قوله:
ولو كان النساء كمن فقدنا لفضلت النساء على الرجال
وما التأنيث لاسم الشمس عيب ولا التذكير فخرٌ بالهلالِ
ومن هذه القصيدة في المدح قوله:
فإن تفق الأنام وأنت منهم فإنّ المسكَ بعض دمِ الغزال
[ ١٢١ ]
ومما جمع فيه بين الصنعة وحسن المعنى وهو من شوارد بدائعه قوله:
أزورهم وسواد الليل يشفع لي وأنثني وبياض الصبحِ يغري بي
قابل أزورهم بأنثني وسواد الليل ببياض الصبح ويشفع لي بيغري بي.
وأجمع أهل المعرفة بالشعر على أنه لم يمدح أسود بأحسن من قوله في كافور:
فجاءت بنا إنسان عين زمان وخلت بياضًا خلفها ومآقيا
حتى قال بعضهم: لو مدح بهذا أبيض لكان غاية في المدح فكيف والممدوح به أسود.
وما ذم شاعر الدنيا بمثل قوله:
فذي الدار أخون من مومسٍ وأخدع من كفَّةِ الحابلِ
تفانى الرجال على حبِّها وما يحصلونَ على طائلِ
المومس من النساء الفاجرة.
[ ١٢٢ ]
ومن بديع الإستعتاب بأحسن لفظ وأعذب معنى قوله:
إن كان سركم ما قال حاسدنا فما لجرح إذا أرضاكم ألم
ومن أبلغ الوصف بالجود قوله:
أرجو نداكَ ولا أخشى المطال به يا من إذا وهب الدنيا فقد بخلا
ومن أشد ما هجي به خصي أسود قوله:
وذاك أنّ الفحول البيض عاجزةٌ عن الجميلِ فكيف الخصية السود
ومن درر قلائده وهو مما أقر له فيه أبو نصر بن نباتة بالفضيلة فقال: إننا لنقول وما نحسن أن نقول كقول أبي الطيب:
إذا ما سرت في آثارِ قومٍ تخاذلت الجماجم والرقاب
ومما زاد فيه على من تقدمه قوله في الطير التي تصحب الجيش لتصيب من القتلى:
يطمع الطير فيهم طول أكلهم حتى تكاد على أحيائهم تقع
[ ١٢٣ ]
أراد طول أكلها إياهم فحذف فاعل المصدر وأضافه إلى المفعول كما جاء في التنزيل: (لقدْ ظلمكَ بسؤالِ نعجتكَ إلى نعاجهِ)، (أي بسؤاله إياك نعجتك) .. ومن أحسن المدح باستلذاذ المسؤول السؤال قوله:
إذا غزته أعاديه بمسألةٍ فقد غزته بجيشٍ غير مغلوبِ
كأنَّ كل سؤال في مسامعه قميص يوسف في أجفان يعقوب
ومن أرق لفظ في المدح وأظرفه قوله:
تأبى خلائقكَ التي شرفت أن لا تحن وتذكر العهدا
لو كنت عصرًا منبتًا زهرًا كنت الربيع وكانت الوردا
ومن غرره الفائقة قوله:
وجرمٍ جرّه سفهاء قوم فحل بغير جارمه العذاب
[ ١٢٤ ]
وقوله:
وما الحسن في وجه الفتى شرفًا له إذا لم يكن في فعله والخلائق
وقوله:
فإن قيل الحب بالعقل صالحٌ وإن كثير الحب بالجهل فاسد
وقوله:
إذا رأيتَ نيوب الليثِ بارزةً فلا تظننَّ أنّ الليثَ يبتسم
وقوله:
خذ ما تراه ودع شيئًا سمعت بهِ في طلعة البدر ما يغنيك عن زحلِ
وقوله:
لعلَّ عتبكَ محمودٌ عواقبه فربَّما صحتِ الأجسام بالعلل
وقوله:
وإذا الشيخ قال أفّ فما م لّ حياة وإنَّما الضعف ملَّا
[ ١٢٥ ]
آلة العيش صحةً وشباب فإذا وليا عن العيش ولّى
أبدًا تسترد ما تهب الدن يا فياليتَ جودها كان بخلا
وقوله:
وإذا كانت النفوس كبارًا تعبت في مرادها الأجسام
وقوله:
أعيذها نظرات منك صادقة أن تحسب الشحمَ فيمن شحمه ورم
وما انتفاع أخي الدنيا بناظره إذا استوت عنده الأنوار والظلم
وقوله:
وما الدهر أهلٌ أن تؤملَ عنده حياة وأن يشتاق فيه إلى النسلَ
وقوله:
إذا ما الناس جرَّبهم لبيبٌ فإني قد أكلتهم وذاقا
[ ١٢٦ ]
فلم أرَ ودَّهم إلّا خداعًا ولم أر دينهم إلا نفاقًا
قوله:
فما ترجى النفوس من زمنٍ أحمد حاليه غير محمودِ
وقوله:
أبى خلق الدنيا حبيبًا تديمه فما طلبي منها حبيبًا ترده
وأسرع مفعولٍ فعلت تغيرًا تكلف شيء في طباعك ضده
وقوله:
إذا ساء فعل المرءِ ساءت ظنونه وصدق ما يعتاد من توهم
وعادى محبيه بقول عداته وأصبح في ليلٍ من الشكّ مظلم
وما كل هاوٍ للجميل بفاعل ولا كل فعالٍ له بمتمِّمِ
وقوله:
ومثلك من كانَ الوسيط فؤاده فكلمه عني ولم أتكلمِ
[ ١٢٧ ]
وقوله:
وكل امرئ يولي الجميلَ محببْ وكل مكانٍ ينبت العزَّ طيب
وقوله:
ما كل ما يتمنى المرء يدركه تجري الرياح بما لا تشتهي السفن
وقوله:
ومراد النفوس أصغر من أن نتعادى فيه وأن نتفانا
غير أنَّ الفتى يلاقي المنايا كالحاتٍ ولا يلاقي الهوانا
ولو أنّ الحياةَ تبقى لحيِّ لعددنا أَلّنا الشجعانا
وإذا لم يكن من الموتِ بدٌ فمن العجزِ أن تكون جبانا
وقوله:
لما صارَ ود الناسِ خبًا جزيت على ابتسامٍ بابتسامِ
[ ١٢٨ ]
ومنها:
وصرت أشك فيمن أصطفيه لعلمي أنّه بعض الأنام
وآنف من أخي لأبي وأمي إذا ما لم أجده من الكرامِ
ولم أر في عيوب الناس شيئًا كنقص القادرين على التمامِ
وقوله:
إذا أتتِ الإساءة من وضيعٍ ولم ألمِ المسيء فمن ألوم
وقوله:
إذا ما عدمت الأصل والعقل والندى فما لحياةٍ في جنابكَ طيب
وقوله:
لولا المشقة سادَ الناس كلهم الجود يفقر والإقدام قتّال
إنّا لفي زمنٍ ترك القبيح به من أكثر الناس إحسانٌ وإجمال
[ ١٢٩ ]
ذكر الفتى عمره الباقي وحاجته ما قاته وفضول العيش أشغال
وقوله:
إنّي لأجبن من فراقِ أحبَّتي وتحسُّ نفسي بالحمامِ فأشجع
ويزيدني غضب العادي قسوةً ويلم بي عتب الصديق فأجزع
تصفو الحياة لجاهلٍ أو غافلٍ عمّا مضى فيها وما يتوقَّع
ولمن يغالط في الحقائق ِنفسه ويسوقها طلب المحالِ فتطمع
أين الهرمان من بنيانه ما قومه ما يومه ما لمصرع
الهرمان بمصر كل رم منها أربع مثلثات مطبق بعضها إلى بعض ارتفاعها أربعمائة ذراع وكذلك كل جانب منها. وقيل إن مسقط حجرها ثلاثمائة ذراع وعشرون ذراعًا.
نتخلف الآثار عن أصحابها حينًا ويدركها الفناء فتتبع
[ ١٣٠ ]
ومن ذلك قوله:
توهَّم القوم أن العجز قرَّبنا وفي التقربِ ما يدعو إلى التهمِ
ولمَ تزل قلة الإنصاف قاطعةً بين الرجال ولو كانوا ذوي رحم
ومنها:
هوِّن على بصر ماشَّق منظره فإنّما يقظات العينِ كالحلمِ
ولا تشكَّ إلى خلقٍ فتشمته شكوى الجريح إلى الغربان والرَّخمِ
وكن على حذرٍ للناس تستره ولا يغركَ منهم ثغرُ مبتسمِ
غاضَ الوفاء فما تقاه في عدةٍ وأعوزَ الصدقُ في الأخبار والقسم
غاض ذهب، من قولك: غاض الماء. ومنها:
أتى الزمان بنوه في شبيبتهِ فسرَّهم وأتيناهُ على الهرمِ
ومن ذلك قوله:
تريدينَ لقيان المعالي رخيصةً ولا بد دونَ الشهدِ من إبرِ النحلِ
[ ١٣١ ]
وقوله:
تمنَّ يلذ المستهام بمثلهِ وإن كان لا يغني فتيلا ولا يجدي
وغيظ على الأيام كالنارِ في الحشا ولكنّه غيظ الأسير على القدِّ
وقوله:
نحن بنو الموتى فما بالنا نعاف مالا بدَّ من شربهِ
تبخل أيدينا بأرواحنا على زمانٍ هي من كسبهِ
فهذه الأرواح من جوهَ وهذه الأجسام من تربهَ
لو فكَّرَ العاشق في منتهى=حسنِ الذي يسبيهِ لم يسبه
يموت راعي الضَّأنِ في جهلهِ موتةَ جالينوس في طبِّهِ
وقوله:
فلا تغرركَ ألسنةٌ موالٍ تقبلهنَّ أفئدةٌ أعادي
[ ١٣٢ ]
فإن الجرحَ ينفر بعد حينٍ إذا كان البناء على فسادِ
وإن الماء يجري من جمادٍ وإنّ النار تخرج من زناد
وقوله:
على ذا مضى الناس اجتماع وفرقة وميتٌ ومولودٌ وقالٍ ووامقُ
المقة المحبة.
تغير حالي والليالي بحلها وشبت وما شاب الزمان الغرانق
الغرانق من الرجال الشاب الناعم وجمعه غرانق بفتح الغين.
ومن ذلك قوله:
فؤاد ما تسليه المدام وعمر مثل ما تهب اللئام
ودهر ناسه ناسٌ صغار وإن كانت لهم جثث ضخام
وما أنا منهم بالعيش فيهم ولكن معدن الذهب الرّغام
[ ١٣٣ ]
الرغام: التراب.
خليلك أنت لا من قلت خلي وإن كثر التجمل والكلام
ولو حيز الحفاظ بغير عقلٍ تجنب عنق صيلقه الحسام
وشبه الشيء منجذب إليه وأشبهنا بدنيانا الطغام
الطغام جمع طغامة، وهو الجاهل الذي لا يعرف شيئًا.
ولو لم يعل إلا ذو محلٍّ تعالى الجيش وانحط القتام
وقوله:
أنكرت طارقة الحوادث مرةً ثم اعترفت بها فصارت ديدنا
ومنه:
ومكايد السفهاءِ واقعةٌ بهم وعداوة الشعراء بئس المقتنى
لعنت مقارنة اللئيم فإنّها ضيفٌ يجر من الندامةِ ضيفنا
[ ١٣٤ ]
الضيفن ضيف الضيف.
ومن بدائعه قوله:
واحتمال الأذى ورؤية جاني هـ غذاءٌ تضوى به الأجسام
ذلَّ من يغبط الذليل بعيشٍ رب عيشٍ أخف منه الحمام
كل حلمٍ أتى بغير اقتدارٍِ حجة لا جيءٌ إليها اللئام
من يهن يسهل الهوان عليه ما لجرحٍ بميِّت إيلام
وقوله:
أعرض للرماحِ الصم نحري وأنصب حرَّ وجهي للهجيرِ
وأسري في ظلام الليل وحدي كأني منه في قمرٍ منير
فقل في حاجةٍ لم أقض منها على تعبي بها شروى نقير
[ ١٣٥ ]
الشروى المثل: يقال: هذا شروى هذا أي مثله. والنقير مما ضربوا بن المثل في الحقارة كالفتيل والقطمير. فالنقير النقرة أي النكتة التي في ظهر النواة، والفتيل الذي في شق النواة، والقطمير القشرة الرقيقة التي عليها. وروي عن ابن عباس ﵁ أنه وضع طرف إبهامه على باطن سبابته ثم نقرها وقال: هذا لا نقير، وقال: الفتيل ما يخرج من الأصبعين إذا فتلتهما.
ونفسٍ لا تجيب إلى خسيسٍ وعين لا تدار على نظير
وكفٍّ لا تنازع من أتاني ينازعني سوى شرفي وخيري
الخير الكرم وعطفه عليه لاختلاف لفظيهما كما قال الحطيئة:
وهندٌ أتى من دونها النأي والبعد
وسوى متعلق بتنازع أي لا تنازع سوى كرمي من أتاني ينازعني.
وقلة ناصرٍ جوزيت عني بشرٍ منك يا شرَّ الدهورِ
[ ١٣٦ ]
عدوي كل شيء فيك حتى لخلت الأكم موغرة الصدور
فلو أني خسرت على نفيسٍ لجدت به لذا الجدّ العثور
الجد هاهنا الحظ.
ولكني حسدت على حياتي وما خير الحياة بلا سرور
ومنها:
فلو كنت امرأ يهجى هجونا ولكن ضاق فترٌ عن مسير
ومن ذلك قوله:
أفاضل الناس أغراض لذا الزمن يخلو من الهم أخلاهم من الفطن
أغراض أهداف.
وإنما نحن في جيلٍ سواسيةٍ شرٍّ على الحر من سقمٍ على بدن
سواسية مستوون في الشر.
حولي بكل مكان منهم خلقٌ تخطى إذا جئت في استفهامها بمن
[ ١٣٧ ]
أراد باستفهامك عنها فحذف فاعل المصدر والجار. ومنها:
فقر لجهول بلا عقلٍ ولا أدبٍ فقر الحمارٍ بلا رأسٍ إلى رسن
ومنها:
لا يعجبنَّ مضيمًا حسن بزته وهل يروق دفينا جودة الكفنِ
راقني الشيء أعجبني.
ومن ذلك قوله في مرثية جدته:
عرفت الليالي قبل ما صنعت بنا فلما دهتني لم تزدني بها علمًا
ما الجمع بين الماء والنار في يدي بأصعب من أن أجمع الجد والفهما
وإني لمن قومٍ كأن نفوسهم بها أنفٌ أن تسكن اللحم والعظما
فلا عبرت بي ساعةٌ لا تعزني ولا صحبتني مهجة تقبل الظلما
[ ١٣٨ ]
ومن ذلك قوله أيضًا:
وأنا الذي اجتلب المنية طرفه فمن المطالب والقتيل القاتل
ومنها:
ما نال أهل الجاهلية كلهم شعري ولا سمعت بسحري بابل
فإذا أتتك مذمتي من ناقصٍ فهي الشهادة لي بأني كامل
ومن ذلك قوله:
ولا تحسبن المجد زقًا وقينةً فما المجد إلا السيف والفتكة البكر
ومن ينفق الساعات في جمع ماله مخافة فقرٍ فالذي فعل الفقر
ومنها:
ومازلت حتى قادني الشوق نحوه يسايرني في كل ركبٍ له ذكر
واستكبر الأخبار قبل لقائه فلما التقينا صغر الخبر الخبر
[ ١٣٩ ]
ومن ذلك قوله:
لا استزيدك فيما فيك من كرمٍ أنا الذي نامَ إن نبهت يقظانا
ومن ذلك قوله:
كذا فتنحوا عن عليٍّ وطرقه بني اللؤم حتى يعبر الملك الجعد
الجعد هاهنا السخي مشبه بالثري الندي، وإذا قالوا: ثرى جعد فإنما يريدون أنه يجتمع في الكف، وكذلك إذا قالوا: شعر جعد.
فما في سجاياكم منازعة العلى ولا في طباع التربة المسك والند
فإن يك سيار بن مكرمٍ انقضى فإنك ماء الورد إن ذهب الورد
وقوله:
من خصَّ بالذم الفراق فإنني من لا يرى في الدهر شيئًا يحمد
وقوله:
يهون على مثلي إذا رام حاجةً وقوع العوالي والقواضب
[ ١٤٠ ]
إليك فإني لست ممن إذا اتقى عضاض الأفاعي نام فوق العقارب
وقوله:
يخيل لي أن البلاد مسامعي وأني فيها ما يقول العواذل
وقوله:
إذا غامرت في شرفٍ مرومِ فلا تقنع بما دون النجوم
فطعم الموت في أمرٍ حقيرٍ كطعم الموت في أمر عظيم
يرى الجبناء أن العجز عقل وتلك خديعة الطبع اللئيم
وقوله وقد تقدم ذكره:
ذو العقل يشقى في العيم بعقله وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم
وكذلك قوله:
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى حتى يراق على جوانبه الدم
[ ١٤١ ]
أراد لا يسلم للشريف من أذى الحساد والأعداء حتى يقتل حساده وأعداءه فإذا أراق دماءهم له شرفه، فإنه إنما يصير مهيبًا بالغلبة.
والظلم من شيم النفوس فان تجد ذا عفةٍ فلعلةٍ لا يظلم
والذل يظهر في الذليل مودةً وأود منه لمن يود الأرقم
ومن البلية عذل من لا يرعوي عن غيه وخطاب من لا يفهم
وقوله:
مشيب الذي يبكي الشباب مشيبه فكيف توقيه وبانيه هادمه
وتكملة العيش الصبا وعقيبه وغائب لون العارضين وقادمه
وما خطب الناس البياض لأنه قبيح ولكن أحسن الشعر فحمه
وقوله: يدفن بعضنا بعضًا وتمشي=أواخرنا على هام الأوالي
[ ١٤٢ ]
الأوالي مقلوب من الأوائل فوزنه الأفائع.
وكم عينٍ مقبلة النواحي كحيلٍ بالجنادلِ والرمال
ومغضٍ كان لا يغضي لخطب وبالٍ كان يفكر في الهزالِ
وقوله:
وما الموت إلا سارق دقً شخصه يصول بلا كفٍّ ويسعى بلا رجل
يرد أبو الشبل الخميس عن ابنه ويسلمه عند الولادة للنمل
وقوله:
أرى كلنا يبغي الحياة بسعيه حريصًا عليها مستهامًا بها صبا
فحب الجبان النفس أورده التقى وحب الشجاع النفس أورده الحربا
ويختلف الرزقان والفعل واحد إلى أن يرى إحسان هذا لذا ذنبا
ومن ذلك قوله:
[ ١٤٣ ]
طوى الجزيرة حتى جاءني خبر فزعت فيه بآمالي إلى الكذب
حتى إذا لم يدع لي صدقه أملا شرقت بالدمع حتى كاد يشرق بي
أي صغرت في جنب الدمع فصرت بالإضافة إليه كالشيء يشرق به في القلة.
ومن ذلك قوله:
كم تكلبون لنا عيبًا فيعجزكم ويكره الله ما تأتون والكرم
ليت الغمام الذي عندي صواعقه يزيلهن إلى من عنده الديم
وقوله:
وإذا ما لبست الدهر مستمعًا به تخرقت والملبوس لم يتخرق
وإطراق طرف العين ليس بنافعٍ إذا كان طرف القلب ليس بمطرق
[ ١٤٤ ]
وما ينصر الفضل المبين على العدا إذا لم يكن فضل السعيد الموفق
وقوله:
رب أمرٍ أتاك لا تحمد الفعَّ ال فيه وتحمد الأفعالا
وإذا ما خلا الجبان بأرضٍ طلب الطعن وحده والنِّزالا
من أطاق التماس شيء غلابًا واغتصابًا لم يلتمسه سؤالا
كل غادٍ لحاجةٍ يتمنى أن يكون الغضنفر الرِّئبالا
وقوله:
الرأي قبل شجاعة الشجعان هو أول وهي المحل الثاني
فإذا هما اجتمعا لنفسٍ مرَّةٍ بلغت من العلياء كلَّ مكان
ولربما طعن الفتى أقرانه بالرأي قبل تطاعن الأقران
لولا العقول لكان أدنى ضغيمٍ أدنى إلى شرفٍ من الإنسان
[ ١٤٥ ]
وقوله:
كفى بك داءً أن ترى الموت شافيًا وحسب المنايا أن يكنَّ أمانيا
تمنيتها لما تمنيت أن ترى صديقًا فأعيا أو عدوًا مداجيا
إذا كنت ترضى أن تعيش بذلة فلا تستعدنَّ الحسام اليمانيا
ولا تستطيلن الرماح لغارةٍ ولا تستجيدنَّ العتاق المذاكيا
فما ينفع الأسد الحياء من الطَّوى ولا تتقى حتى تكون ضواريا
حبيتك قلبي قبل حبك من نأى وقد كان غدارًا فكن لي وافيا
أقل اشتياقًا أيها القلب ربما رأيتك تصفي الود من ليس جازيا
خلقت ألوفًا لو رجعت إلى الصبا لفارقت شيبي موجع القلب باكيا
ومنها:
إذا الجود لم يرزق خلاصًا من الأذى فلا الحمد مكسوبًا ولا المال باقيا
[ ١٤٦ ]
وللنفس أخلاقٌ تدل على الفتى أكان سخاءً ما أتى أم تساخيا
ومن ذلك قوله:
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا
ووضع الندى في موضع السيف بالعلى مضر كوضع السيف في موضع الندى
ومن ذلك قوله:
تخالف الناس حتى لا اتفاق لهم إلا على شجبٍ والخلف في الشجب
الشجب الهلاك. أراد أن الناس مختلفون في كل شيء ولم يقع الاتفاق منهم إلا على الموت ثم أنهم قد اختلفوا فيه، وبين وجه اختلافهم بقوله:
فقيل تخلص نفس المرء سالمة وقيل تشرك جسم المرء في العطب
قيل إن الملحدين يقولون أن النفس تهلك كما يهلك الجسم، وروي عن أفلاطون وأرسطوطاليس في ذلك خلاف، فقيل إن أحدهما كان يقول: تبقى النفس الخيرة بعد خروجها من الجسد، وأن الآخر كان يقول: تبقى النفس المحمودة والمذمومة، ومن يذهب إلى هذا الوجه يزعم أنها تكون ملتذة بما فعلته من الخير في الدار الفانية.
ومن تفكر في الدنيا مهجته أقامه الفكر بين العجز والتعب
[ ١٤٧ ]