منها قوله:
إن المعارف في أهل النهي ذمم.
وقوله:
أنا الغريق فما خوفي من البلل
وقوله:
وقد يؤذي من المقةِ الحبيب
وقوله:
ولكن ربما خفي الصواب
وقوله:
وكل اغتياب جهد من لا له جهد
وقوله:
ليس التكحل في العينين كالكحل
وقوله:
وتأبى الطباع على الناقل
وقوله:
وفي الباقي لمن بقي اعتبار
وقوله:
ومن وجد الإحسان قيدًا تقيدًا
وقوله:
ومن لك بالحر الذي يحفظ اليدا
[ ١٤٨ ]
وقوله:
والمستغر بما لديه الأحمق
وقوله:
وفي عنق الحسناء يستحسن العقد
وقوله:
وليس بمنكرٍ سبق الجواد
وقوله:
ولكن صدمَ الشرِّ بالشر أحزم
وقوله:
قد أفسد القول حتى أحمد الصمم
وقوله:
مصائب قومٍ عند قوم فوائد
وقوله:
ومخطئٌ من رميُّهُ القمر
وقوله:
فإنّ في الخمر معنىً ليس في العنب
وقوله:
ومن قصد البحر استقل السواقيا
وقوله:
وأين من مشتاق عنقاء مغرب
وقوله:
ولا يرد عليك الفائت الحزن
وقوله:
بجبهة العير يفدى حافر الفرس
وقوله:
الجوع يرضي الأسود بالجيف
[ ١٤٩ ]
وقوله:
إذا عنَّ بحرٌ لم يجز لي التيمم
وقوله:
إنّا لنغفل والأيام في الطلب
وقوله:
إن النفيس نفيسٌ حيثما كانا
وقوله:
وبضدها تتبين الأشياء
وقوله:
غير مدفوعٍ عن السبق العراب
وقوله:
ما كل دامٍ جبينه عابد
وقوله:
ومن يسد طريق العارض الهطل
وقوله:
ويبين عتق الخيل في أصواتها
وقوله:
والشيب أوقر والشبيبة أنزق
وقوله:
وفي التجارب بعد الغي ما يزع
يزع يكفّ الغاوي عن غيِّه.
وجاء بمثل في ثلث بيت وهو قوله:
ومن للعورِ بالحولِ
[ ١٥٠ ]
ليس شيء مما ذكرته من هذه الآداب البارعة والأمثال السائرة الرائعة إلا قد فاوضت فيه شيوخ العلم فأبدوا فيه وأعادوا واستحسنوا واستجادوا، وإنما ذكرت لك طرفًا من عيون كلمه وبعضًا من فنون حكمه لأنبهك على جلالة قدره وأعرفك أنه في الشعر نسيج وحده وقريع عصره، ومن صغر شأنه فقد أبان عن نقص في نفسه كثير، وما أحسن قول النابغة: أي الرجال المهذب. والفاضل من عدت سقطاته، والإساءة في البيت الفذِّ مغفورة بإضافتها إلى ألف حسنة، كما قيل:
وإذا الحبيب أتى بذنبٍ واحدٍ جاءت محاسنه بألف شفيع
وبعد هذا من الذي سلم في شعره من الشعراء المتقدمين ولو اقتصصت لك سقطات بشار وأبي نواس وأبي تمام والبحتري وغيرهم من الفحول المبرزين المتقدمين والمتأخرين لاستحسنت من شعر أبي الطيب ما استقبحته واستجدت ما استرذلته على أنه لم يرتكب لفظة مستهجنة إلا وليس له عنها مندوحة، ولست تقدر أن توجدني أمثالًا عدد أمثاله في شعر واحد من نظرائه وأمثاله بل لا تجد ذلك لمجيدين أو ثلاثة مكثرين من المتقدمين والمتأخرين. وما أحسن قوله:
فجازوا بترك الذم إن لم يكن حمد
وأسخف شعره القصيدة التي أولها:
[ ١٥١ ]
ما أنصفَ القوم ضبَّه
ومنها:
إن أوحشتك المعالي فإنها دار غربه
أو آنستك المخازي فإنها بك أشبه
وكل من خطأه في معنى أو كلمة لغوية فهو مخطىءٌ في تخطئته فممن خطأه في كلمة لغوية أبو زكريا فقال في قوله:
قد كنت تهزأ بالفراق مجانةً
الناس يستعملون المجانة في معنى الهزء بالشيء والتهاون به، يقولون: فلان ماجن إذا كان مسرفًا في اللهو والقل لما لم يكن فأما أهل اللغة فيقولون: مجن إذا مرن على الشيء. انتهى كلامه. والذي قاله غير صحيح بدلالة أن المجانة قد وردت في الشعر القديم على ما ذهب إليه المتنبي وذلك في قول يزيد بن مفرغ الحميري يهجو عباد ابن زياد بن أبيه:
شجاع في المجانة والمخازي جبان عند محتضر المصاع
[ ١٥٢ ]
قال أبو الحسين بن فارس في المجمل: المجون أن لا يبالي الإنسان بما صنع. فهذا دفع لما قاله أبو زكريا من جهة شعر العرب، ومن جهة قول أهل اللغة.
وقال المتنبي يصف جيشًا في أرض قطعها ويخاطب الممدوح:
جيشٌ كأنك في أرضٍ تطاوله والأرض لا أممٌ والجيش لا أمم
يقول: بعدت الأرض وطالت فكأنها تطاول جيشك البعيد أطرافه. والأمم بين القريب والبعيد، ثم فسر هذا بقوله:
إذا مضى علمٌ منها بدا علمٌ وإن مضى علمٌ منه بدا علم
أراد بالعلم من الأرض الجبل، وبالعلم من الجيش الراية، ويقول: فلا الجبال تغنى ولا أعلام الجيش. قال أبو زكريا: ول قال وإن مضى عالم منه لكان أحسن في حكم الشعر لأن تكرير العلم في البيت كثر، وقوله وإن مضى عالم، يقلل من تردد العلم ويدل على كثرة الجيش. انتهى كلامه. وأقول: إن المتنبي لو قال ما ذهب إليه أبو زكريا فاستعمل العالم في موضع العلم كان قبيحًا في صناعة الشعر لأنه قد أتى بذكر العلم الذي هو الجبل مرتين فوجب أن يقابله بذكر العلم الذي هو الراية مرتين. وأما قوله: إنه لو قال مضى عالم، دل على كثرة. وكذلك ذكر العلم يدل على كثرة الجيش لأن العلم يكون تحته أمير معه عالم. فأما كراهيته لتكرير العلم، فقول من جهل ما في التكرير من التوكيد والتبيين
[ ١٥٣ ]
إذا تعلق التكرير بعضه بحرف عطف أو بحرف شرط أو بغير ذلك من ذلك المعلقات، كما جاء في التنزيل: (وإنَّ منهمْ لفريقًا يلونَ ألسنتهم بالكتابِ لتحسبوهُ منَ الكتابِ وما هوَ منَ الكتابِ ويقولنَ هوَ منْ عندِ اللهِ)، ومثله: (فاستمتعواْ بخلاقهمْ فاستمتعتم ْ بخلاقكمْ كما استمتعَ الَّذينَ من قبلكم بخلاقهمْ). فالتكرير في هذا النحو حسن مقبول، وإذا جاء هذا في القرآن علمت أن التكرير في بيت أبي الطيب غير معيب، وإنما يعاب التكرير إذا ورد اللفظ في بيتين أو ثلاثة والمعنى واحد. ووهم أبو زكريا في بيت لأبي نواس حمل عليه بيتًا لأبي الطيب، وذلك قول أبي الطيب:
يا من لجود يديه في أمواله نقمٌ تعود على اليتامى أنعما
حتى يقول الناس ماذا عاقلا ويقول بيت المال ماذا مسلما
قال أبو زكريا: عظم الممدوح تعظيمًا وجب معه أن لا يكون خاطبه بقوله: حتى يقول الناس ماذا عاقلا، وإنما تبع في ذلك الحكمي في قوله:
جاد بالأموال حتى قيل ما هذا صحيح
ويجوز أن يكون أبو الطيب ظن أن أبا نواس أراد بقوله: ما هذا
[ ١٥٤ ]
صحيح العقل، ولعله لم يد ذلك، وإنما أراد: هذا الفعل صحيح انتهى كلامه.
وأقول: إن أبا نواس لم يرد إلا ما ذهب إليه المتنبي، لأن أبا نواس قد صرح بهذا المعنى في قصيدة أخرى وأتى بلفظة أقبح من قوله: ما هذا صحيح، فقال:
جدت بالأموال حتى حسبوه الناس حمقا
وتبعه في ذلك أبو تمام فقال:
مازال يهذي بالمكارم والندى حتى ظننا أنه محموم
ويروى: يهذر، والأصل في هذا قول أعرابي فيما أورده الجاحظ في كتاب الحيوان:
حمراء تامكة السنامِ كأنّها جملٌ بهودج أهله مظعون
جادت بها عند الوداع يمينه كلتا يدي عمر الغداة يمين
[ ١٥٥ ]
ما كان يعطي مثلها في مثله إلا كريم الخيم أو مجنون
فعلى هذا المنوال نسج أبو الطيب بيته، فأراد: أنه يفرط في الجود حتى ينسبه الناس إلى عدم العقل، ولو كان بيت المال مما يصح منه الكلام لقال ماذا مسلما، لأنه فرق أموال المسلمين، ويجوز أن يكون أراد: حتى يقول خزان بيت المال وحذف المضاف كما حذف في: (وسئلِ القريةَ)، وقول الأعرابي: تامكة السنام أي عاليته. تمك السنام علا، والخيم السجية وهي الخليقة، والهاء في مثله تعود على الوداع أي في مثل وقت الوداع.
قد أثبت لك ما ظفرت به بالتتبع من حكم أبي الطيب ولم أثبت إلا مما رأيته في مكاتبة أو سمعته في مفاوضة فقد كفيتك مؤونة تطلبه وبقي عليك تكلف تحفظه. فمن فضائل هذا الشاعر من دون قائلي القريض أنك لا تجد واحدًا من الناس إلا وهو يحفظ من شعره قصائد أو قصيدتين أو قصيدة أو مقطوعة أو بيتًا أو صدر بيت أو عجز بيت. فمما أجمع الناس على حفظه أو حفظ عجزه قوله:
بذا قضت الأيام ما بين أهلها مصائب قومٍ عند قوم فوائد
ولقد سمعت من أدوان العوام مرارًا غير محصاة أناسًا ينشدون قوله:
[ ١٥٦ ]
ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى عدوًا له ما من صداقته بد
وكذلك قوله:
والظلم من شيم النفوس فإن تجد ذا عفةٍ فلعله لا يظلم
إلا أنهم يغلطون فيه يقولون: فإن ترى، يستعملون ترى موضع تجد. وما أوقع قوله فيمن ذمه:
وإذا أتتك مذمتي من ناقصٍ فهي الشهادة لي بأني كامل
وقوله:
رماني خساس الناس من صائب إسته وآخر قطنٌ من يديه الجنادل
ومن جاهلٍ بي وهو يجهل جهله ويجهل علمي أنه بي جاهل
أما إعراب هذين البيتين فإن دخول (من) في قوله: من صائب استه، كدخولها في قولك: جاء القوم من ضاحك وباك، فهي للتبغيض لأن المعنى: بعضهم ضاحك وبعضهم باك. ويقال أصاب السهم الهدف فهو مصيب، وصابه فهو صائب، لغية، قال بشر بن أبي خازم الأسدي:
[ ١٥٧ ]
تسائل عن أخيها كل ركب ولم تعلم بأن السهم صابا
وقوله: ويجهل علمي أنه بي جاهل، علمي مفعول يجهل، وقوله: أنه بي جاهل، هو الفاعل أي: يجهل جهله بي علمي. وفسر علي بن عيسى الربعي قوله: من صائب استه، بأنه من ضعفه إذا رمى يصيب استه، فحمله على معنى قوله: وآخر قطن من يديه الجنادل، وليس هذا القول بشيء لأننا لم نجد في الموصوفين بالضعف من يرمي بحجر أو غير حجر مما ترامي به اليد فيصيب استه، وإنما هو مثل ضربه فذكر تفصيل عائبيه فقال: عابني أراذل الناس فمنهم من رماني بعيب هو فيه وهو الأبنة فانقلب قوله عليه فأصاب استه بالعيب الذي رماني به. وآخر لم يؤثر كلامه في عرضي لعيه وحقارته فهو كمن يرمي قرنه بسبائح القطن، أي الذين رموني من هذين الصنفين بهذين الوصفين.
[ ١٥٨ ]