منها قوله يهجو إسحاق بن إبراهيم بن كيغلغ:
يمشي بأربعة على أعقابه تحت العلوج ومن وراء يلجم
ذهب باليدين والرجلين مذهب الأعضاء فذكر على المعنى، كما قال الأعشى: يضم إلى كشيحة كفا مخضبا وكان القياس أن تقول: بأربع ولكنه ألحق الهاء ضرورة، وقد أنثوا المذكر على المعنى فيما رواه الأصمعي قال: قال أبو عمرو بن العلاء: سمعت أعرابيًا يمانيًا يقول: فلان لغوب جاءته كنابي فاحتقرها، فقلت له: أتقول جاءته كتابي؟ فقال: أليس هو بصحيفة؟
[ ٨٢ ]
فقلت له: ما اللغوب؟ فقال: الأحمق، وقال الشاعر:
أحمال المئين إذا ألمت بنا الحدثان والأنف النصور
ويروى: الغيور، أنث الحدثان على معنى الحادثة. ومن تأنيث المذكر على المعنى تأنيث الأمثال في قوله ﷿: (من جاءَ بالحسنةِ فلهُ عشرُ أمثالها) لأن الأمثال في المعنى حسنات فالتقدير: عشر حسنات أمثالها، وإذا كانوا قد أنثوا المذكر على المعنى فتذكير لمؤنث أسهل لأن حمل الفرع على الأصل أسهل من حمل الأصل على الفرع. وقال: على أعقابه، فجمع في موضع التثنية وحقه في الكلام: على عقبيه كما جاء في التنزيل: (نكصَ على عقبيهِ)، ولكنهم جمعوا في موضع الإفراد فقالوا: شابت مفرقه، وبعير ذو عثانين. وقال الشاعر:
والزعفران على ترائبها شرق به اللبات والنحر
فجمع التربية واللبة بما حولهما، وإذا كان هذا قد جاز في موضع الواحد فالجمع التثنية أجوز. فأما أعراب (وراء) مع حذف المضاف إليه فإن الغايات وهي الظروف التي حذفوا منها المضاف إليه وبنوها على الضم كقبل وبعد وفوق وتحت إنما بنوها لأن المضاف إليه
[ ٨٣ ]
مقدر عندهم حتى أنها متعرفة به محذوفًا، فلما اقتصروا على المضاف فجعلوه نهاية صار كبعض الاسم لا يعرب، فإن نكروا شيئًا من ذلك أعربوه فقالوا: جئت قبلا ومن قبل وبعدًا ومن بعد، قال الشاعر:
فساغ لي الشراب وكنت قبلا أكاد أغص بالماء الحميم
وقرأ لبعض القراء: (للهِ الأمرُ من قبلُ ومنْ بعدُ) فأعرب لنية التنكير فقوله: ن وراء، على تقدير التنكير كأنه قال: من جهة تخالف وجهه يلجم، والعلج (يجمع علوجًا وإعلاجًا كجذوع وأجذاع والعلج) الرجل العجمي والحمار الوحشي، وقالوا: رجل علج أي شديد، واشتقاقه من المعالجة كأنه لشدته يعالج الشيء الثقيل، وقالوا لحمار الوحش علج لأنه يعالج أتنه يعاركها، وقالوا: اعتلجت الأمواج، التطمت. يقول: يمشي القهقرى على أربعة كالبهيمة جعل ما يوج في قيه لجامًا. ومنها قوله:
وجفونه ما تستقر كأنها مطروفة أو فتَّ فيها حصرم
[ ٨٤ ]
أراد أنه أبدًا يحرك جفونه يستدعي بذلك العلوج فإشارته إليهم بجفونه متتابعة حتى كأن بعينه طرفة أو حصرمًا فت فيها فهي لا تستقر، وفت معطوف على مطروفة وليس من حق الفعل أن يعطف على الاسم ولا حق للاسم أن يعطف على الفعل ولكن ساغ ذلك في اسم الفاعل واسم المفعول لما بينهما وبين الفعل من التقارب بالاشتقاق والمعنى ولذلك عملًا عمله، فمما عطف فيه الفعل على الاسم قوله تعالى: "أوَ لمْ يرواْ إلى الطَّيرِ فوقهمْ صافَّاتٍ ويقبضنَ) وقوله: (إنَّ المصَّدقينَ والمصَّدقاتِ وأقرضواْ اللهَ قرضًا حسنًا). ومما عطف فيه الاسم على الفعل قول الراجز: تبيت لا تأوى ولا نفاشًا قول الآخر:
بات يغشيها بعضب باترٍ يقصد في أسؤقها وجائر
وإنما ساغ ذلك في هذا الضرب من الأسماء لصحة تقدير الاسم بالفعل والفعل بالاسم فالتقدير: صافات وقابضات، وإن الذين تصدقوا وأقرضوا الله، ولا تأوى ولا تنفش، ويقصد في أسؤقها، ويجور، وطرفت وفت فيها حصرم. النفاش الغنم التي تنتشر بالليل فترعى بلا راع وكذلك
[ ٨٥ ]
الإبل. يقال نفشت تنفش نفشًا مفتوح الثاني، وفي التنزيل: (وداودَ وسليمانَ إذْ يحكمانِ في الحرثِ إذْ نفشتْ فيهِ غنمُ القومِ).
ومنها:
وإذا أشار محدثًا فكأنه قرد يقهقه أو عجوزٌ تلطم
إن قيل: كيف قابل القهقهة وهي صوت باللطم وليس بصوت وإنما كان حق الكلام أن يضع في موضع تلطم تولول أو تبكي أو نحو ذلك لأنه إنما شبه حديثه بقهقهة القرد فشبه صوتًا بصوت ولا معنى لتشبيه الحديث باللطم، وعن هذا السؤال جوابان: أحدهما أنه شبه حديثه بقهقهة قرد أو بلطم عجوز خدها في مناحة ولطم النساء في المناحة لا بد أن يصحبه صوت فلما اضطره الوزن والقافية إلى ذكر اللطم الدال على الولولة والنوح اكتفى بذكر الدليل عن المدلول عليه وأوهنا للإباحة فكأنه وتولول فكذلك، والجواب الثاني: إنه شبه شيئين بشيئين، شبه حديثه بقهقهة القرد وشبه إشارته في أثناء حديثه بلطم العجوز، وإنما جعل حديثه كضحك القرد لأنه لعيه غير مفهوم الحديث وجعله مشيرًا بيديه لأنه لا يقدر على الإفصاح فهو يستعين بالإشارة إذا حدث كما أشار باقل حين عجز عن الجواب وقد مر بقوم ومعه ظبي اشتراه بأحد
[ ٨٦ ]
عشر درهمًا، وهو متأبطه، فقالوا له: بكم اشتريت الظبي فمد يديه وفرق أصابعه ودلع لسانه، يريد بأصابعه عشرة دراهم وبلسانه درهمًا، فشرد الظبي حين مد يديه. وقد ضمن هذا التشبيه معنى آخر وهو أنه أراد قبح وجهه وكثرة تشنجه فهو في القبح كوجه القرد وفي التغضن، وهو التشنج، كوجه العجوز، فأن قيل: كيف يشبه شيئين بشيئين ويعطف بأو وهي لأحد الشيئين وإنما حق ذلك العطف بالواو لأن التقدير: وإذا أشار محدثًا فكأنه في حديثه قرد يقهقه وفي إشارته إلى عجوز تلطم؟ فعن هذا الاعتراض جوابان: أحدهما أن (أو) ههنا للإباحة، وقد قدمت ذكر ذلك، والثاني أن (أو) قد وردت في مواضع من كلام العرب بمعنى الواو واعتمد بعض النحويين على ذلك، وأنشدوا:
فقلت البثوا شهرين أو نصف ثالثٍ إلى ذاكما ما غيّبتني غيابيتا
أراد: ونصف ثالث. قال الأصمعي: الكركرة والقهقهة رفع الصوت بالضحك والاستغراب أشد منهما قوله:
يقلى مفارقة الأكف قذاله حتى يكاد على يد يتعمم
القلى البغض مكسور مقصور، وقد صرفت العرب منه مثالين: قلاه يقليه مثل رماه يرميه وقليه يقلاه مثل رضيه يرضاه وهو من الياء بدلالة
[ ٨٧ ]
يقلي، ولو كان من الواو كان يقلو وأنشدوا في يقلي:
وترمينني بالطرف أي أنت مذنب وتقلينني لكن إياك لا أقلي
وفي التنزيل: (ما ودَّعكَ ربُّكَ وما قلى). وروى أبو الفتح لغة ثالثة: قلاه يقلوه قلاءً مثل رجاه يرجوه رجاء وأنشد:
أن تقل بعد الود أم محلمٍ فسيّان عندي ودها وقلاؤها
والقذال جماع مؤخر الرأس، ويجوز أن يرتفع قذاله بإسناد يقلي إليه كأنه قال: يبغض قذاله مفرقة الأكف إياه ويجري إسناد البغض إلى القذال مجرى إسناد الاشتهاء إلى السفن في قوله: تجري الرياح بما لا تشتهي السفن.
والوجه أن تضمر في قلي فاعلًا وتعمل المفارقة في القذال، فإن نصبته فالأكف فاعلة وإن رفعته فالأكف مفعولة على منهاج:
قرع القواقيز أفواه الأباريق.
[ ٨٨ ]
يقول: يحب أن يقفد حتى أنه ليكاد يتعمم على يد قافده أي صافعه، فقوله: يقلي مفارقة الأكف قذاله، كقولك: يحب مواصلة الأكف قفاه. ومنها قوله:
وتراه أصغر ما تراه ناطقًا ويكون أكذب ما يكون ويقسم
هذا البيت قد تكلمت عليه وأوضحت وجوه إعرابه فيما قدمته من الأمالي، وهو والأبيات الأربعة التي ذكرتها قبله وذكرت ما اقتضته من التفسير مهملة كلها في تفسير أبي زكريا لم يصحب بيتًا منها كلمة فذة، وأبو الفتح ذكر في بيتين منها أحرفًا يسيرة.
حذف أبو الطيب أن ورفع الفعل في قوله: يا حاديي عيرها وأحسبني=وأوجد ميتًا قبيل أفقدها وحذفها في هذا النحو للضرورة، ولا يجوز عند البصريين النصب بها مضمرة إلا بعد عوض كإضمارها بعد الفاء في جواب ما ليس بواجب كالنهي في قوله تعالى: (لا تفترواْ على اللهِ كذبًا فيسحتكمْ) والكوفيون يرون النصب بها محذوفة وإن لم يكن عوض وينشدون قول طرفة:
[ ٨٩ ]
ألا أيها الزاجري أحضر الوغى وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي
بنصب: أحضر، وعلى مذهبهم قال أبو الطيب:
بيضاء يمنعها تكلم دلها تيهًا ويمنعها الحياء تميسًا
والمراد بتصغير الظروف تقريب الأوقات والأماكن كقولك: خرجت قبيل الظهر وبعيد المغرب وقعدت دوين الحائط، كما قال ذو القروح يصف ذنب فرسه:
بضافٍ فويق الأرض ليس بأعزل
الضافي السابغ، والأعزل من الأذناب الذي يميل يمنة أو يسرة، فإن قيل: لم كان حذف أن اضطرارًا في قوله: قبيل أفقدها وظاهر أمر قبل وبعد أنهما ظرفا زمان فهلا أضيفا إلى الفعل بغير تقدير أن كسائر أسماء الزمان؟ فالجواب: أن المكان أحق بهما من الزمان وقد أوضح حالهما أبو سعيد السيرافي في شرح الكتاب في قوله: أن قبل وبعد غير متمكنين فلا يرفعان ولا يجوز: سير قبلك، والذي منعهما
[ ٩٠ ]
من التصرف والرفع أنهما ليسا باسمين لشيء من الأوقات كالليل والنهار والساعة والظهر والعصر، وإنما استعملا في الوقت للدلالة على التقديم والتأخير، يعين أنك إذا قلت: جئت قبل زيد، أردت تقديم زمان مجيئك على زمان مجيئه (وإذا قلت: جئت بعده، أردت تأخير زمان مجيئك عن زمان مجيئه)، ويشهد بأن أصلها المكان ثلاثة أشياء: أحدها امتناعهم من إضافتهما إلى الفعل في حال السعة وإنما يضافان إلى أن والفعل وما والفعل كما جاء في التنزيل: (من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا). والثاني: إخبارك بهما عن الجثة كقولك: الجبل بعد الوادي والوادي قبل الجبل، وظروف الزمان لا تستعمل أخبارًا عن الأشخاص. والثالث: أنهما أصل في الغايات ولم نجدهم أدخلوا في حكمهما إلا ظروف المكان كفوق وتحت ووراء وقدام وعل، فهذا قول جلي كما تراه والمتسمون بالنحو قبيل وقتنا هذا ممن شاهدته وسمعت كلامه على خلاف ما قلته وأوضحته فاستمسك بما ذكرته لك فقد أقمت لك برهانه.
وهذه المسألة مما ذكرته في الرد على أبي الكرم بن الدباس في كتابه الذي سماه: المعلم من مشكل أبي علي في الإيضاح.
قوله في باب الجمع الذي على حد التثنية: لو سميت رجلًا بخالد أو حاتم وكسرته، قلت: خوالد وحواتم كما تقول: كاهل وكواهل، ولو
[ ٩١ ]
سميته أحمر لقلت: الأحمرون والأحامر، وإذا كانوا قد قالوا: الأباطح فهذا اجدر، ومن قال: الحرث فقياس قوله أن يقول: حمر، وإن نكره كان قياس قوله أن لا يصرف بلا خلاف.
وأقول: إن كل ما كان من الصفات على مثال فاعل كالجالس وضارب فأنهم لك يجمعوه على فواعل وصفًا للرجال لئلا يلتبس بفواعل إذا أريد به النساء كقولك: نسوة جوالس وضواحك كما جاء في التنزيل: (والقواعدُ منَ النِّساءِ)، وشذ من جمع الرجال (فوارس)، وذلك لاختصاص هذا الوصف بالرجال، فإن سموا رجلًا بوصف على هذا المثال كخالد وحاتم وحارث كسروه على فواعل، وإنما استجازوا جمعه علمًا على فواعل لخروجه من الوصفية (إلى العلمية، كما أن أحمر لا يجمع وصفًا إلا على فعل فإذا أخرجوه عن الوصفية) بالتسمية جمعوه جمع السلامة لأنه صار كأحمد وأكثم فقالوا: الأحمرون كما قالوا الأحمدون وكسروه على الأفاعل كما قالوا في العلم (الأحامد وفي غير العلم) الأجادل. وقوله: وإذا كانوا قد قالوا الأباطح فهذا أجدر: يعني أن الأبطح ومؤنثه مما أخرجته العرب عن الوصفية فلم يجروه على ما قبله فيقولوا: مكان أبطح ولا بقعة بطحاء، وكذلك الأبرق والبرقاء، فالأبطح والأبرق صفتان غالبتان بمعنى أنهما غلبا على الاسمية فلم يجريا على موصوف وجمع المذكر منهما على الأفاعيل فقيل: الأباطح والأبارق كما جمع الاسم عليه كالأزمل والأزامل، ولم يجمعوا مؤنثهما على
[ ٩٢ ]
قياس باب حمراء فيقولوا: بطح وبرق لمفارقتهما له من حيث لم يجريا على موصوف بل شبهوهما لتأنيثهما وفتح أولهما بباب جفنة فقالوا: بطحاوات وبرقاوات كصحراوات، كما شبهوا باب الكبرى لتأنيثه وضم أوله بباب غرفة فقالوا: الكبر كما قالوا: الغرف، وكذلك قالوا في تكسيرهما: بطاح وبراق كجفان وقصاع، فإن سميت بأحمر وجمعته على الأحامر عن معناه بنقله إلى العلمية، والأبطح خارج عن معناه الوصفي الذي وضع له، ونقيض هذا قول من جمع الحارث على الحرث، وذلك أنهم ردوه بهذا الجمع إلى الوصفية فجمعوه على فعل كشاهد وشهد وصائم وصوم وغاز وغزى، فقياس هذا أن يجمع أحمر علمًا على مثال جمعه وصفًا فيقال: حمر، وإن نكرته على هذا القول قلت: مررت بأحمر وأحمر آخر، فلم تصرفه نكرة لمراعاة الوفية فيه من حيث جمع على حمر. وقوله: بلا خلاف، يعني بلا خلاف بين سيبويه والأخفش لأن سيبويه إذا سمى رجلًا بأحمر ثم نكره لم يصرفه مراعاة للوصف فيه، والأخفش يصرفه لزوال الوصف بالتسمية، وقد أوردت هذه المسألة فيما تقدم، فههنا يوافق الأخفش سيبويه فلا يصرفه منكرًا لأن جمعه على فعل مصرح له بالوصفية. الأبطح والبطحاء: كل مكان متسع، والأبرق والبرقاء: مكان ذو حجارة مختلفة الألوان، والكاهل: ما بين الكتفين، والحارث في أصل وضعه: الكاسب، والأزمل: الصوت، والأجدل: الصقر.
[ ٩٣ ]
وقال أبو علي في باب الأفعال المنصوبة: وتقول: كان سيري أمس حتى أدخلها، أن جعلت بمعنى وقع جاز الرفع والنصب في (أدخلها)، وإن جعلت المفتقرة إلى الخبر وجعلت أمس من صلة السير لم يجز إلا النصب لأنك إن رفعت بقيت كان بلا خبر وإذا نصبت كان لقولك: حتى أدخلها في موضع الخبر، انتهى كلامه.
وأقول: إنك إن جعلت كان بمعنى وقع فالكلام يتم إذا قلت: كان سيري، فإن جعلت حتى غاية جاز أن تعلقها بكان وجاز أن تعلقها بالسير، وإن جعلتها للاستئناف فقد أتيت بجملة تامة بعد جملة تامة، فإن جعلت كان الناقصة وجعلت (أمس) خبرًا لها علقته بمحذوف وجاز أيضًا في (أدخلها) الرفع والنصب، وإن علقت (أمس) بالسير احتجت إلى خبر لكان، فإن جعلت (حتى) غاية فهي وما بعدها في تأويل إلى ومجرورها لأن التقدير: حتى أن أدخلها أي: حتى دخولها والمعنى: إلى دخولها، فكأنك قلت: كان سيري إلى دخول المدينة (فإلى متعلقة بمحذوف أي منتهيًا إلى دخول المدينة، وإذا جعلت حتى للاستئناف فالتقدير: كان سيري حتى أن أدخل المدينة) فالجملة التي هي: حتى أن أدخل المدينة خالية من ضمير يعود على اسم كان ظاهر ومقدر.
من روى لأبي الطيب:
نرى عظمًا بالبين والصد أعظم
فالمعنى: إن البين يزيله قطع المسافة والصد لا تقطع مسافته.
[ ٩٤ ]
ومن روى:
نرى عظمًا بالصد والبينُ أعظم
فالمعنى: إن الحبيب وإن صد فعين المحب تدركه وإذا فارق حال البعد من النظر إليه.
وقوله:
خوذٌ جنت بيني وبين عواذلي حربا وغادرت الفؤاد وطيسا
الوطيس في العربية مستعمل على معنيين: أحدهما معركة الحرب والآخر تنور من حديد وقيل قول ثالث: إنها حفرة يختبز فيها. وقيل: أول من قال: الآن حمي الوطيس، النبي ﷺ، يريد الحرب، سبه اشتعالها باشتعال النار في التنور، قال ذلك يوم حنين. وقال تأبط شرًا:
إني إذا حميَ الوطيسُ وأوقدتُ للحربِ نار منيةٍ لم أنكلِ
قال أبو الفتح: حمل الوطيس في البيت على التنور أشبه لأنه يريد حرارة قلبه. والقول الآخر غير ممتنع ههنا لأنهم يقولون: حميت الحرب واحتدمت وتضرمت، وأقول إن الأحسن عندي أن يكون أراد
[ ٩٥ ]
معركة الحرب لأمرين: أحدهما قوله: جنت حربًا، والآخر أن حرب العواذل إنما يكون باللوم واللوم إنما يلحق القلب دون غيره من الأعضاء فهو معركة حربهن.
وقوله في أبي علي هارون بن عبد العزيز الأوارجي الكاتب:
لا تكثر الأموات كثرة قلّة إلّا إذا شقيت بك الأحياء
أراد بقوله: كثرة قلة، كثرة يقل لها الأحياء، قدر أبو الفتح مضافًا محذوفًا من قوله: بك، قال: أراد شقيت بفقدك، وذهب أبو العلاء المعري إلى القلة إما لأن الأحياء يقلون بمن يموت منهم وإما لأن الميت يقل في نفسه. وقال أبو زكريا: قول أبي الفتح شقيت بك يريد بفقدك يحيل معنى البيت لأن الأحياء شقوا به لأنه قتلهم. وأقول: إن الصحيح قول أبي الفتح إنه أراد شقيت بفقدك، وبهذا فسره علي بن عيسى الربعي قال: ذهب إلى أنه نعمة على الأحياء وفقده شقاء لهم. ومما حذفت منه هذه اللفظة التي هي الفقد قول المرقش:
ليس على طول الحياة ندم ومن وراءِ المرءِ ما يعلم
[ ٩٦ ]
أراد: ليس على فقد طول الحياة، لا بد من تقدير هذا.
وأظهر هذه اللفظة في هذا المعنى بعينه، وهو كون حياته نعمة وكون موته شقاء ونقمة الشاعر في قوله:
لعمرك ما الرَّزيّة فقد مالٍ ولا شاةٌ تموت ولا بعير
ولكنَّ الرزيّة فقد حرٍّ يموت لموته خلقٌ كثير
وقد صرح بهذا المعنى ما رواه الربعي عن المتنبي أنه قال: قال لي أبو عمر السلمي: عدت أبا علي الأوارجي في علته التي مات فيها بمصر فاستنشدني: لا تكثر الأموات كثرة قلةٍ فأنشدته فجعل يستعيده ويبكي حتى مات. فإذا كان المتنبي حكى هذا فهل يجوز أن يكون المعنى إلا على ما قدره أبو الفتح. وقوله:
لم تسم يا هارون إلا بعدما أق ترعت ونازعت اسمك الأسماء
قال فيه أبو الفتح أراد لم تسم بهذا الاسم إلا بعد ما تقارعت عليك الأسماء فكل أراد أن يسمى بع فخرًا بك. وقال أبو العلاء: أجود ما يتأول في هذا أن يكون الاسم ههنا في معنى الصيت كما يقال: فلان قد ظهر اسمه أي قد ذهب صيته في الناس فذكره لا يشاركه فيه أحد وماله يشترك فيه الناس، فأما أن يكون عنى باسمه هارون فهذا يحتمله ادعاء
[ ٩٧ ]
الشعراء وهو مستحيل في الحقيقة لأن العالم لا يخلو أن يكون فيهم جماعة يعرفون بهارون.
والذي ذهب إليه أبو الفتح من إرادته اسمه العلم هو الصواب، وقول المعري أن الاسم هنا يريد به الصيت ليس بشيء يعول عليه لأن قول أبي الطيب: لم تسم معناه: لم يجعل لك اسم، وأما دفع المعري أن يكون المراد الاسم العلم بقوله: إن في الناس جماعة يعرفون بهارون، فقول من لم يتأمل لفظ صدر البيت الذي يلي هذا البيت وهو قوله:
فغدوتَ واسمك فيك غير مشاركٍ
والمعنى: إن اسمك انفرد بك دون غيره من الأسماء فمعارضته بأن في الناس جماعة يعرفون بهارون إنما يلزم أبا الطيب لو قال: فغدوت وأنت غير مشارك في اسمك، فلم يفرق المعري بين أن يقال: اسمك مشارك فيك وأن يقال: أنت غير مشارك في اسمك، وإنما أراد: إن اسمك انفرد بك دون الأسماء ولم يرد: انك انفردت باسمك دون الناس. فاللفظان متضادان كما ترى.
[ ٩٨ ]