فمن ذلك غلطه في قوله في سورة الأنعام: (وكذلكَ نفصّلُ الآياتِ ولتستبينَ سبيلُ المجرمينَ) قال: من قرأ بالتاء ونصب السبيل جعل التاء علامة خطاب واستقبال وأضمر اسم النبي في الفعل. ومن قرأ بالتاء ورفع السبيل جعل التاء علامة تأنيث واستقبال ولا ضمير في الفعل ورفع السبيل بفعله. حكى سيبويه: استبان الشيء واستبنته أنا. فأما من قرأ بالياء ورفع السبيل فإنه ذكر السبيل لأنه مما يذكر ويؤنث ورفعه بفعله ومن قرأ بالياء ونصب السبيل أضمر اسم النبي ﵇ في الفعل ونصب السبيل لأنه مفعول به. واللام في ("لتستبين" متعلقة بفعل محذوف تقديره): ولتستبين سبيل المجرمين فصلناها. انتهى كلامه.
وأقول إنه غلط في قوله واستقبال بعد قوله: جعل التاء علامة خطاب
[ ٥٨ ]
وجعل التاء علامة تأنيث لأن مثال تستفعل لا شبه بينه وبين مثال الماضي فتكون التاء علامة للاستقبال، فقولك: تستقيم أنت وتستعين وهي لا يكون إلا للاستقبال تقول: أنت تستقيم غدًا وهي تستعين بك بعد غد ولا تقول: تستقيم ولا تستعين أول من أمس بخلاف تفعل لأنك إذا قلت: أنت تبين حديثها وهي تبين حديثك أردت تتبين فحذفت التاء الثانية استثقالًا للجمع بين المثلين متحركين كما حذفت من قوله: (تنزَّلُ الملائكةُ والرُّوحُ فيها) الأصل تتنزل ففعل فيه ما ذكرنا من حذف الثانية ولما حذفت التاء من قولك تتبين صار بلفظ الماضي في قولك: قد تبين الحديث وفي قوله تعالى: (قد تَّبيَّنَ الرُّشدُ منَ الغيّ) فحصل الفرق بين الماضي والمستقبل باختلاف حركة آخرهما ففي هذا النحو يقال للخطاب والاستقبال أو للتأنيث والاستقبال. السبيل مما ذكروه وأنثوه فالتأنيث في قوله تعالى: (قلْ هذهِ سبيليَ) والتذكير في قوله تعالى: (وإن يرواْ سبيلَ الرُّشدِ لا يتخذوهُ سبيلًا وإن يرواْ سبيلَ الغيّ يتخذوهُ سبيلًا) وقال في جنات من قوله ﷿: (وهوَ الَّذي أنزلَ منَ السَّماءِ ماءً فأخرجنا بهِ نباتَ كلِّ شيءٍ فأخرجنا منهُ خضرًا نُّخرجُ منهُ حبًّا متراكبًا ومنَ
[ ٥٩ ]
النَّخلِ من طلعها قنوانٌ دانيةٌ وجنَّاتٍ منْ أعنابٍ) من نصب جنات عطفها على نبات وقد روي الرفع عن عاصم على الابتداء بتقدير: لهم جنات ولا يجوز عطفها على قنوان لأن الجنات لا تكون من النخل. أراد أنك لا ترفع جنات بالعطف على قنوان من قوله: (قنوان دانية) لأن القنوان جمع قنو وهو العذق التام ويقال له أيضًا الكباسة فلو عطفت جنات على قنوان صار المعنى: ومن النخل لا تكون من النخل فيه لبس لأنه يوهم أنها لا تكون إلا من العنب دون النخل وليس الأمر كذلك بل قد تكون الجنة من العنب على انفراد وتكون من النخل على انفراد وتكون منهما معًا فدلالة كونها منهما معًا قوله: (أوْ تكونَ لكَ جنَّةٌ من نَّخيلٍ وعنبٍ). ودلالة كونها من الخل بانفراد قول زهير:
كأن عيني في غربي مقتلة من النواضح تستقي جنة سحقا
[ ٦٠ ]
قوله سحقًا صفة لمضاف محذوف فالتقدير: تسقي نخل جنة سحقًا لأن السحق جمع سحوق وهي النخلة الباسقة فكان الصواب أن يقول: لأن الجنات التي من الأعناب لا تكون من النخل. قول زهير: كأن عيني في غربي مقتلة: الغربان الدلوان الضخمان والمقتلة المذللة وإنما جعلها مذللة لأن المذللة تخرج الغرب ملآن يسيل من نواحيه، والصعبة تنفر فتهريقه فلا يبقى منه إلا صبابة، وكل بعير استقي عليه فهو ناضح والرجل الذي يستقى عليه ناضح.
ومن أغاليطه (قوله في) قوله تعالى في سورة الأعراف: (حتَّى إذا ادَّاركواْ يها) أصل اداركوا ثم أدغمت التاء في الدال فسكن أول المدغم فاحتيج إلى ألف الوصل فثبتت الألف في الخط ولا تستطاع على وزنها مع ألف الوصل لأنك ترد الزائد أصليًا فتقول وزنها افاعلوا فتصير تاء تفاعلوا فاء الفعل لإدغامها في فاء الفعل وذلك لا يجوز فإن وزنتها على الأصل جاز فقلت تفاعلوا. انتهى كلامه.
وأقول: إن عبارته في هذا الفصل مختلة ورأيت في نسخة من هذا التأليف: لا يستطاع على وزنها بالياء والصحيح استعماله بغير الجار: لا يستطاع على وزنها بالياء والصحيح استعماله بغير الجار: لا يستطاع وزنها لأن استطعت مما يتعدى بنفسه كما جاء: (فلا
[ ٦١ ]
يستطيعونَ توصيةً) وتستطاع بالتاء جائز على قلق فيه وكان الأولى أن يقول: ولا يسوغ وزنها مع التلفظ بتاء تفاعلوا فاء ثم أن منعه أن توزن هذه الكلمة وفيها ألف الوصل غير جائز لأنك تلفظ بها مع إظهار التاء فتقول وزن اداركوا اتفاعلوا وإن شئت قلت: ادفاعلوا فلفظت بالدال المبدلة من التاء.
وقال في قوله تعالى: (ساءَ مثلًا القومُ) في ساء ضمير الفاعل ومثلًا تفسير والقوم رفع بالابتداء وما قبلهم خبرهم أو رفع على إضمار مبتدأ تقديره: ساء المثل مثلاُ هم القوم الذين كذبوا مثل: نعم رجلا زيد. وقال الأخفش: تقديره: ساء مثلًا مثل القوم.
قلت: ساء بمنزلة بئس وهذا الباب لا يكون فيه المقصود بالذم والمدح إلا من جنس الفاعل فلا يجوز: بئس غلامك إلا أن يراد: مثل غلامك فحذف المضاف. فقول الأخفش هو الصواب ومن زعم أن التقدير: ساء مثلًا هم القوم فقد أخطأ خطأً فاحشًا.
ومن أغاليطه الشائعة أقوال حكاها في سورة الأنفال في قوله تعالى: (كما أخرجكَ ربُّكَ من بيتكَ بالحقِّ) قال: الكاف من كما في
[ ٦٢ ]
موضع نصب نعت لمصدر يجادلونك أي جدالًا كما وقيل: هي نعت لمصدر يدل عليه معنى الكلام تقديره: الأنفال ثابتة لله والرسول ثبوتًا كما أخرجك. وقيل: هي نعت لحق أي هم المؤمنون حقًا كما. وقيل: الكاف في موضع رفع والتقدير: كما أخرجك ربك من بيتك بالحق فاتقوا الله فهو ابتداء وخبر. وقيل: الكاف بمعنى الواو للقسم أي: الأنفال لله والرسول والذي أخرجك. انتهى كلامه.
وهذه الأقوال رديئة منحرفة عن الصحة انحرافًا كليًا وأوغلها في الرداءة القول الرابع والخامس. فقوله: الكاف من كما في موضع رفع بالابتداء وخبره فاتقوا الله قول ظاهر الفساد من وجوه: أحدها أن الجملة التي هي "فاتقوا الله" مع تقديمها على الكاف بينها وبين الكاف فصل بثلاث آيات وبعض آية رابعة وهذا الفاصل مشتمل على عشر جمل وليس في كلام للعرب ولا في الشعر الذي هو محل الضرورات خبر قدم على المخبر عنه مع الفصل بينهما بعشر جمل أجنبية. والثاني دخول الفاء في الجملة التي زعم أنها الخبر والفاء لا تدخل في خبر المبتدأ إلا أن يغلب غليه شبه الشرط بأن يكون اسمًا موصولًا بجملة فعلية أو يكون نكرة موصوفة كقولك: الذي يزورني فله درهم وكل رجل يزورني فله درهم، أو يكون خبر المبتدأ الواقع بعد أما. والثالث أن الجملة التي هي قوله: (فاتَّقوا اللهَ) خالية من ضمير يعود على الكاف الذي زعم أنه
[ ٦٣ ]
مبتدأ وهي مع ذلك جملة أمرية والجمل الأمرية لا تكاد تقع أخبارًا إلا نادرًا، وتمثيل هذا الذي قد قدره قائله وهو تقدير باطل قولك: فاتق الله كما أخرجك زيد من الدار وأي فائدة في انعقاد هذين الكلامين.
والقول الآخر التابع لما قبله في الرذالة والآخذ بالحظ الوافر من الاستحالة قول من زعم أن الكاف للقسم بمنزلة الواو. وهذا مما لا تجوز حكايته فضلًا عن تقبله وما علمت في مذهب أحد ممن يوثق بعلمه في النحو بصري ولا كوفي أن الكاف يكون بمنزلة الواو في القسم فلو قال قائل: كالله لأخرجن يريد والله لأخرجن لاستحق أن يبصق في وجهه، ثم أنه قد جعل هذا القسم واقعًا على أول السورة. وجعل ما التي في قوله: (كما أخرجك) بمعنى الواو فقال في حكايته: الأنفال لله والرسول والذي أخرجك. وذا لو كان على ما يلفظ به لوجب أن يكون فاعل أخرجك مضمرًا عائدًا على الذي وكيف يكون في أخرجك ضمرًا عائدًا على الذي وكيف يكون في أخرجك ضمير والفاعل ربك فكأنه قيل (له الأنفال لله والرسول والذي أخرجك ربك) ثم تعليقه لهذا الذي زعم أنه قسم بأول السورة يجري مجرى القول الذي قبله في تباعد المتعاقدين. وأما قوله: إن موضع الكاف نصب على أنها نعت لمصدر يجادلونك (فإنه أيضًا قول فاسد لأن قوله: يجادلونك) في الحق معناه: في إخراجك من بيتك وخروجهم معك
[ ٦٤ ]
فلهذا قال: (كأنَّما يساقونَ إلى الموتِ) فيكون المعنى على هذا التأويل: يجادلونك في إخراجك من بيتك جدالًا مثل ما أخرجك ربك من بيتك فهذا تشبيه الشيء بنفسه لأنه تشبيه إخراجه من بيته بإخراجه من بيته. وقوله: إن الكاف يكون نعتًا لمصدر يدل عليه معنى الكلام تقديره: قل الأنفال ثابتة لله والرسول ثبوتًا كما أخرجك، فهذا أيضًا ضعيف التباعد ما بينهما. وأقرب هذه الأقوال إلى الصحة قوله: إن الكاف يكون نعتًا للمصدر الذي هو "حقًا" لأمرين أحدهما تقارب ما بينهما والآخر أن إخراجه من بيته كان حقًا بدلالة وصفه بالحق في قوله: (كما أخرجك ربُّك من بيتك بالحقِ) وإيراد مكي لهذه الأقوال الفاسدة من غير إنكار شيء منها دليل على أنه كان مثل قائليها في عدم البصيرة.
[ ٦٥ ]
والقول في تحقيق إعراب هذا الحرف أن قوله تعالى: (يسألونكَ عنِ الأنفالِ) الآية في أنفال أهل بدر وذلك أن رسول الله ﷺ لما رأى قلة أصحابه وكراهيتهم للقتال قال ليرغبهم في القتال: من قتل قتيلًا فله كذا ومن أسر أسيرًا فله كذا فما فرغ من أهل بدر قام سعد ابن معاذ فقال: يا رسول الله إن نفلت هؤلاء ما سميت لهم بقي كثرة من المسلمين بغير شيء فأنزل الله: (قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله في قسمة المغانم فهي له يصنع فيها ما يشاء) فسكتوا وفي أنفسهم من ذلك كراهية وهو قوله: كما أخرجك ربك من بيتك بالحق على كره منهم ومن المسلمين فامض لأمر الله في المغانم كما مضيت على مخرجك وهم له كارهون. فموضع الكاف على هذا رفع بأنها مع ما اتصلت به خبر مبتدأ محذوف فالتقدير: كراهيتهم لقسمتك الأنفال كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وأن فريقًا من المؤمنين لكارهون. فقوله: كما أخرجك معناه: مثل إخراجك. وإن قدرت المبتدأ هذا وأشرت به إلى كراهيتهم لقسمة النبي الأنفال فأردت: هذا لكما أخرجكم (معناه مثل إخراجك) ربك من بيتك بالحق فحسن وبالله التوفيق.
ومن أغاليطه في سورة براءة ما قاله في قوله تعالى: (الَّذينَ يلمزونَ
[ ٦٦ ]
المطّوِّعينَ منَ المؤمنينَ في الصَّدقاتِ والَّذينَ لا يجدونَ إلَّا جهدهمْ فيسخرونَ منهمْ) قال: والذين لا يجدون في موضع خفض عطف على المؤمنين ولا يحسن عطفه على المطوعين لأنه لم يتم اسمًا بعد لأن "فيسخرون" عطف على "يلمزون" هكذا ذكر النحاس في الإعراب له وهو عندي وهم منه. انتهى كلامه.
يعني أن النحاس ذكر أن قوله: (والذين لا يجدون) عطف على "المطوعين" ومنه هو من هذا لأن المطوعين بزعمه لم تتم صلته وليس الأمر على ما قال بل صلة الألف واللام من المطوعين آخرها قوله (في الصدقات) واحتج بأن المطوعين لم تتم صلته بعطف يسخرون على يلمزون وأي حجة في هذا ويلمزون قبل المطوعين، وزعم أن الذين لا يجدون عطف على المؤمنين وهذا غير صحيح لأن تقدير الكلام على قوله: يلمزون من تطوع من المؤمنين ومن الذين لا يجدون إلا جهدهم فيكون الذين لا يجدون إلا جهدهم غير مؤمنين لأن المعطوف يلزمه أن يكون غير المعطوف عليه، تقول: جاءني أصحابك والرجال النصارى فيكون النصارى غير أصحابك وجاءني الرجال النصارى وأصحابك فيكون أصحابك غير نصارى والصواب عطف الذين لا
[ ٦٧ ]
يجدون على المطوعين فالتقدير: يلمزون الأغنياء المطوعين ويلمزون ذوي الأموال الحقيرة الذين لا يجدون إلا جهدهم، وذلك أن عبد الرحمن بن عوف أتى بصرة من الذهب تملأ الكف وأتى رجل يقال له أبو عقيل بصاع من تمر فعابه المنفقون بذلك فقالوا: رب محمد غني عن صاع هذا. فالنحاس إذن مصيب والراد عليه هو المخطئ.
وقال في قوله تعالى في سورة يونس: (ولوْ يعجِّلُ اللهُ للنَّاسِ الشَّرَّ استعجالهم بالخير) قوله استعجالهم مصدر تقديره: استعجالًا مثل استعجالهم ثم أقام الصفة وهي مثل مقام الموصوف وهو الاستعجال ثم أقام المضاف وهو مثل، هذا مذهب سيبويه. وقيل تقديره (في استعجالهم وقيل) كاستعجالهم فلما حذف حرف الجر نصب ويلزم من قدر حذف حرف الجر منه أن يجيز: زيد الأسد فينصب الأسد على تقدير: كالأسد.
قلت لا يلزم من قدر الكاف في قوله استعجالهم أن يجيز: زيد الأسد لأن الكاف حرف شاعت فيه الاسمية حتى دخل عليه الخافض وأسند إليه الفعل وليس من الحروف الخافضة التي إذا أسقطتها نصبت ما
[ ٦٨ ]
بعدها وإنما هي أداة تشبيه إذا حذفت جرى ما بعدها على إعراب ما قبلها كقولك: فينا رجل كأسد ورأيت رجلًا كأسد ومررت برجل كأسد. تقول إذا ألقيته: فينا رجل أسد ورأيت رجلًا أسدًا ومررت برجل أسد فلا يجوز: زيد الأسد بالنصب لأن منزلتها منزلة مثل في قولك: زيد مثل بكر، تقول إذا حذفت مثلًا: زيد بكرٌ كما قال الله تعالى: (وأزواجهُ أمَّهاتهمْ) ولعمري أن قول سيبويه في الآية هو الوجه ومن قدر الكاف وحذفها فنصب ما يعدها فلأن ما قبلها منصوب.
وقال في قوله تعالى: (فزيَّلنا بينهمْ) هو فعلنا من زلت الشيء عن الشيء فأنا أزيله إذا نحيته والتشديد للتكثير ولا يجوز أن يكون فيعلنا من زوال يزول لأنه يلزم فيه الواو فيقال: زولنا. وحكى أنه فريء: فزايلنا من قولهم: لا أزايل فلانًا أي لا أفارقه ومعنى زايلنا وزيلنا واحد. انتهى كلامه.
أما قوله لا يجوز أن يكون فيعلنا من زال يزول لأنه يلزم فيه الواو فيقال زولنا صحيح من قبل أنه لو كان فيعلنا من زال يزول كان أصله زيولنا ثم تصير الواو ياء لوقوع الياء قبلها ساكنة ثن تدغم الياء في الياء فقال: زيلنا وذلك أن من شرط الياء والواو إذا تلاصقنا والأولى منهما ساكنة أن تقلب الواو يا ولا تقلب الياء واوًا كما زعم مكي فمما تقدمت فيه الياء قولهم في فيعل من الموت ميت ومن هان يهون سواد يسود هين
[ ٦٩ ]