فمن ذلك أنه قال في قول الله سبحانه: (أولئكَ على هدًى منْ ربِّهمْ) واحد أولئك ذلك فإذا كان للمؤنث فواحده "ذي" أو "ذه" أو "تي". انتهى كلامه. وأقول إن أسماء الإشارة منها ما وضع للقريب ومنها ما وضع للمتراخي البعيد ومنها ما وضع للمتوسط. فالموضوع لقريب المذكر ذا والمؤنث ذي وذه وتا وللإثنين تان وللجماعة الذكور والإناث ألاء ممدود وألا مقصور وقالوا للمتوسط ذاك فزادوا الكاف وتيك ذانك وتانك واولاك وأولئك وقالوا للمتباعد الغائب ذلك
[ ٤١ ]
فزادوا اللام وتلك وتالك قال القطامي:
فان لتالك الغمم انقشاعًا
وقالوا أولاك على هذا أنشدوا:
أولالك قومي لم يكونوا أشابة وهل يعظ الضليل إلا أولالكا
وقالوا في المثنى ذانك وتانك فشددوا النون فكان الصواب أن يذكر مع أولئك ذاك وتيك فذكره ذي وذه خطأ والصحيح نظير ذي وذه للمؤنث تا فأما تي فمجهولة في أكثر الروايات.
وقال في قوله (واللهُ محيطٌ بالكافرينَ): أصل محيط مُحْيِط ثم ألقيت حركة الياء على الحاء. والصحيح أن أصل محيط محوط لأنه من حاط يحوط والحائط أصله حاوط لأنك تقول حوطت المكان إذا
[ ٤٢ ]
جعلت عليه حائطًا فألقيت كسرة الواو على الحاء فصارت الواو ياءً لسكونها وانكسار ما قبلها كما صارت واو الوزن والوقت والوعد ياء في ميزان وميقات وميعاد.
وقال في قوله تعالى: (كلَّما أضاءَ لهمْ مَّشوا فيهِ) كلما نصب على الظرف بمشوا وإذا كانت كلما ظرفًا فالعامل فيها الفعل الذي هو جاب لها وهو مشوا لأن فيها معنى الشرط فهي تحتاج إلى جواب ولا يعمل فيها أضاء لأنه في صلة "ما". ومثله: (كلَّما رزقوا) الجواب "قالوا" وهو العامل في كل وما اسم ناقص الفعل الذي يليه. انتهى كلامه.
وأقول: إنه لا يجوز أن تكون "ما" في كلما هذه ونظائرهما اسمًا ناقصًا لأن التقدير فيها إذا جعلتها ناقصة: كل الذي أضاء لهم البرق مشوا في البرق لأن الهاء التي في "فيه" تعود على البرق فلا ضمير إذن في الصلة يعود على الموصول ظاهرًا ولا مقدرًا والصحيح أن "ما" هنا نكرة موصوفة بالجملة (مقدرة باسم زمان فالمعنى كل وقت أضاء لهم البرق مشوا فيه فإن قيل: فإذا كانت نكرة موصوفة بالجملة) فلا بد أن يعود عليها من صفتها عائد كما لابد أن يعود على الموصول عائد من صلته فالجواب أن الجملة إذا وقعت صفة بخلافها إذا وقعت صلة لأن
[ ٤٣ ]
الصلة مع الموصول بمنزلة اسم مفرد فلا معنى للموصول إلا بصلته وليس كذلك الصفة مع الموصول وإذا عرفت هذا عرفت هذا فالعائد من الجملة الوصفية إلى الموصوف محذوف التقدير: كل وقت أضاء لهم البرق فيه مشوا فيه فحذفت (فيه) هاهنا كما حذفت من الجملة الموصوف بها في قوله تعالى: (واتَّقوا يومًا لا تجزي نفسٌ عن نَّفسٍ شيئًا) التقدير: لا تجزي فيه كما قال: (واتقوا يومًا ترجعون فيه إلى الله).
وقال في قوله: (إلَّا إبليسَ) إبليس نصب على الاستثناء المنقطع ولم ينصرف لأنه أعجمي معرفة. وقال أبو عبيدة: هو عربي مشتق من أبلس إذا يئس من الخير ولكنه لا نظير له في الأسماء وهو معرفة فلم ينصرف لذلك.
قلت: إن كان يريد بقوله لا نظير له في الأسماء عدم نظير له في وزنه فليس هذا بصحيح لأن مثال إفعيل كثير في العربية كقولهم للطلع إغريض وللعصفر إحريص وللسنام الطويل إطريح ولا خلاف في أنك لو
[ ٤٤ ]
سميت بإغريض ونحوه لصرفت. وإن كان يريد أنه لا نظير له في هذا التركيب على هذا المثال فكذلك إغريض منفرد بهذا التركيب على هذا المثال ولو انضم التعريف إلى لم يمتنع من الصرف وأبو عبيدة إنما كان صاحب لغة.
وقال في قوله تعالى: (ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارًا). قوله كفارًا مفعول ثان ليردونكم وإن شئت جعلته حالًا من الكاف والميم يردونكم.
قلت: لا يجوز أن يكون قوله (كفارًا) مفعولًا ثانيًا ليردونكم لأن رد ليس مما يقتضي مفعولين كما يقتضي مفعولين كما يقتضي ذلك باب أعطيت بدلالة أنه إذا قيل: أعطيت زيدا قلت: ماذا أعطيته فيقال: درها أو الدرهم الصحيح أو نحو ذلك. ولو قيل: ردت زيدا لم تقل: ماذا رددته فبهذا تعتبر الفعل المتعدي وغير المتعدي ويزيد ذلك وضوحًا أن منصوب رددت الثاني يلزمه التنكير والإشقاق وأن يكون هو الأول كقولك: رددت زيدا مسرورًا ورددته ماشيا ورددته راكبًا ولو كان مفعولًا به لم تلزمه هذه الأشياء، ألا ترى أنك تقول: أعطيت زيدا الدرهم فتجد في المنصوب الثاني التعريف والجمود وأنه غير الألو ثم يجوز مع هذا أن يكون المنصوب الثاني في هذا الباب مضمرًا تقول: الدرهم أعطيته وأعطيتك إياه وجميع هذه الأوصاف لا يصح فيها وصف واحد في قولك: رددت زيدا راكبًا
[ ٤٥ ]
ونحو حتى أن التعريف وحده ممتنع تقول: ردتكم ركبانا ولا تقول: رددتكم الركبان ولا رددتك الراكب.
وقال في قوله: (حسدًا من عند أنفسهم) من متعلقة بحسد فيجوز الوقف على "كفارًا" ولا على "حسدًا".
قلت: إن قول النحويين هذا الجار متعلق بهذا الفعل يريدون أن العرب وصلته به واستمر سماع ذلك منهم فقالوا: رغبت في زيد ورضيت عن جعفر وعجبت من بشر وغضبت على بكر ومررت بخالد وانطلقت إلى محمد وكذلك قالوا: حسدت زيدًا على علمه وعلى ابنه ولم يقولوا حسدته من ابنه وكذلك وددت لم يعلقوا به من فثبت بهذا أن قوله "من عند أنفسهم" لا يتعلق بحسدًا ولا بود ولكنه تعلق بمحذوف يكون وصفًا لحسد أو وصفًا لمصدر ود فكأنه قيل: حسدًا كائنًا من عند أنفسهم أو ودا كائنا من عند أنفسهم.
وقال في قوله: (كذلكَ قال الَّذينَ لا يعلمونَ) و(كذلكَ قالَ الَّذينَ من قبلهم) الكاف في الموضعين في موضع نصب نعت لمصدر محذوف أي قولًا مثل ذلك قال الذين لا يعلمون وقولًا مثل ذلك قال الذين من قبلهم ثم قال: ويجوز أن تكونا في موضع رفع على
[ ٤٦ ]
الابتداء وما بعد ذلك الخبر. انتهى كلامه.
وأقول لا يجوز أن يكون موضع الكاف في الموضعين رفعاُ كما زعم لأنك إذا قدرتها مبتدأ احتاجت إلى عائد الجملة وليس في الجملة عائد فإن قلت قدر العائد محذوفًا كتقديره في قراءة من قرأ: (وكلًَّا وعدَ اللهُ الحسنى) أي وعده الله فاقدر كذلك قاله الذين لا يعلمون وكذلك قاله الذين من قبلهم لم يجز هذا لأن قال قد تعدى إلى ما يقتضيه من منصوبه وذلك قوله (مثل قولهم) ولا يتعدى إلى منصوب آخر.
وقال في قوله ﷿: (ولا تجعلواْ اللهَ عرضةً لأيمانكمْ أن تبرُّواْ) أن تبروا في موضع نصب على معنى في أن تبروا فلما حذف حرف الجر تعدى الفعل وقيل تقديره: كراهة أن وقيل: لئلا أن. انتهى كلامه. وأقول إن ما حكاه من أن التقدير لئلا أن خطأ فاحش لتكرير أن تبروا مراد بعدها فالتقدير: لئلا أن تبروا وأمن تبروا وأن تبروا معناه بركم فالتقدير: لئلا بركم.
[ ٤٧ ]
ومما أهمل ذكره ولم يفعل ذلك متعمدًا ولكنه خفي عليه وهو من مشكل الإعراب لأن عامله محذوف وجه النصب في "رجالا" من قوله: (فإنْ خفتمْ فرجالًا أوْ ركبانًا) والقول فيه أن رجالا هاهنا ليس بجمع رجل وإنما هو راجل كصاحب وصائم وصيام ونائم ونيام وقائم وقيام وتاجر وتجار وقد قالوا في جمعه رجل كما قالوا صحب وتجر وركب ولكونه جمع راجل عطف عليه جمع راكب وانتصابه على الحال بتقدير فصلوا رجالًا ودل على هذا الفعل قوله: (حافظواْ على الصَّلواتِ) ثم قال: فإن خفتم فصلوا رجالًا أو على الركائب ومن شواهد هذا الجمع قول عمرو بن قميئة:
ونكسو القواطع هام الرجال وتحمي الفوارس منا الرجالا
الرجال الأولى جمع رجل والثانية جمع راجل.
وقال في قوله تعالى: (لا تبطلواْ صداقتكمْ بالمنْ والأذى كالَّذي ينفقُ) الكاف في موضع نصب نعت لمصدر محذوف تقديره: إبطالًا كالذي. هذا منتهى كلامه. ومن عادته أن يقف على الموصولات
[ ٤٨ ]
بغير صلاتها كما وقف على أن في قوله: لئلا أن وكراهة أن.
وأقول في قوله إن الكاف نعت لمصدر محذوف تقديره: إبطالًا كالذي ينفق إنه قول فيه بعد وتعسف لأن ظاهره تشبيه حدث بعين ولا يصح إلا بتقدير حذفين بعد حذف المصدر أي إبطالًا كإبطال إنفاق الذي ينفق ماله والوجه أن يكون موضع الكاف نصبًا على الحال من الواو في تبطلوا بالتقدير: لا تبطلوا صدقاتكم مشبهين الذي ينفق ماله رياء الناس فهذا قول لا حذف فيه والتشبيه فيه عين بعين.
ومن زلاته في سمرة آل عمران أنه قال في قوله تعالى: (كدأبِ آلِ فرعونَ) الكاف في موضع نصب على النعت لمصدر محذوف تقديره عند الفراء: كفرت العرب كفرًا ككفر آل فرعون قال: وفي هذا القول إيهام للتفرقة بين الصلة والموصول. أراد أن الكاف في هذا القول قد دخلت في صلة الذين من قوله: (إنَّ الَّذينَ كفرواْ لن تغنيَ عنهمْ أموالهمْ ولا أولادهمْ منَ اللهِ شيئًا وأولئكَ همْ وقودُ النَّارِ) فبعدت من الناصب لها وهو "كفروا" وكان الواجب على هذا المعرب حيث أنكر قول الفراء أن يعتمد على قول غيره ولا يقتصر على ذكر قول
[ ٤٩ ]
مناف لقياس العربية. قال أبو إسحاق الزجاج: كدأب آل فرعون أي (كشأن آل فرعون) كذا قال أهل اللغة ويقال: دأبت أدأب دأبا ودأبا ودؤوبًا إذا اجتهدت وموضع الكاف رفع لأنها في موضع خبر ابتداء المعنى: دأب هؤلاء كدأب فرعون والذين من قبلهم أي اجتهادهم في كفرهم (وتظاهرهم على النبي كاجتهاد آل فرعون في كفرهم) وتظاهرهم على موسى. ولا يصلح أن تكون الكاف في موضع نصب بكفروا لأن كفروا في صلة الذين فلا يصلح أن الذين كفروا ككفر آل فرعون لأن الكاف خارجة من الصلة فلا يعمل فيها ما في الصلة انتهى كلام الزجاج. وهذا القول منه قول من نظر في كتاب الفراء لأنه حكى كلامه بلفظه.
وقال علي بن عيسى الروماني: كدأب آل فرعون كعادتهم في التكذيب بالحق وقيل: كعادتهم في الكفر وقيل: شأنهم كشأن آل فرعون في عقاب الله إياهم، والكاف في "كدأب" يتصل بمحذوف تقديره: عادتهم كدأب آل فرعون فموضع الكاف رفع لأنها في موضع خبر الابتداء، ولا يجوز أن يعمل فيها "كفروا" لأن صلة الذين قد انقطعت بالخبر. وهذا الكلام أيضًا كلام من نظر في كتاب الفراء.
[ ٥٠ ]
وقال نصب اليوم من قوله (يومَ تجدُ كلُّ نفسٍ مَّا عملتْ منْ خيرٍ مُّحضرًا) يوم منصوب بيحذركم أي ويحذركم الله نفسه يوم تجد ثم قال وفيه نظر وقال: ويجوز أن يكون العامل فيه فعلًا مضمرًا أي واذكر يا محمد يوم تجد ويجوز أن يكون العامل فيه (المصيرُ) أي وإليه المصير في يوم تجد ويجوز أن يكون العامل فيه (قديرٌ) أي قدير في يوم تجد. انتهى كلامه.
وأقول: إنه لا يجوز أن يكون العامل فيه "يحذركم" لأن تحذير الله للعباد إنما يكون في الدنيا دون الآخرة ولا يصح أن يكون مفعولًا به كما كان كذلك في قوله: (وأنذرهمْ يومً الأزفةِ) وقوله: (لينذرَ يومَ التَّلاقِ) وقله: (وأنذرهمْ يومَ الحسرةِ) وإنما يجز أن يكون اليوم في هذه الآيات ظرفًا لأن الإنذار لا يكون في يوم القيامة فانتصب اليوم فيهن انتصاب الصاعقة في قوله: (فقلْ أنذرتكمْ صاعقةً) وإنما لم يصح أن يكون اليوم في قوله: (يوم تجد) مفعولًا به لأن الفعل من قوله: (ويحذركم الله نفسه) قد تعدى إلى ما يقتضيه من المفعول به، ولا يجوز أن يعمل فيه المصدر الذي هو "المصير"للفصل بينهما ولا يعمل فيه أيضًا "قدير" لأن قدرة الله على الأشياء كلها لا تختص بزمان
[ ٥١ ]
دون زمان فبقي أن يعمل فيه المضمر الذي هو أذكر وإن شئت قدرت احذروا يوم تجد كل نفس فنصبته نصب المفعول به كما نصبته في تقدير أذكر على ذلك.
وقال قوله تعالى: (آيتكَ ألَّا تكلمَ الناسَ ثلاثةَ أيَّامٍ إلا رمزًا) قوله إلا رمزًا استثناء ليس من الأول وكل استثناء ليس من جنس الأول فالوجه في النصب. انتهى كلامه.
وأقول: إن إلا في قوله: (إلا رمزًا) إنما هي لإيجاب النفي كقولك: ما لقيت إلا زيدًا فليس انتصاب "رمزًا" على الاستثناء ولكنه مفعول به منتصب بتقدير حذف الخافض فالأصل: أن لا تكلم الناس إلا برمز أي تحريك الشفتين باللفظ من غير إبانة بصوت فالعامل الذي قبل إلا مفرغ في هذا النحو للعمل فيما بعدها بدلالة أنك لو حذفت إلا وحرف النفي استقام الكلام، تقول في قولك: ما لقيت إلا زيدًا، لقيت زيدًا، وفي قولك: ما خرج إلا زيد، خرج زيد. وكذلك لو قيل: آيتك أن تكلم الناس رمزًا كان كلامًا صحيحًا وليس كذلك الاستثناء في نحو: ليس القوم في الدار إلا زيدًا وإلا زيد فلو حذفت النافي والموجب فقلت: القوم في الدار زيدًا أو زيد لم يستقم وكذلك ما خرج إخوتك إلا جعفر، لو قلت: خرج إخوتك جعفر لم يجز وكذلك الإستثناء المنقطع نحو: ما خرج القوم إلا حمارًا، لو قلت: خرج القوم حمارًا لم يستقم فاعرف الفرق بين الكلامين ثم أقول إن المستثنى الذي من جنس الأول يصح أن
[ ٥٢ ]
يقع به الفعل الذي عمل في الأول تقول: ما لقيت أحدًا إلا حمارًا فيصح أن تقول: لقيت حمارًا. وكذلك ما مر بي أحد إلا غزالًا يصح أن تقول: مربي غزال ولا يصح أن توقع التكليم بالرمز فنقول: كلمت رمزًا كما تقول: كلمت زيدًا.
وقال في قوله تعالى: (تعالواْ إلى كلمةٍ سواءِ بيننا وبينكمْ ألَّا نعبدَ إلا اللهَ) أن في موضع خفض بدل من كلمة وإن شئت في موضع رفع على إضمار مبتدأ تقديره: هي أن لا نعبد، ويجوز أن تكون مفسرة بمعنى أي على أن تجزم نعبد ونشرك بلا، ولو جعلت أن مخففة من الثقيلة رفعت نعبد ونشرك وأضمرت الهاء. انتهى كلامه.
وأقول أغرب الوجوه التي قد ذكرها في إعراب نعبد وما عطف عليه الجزم، قال الزجاج: لو كان أن لا نعبد إلا الله بالجزم ولا نشرك لجاز على أن تكون أن مفسرة في تأويل أي ويكون "لا نعبد" على جهة النهي والمنهي هو الناهي في الحقيقة كأنهم نهوا أنفسهم. انتهى كلام أبي إسحاق. وأقول إن النهي قد يوجهه الناهي إلى نفسه إذا كان له فيه مشارك كقولك لواحد أول لأكثر: لا نسلم على زيد ولا ننطلق إلى أخيك، وكذلك الأمر كقولك: لنقم إلى زيد ولتنطلق إلى أخيك كما جاء في التنزيل: (ولنحملْ خطاياكمْ) .. وليس لمكي فيما أورد من الكلام في هذه الآية زلة وإنما ذكرت ما ذكرته فيها لما فيه من الفائدة.
[ ٥٣ ]
وقال في قوله جل وعز: (لن يضرُّوكمْ إلَّا أذى) في موضع نصب استثناء ليس من الأول.
وهذا القول النظير ما قاله في قوله تعالى: (إلا رمزًا) إنما أذى موضعه نصب بتقدير حذف الخافض أي لن يضروكم إلا بأذى (لأنك لو حذفت لن وإلا فقلت: يضروكم بأذى) كان مستقيمًا.
وقال في قوله: (ربَّنا أخرجنا منْ هذهِ القريةِ الظَّالمِ أهلها) إنما وحد الظالم لجريانه على موحد.
قوله وحد لجريانه على موحد قول فاسد لأن الصفة إذا ارتفع بها ظاهر وحدت وأن جرت على مثنى أو مجموع نحو: مررت بالرجلين الظريف أبواهما وبالرجال الكريم آباؤهم لأن الصفة التي ترفع الظاهر تجري مجرى الفعل الذي يرتفع به الظاهر في نحو: خرج أخواك وينطلق غلمانك.
وحكى عن الراء أن "الصابئون" من قول الله تعالى: (إنَّ الَّذينَ
[ ٥٤ ]
آمنواْ والَّذينَ هادواْ والصَّابئونَ والنَّصارى) معطوف على المضمر في هادا فنسب إليه ما لم يقله عن نفسه وإنما حكاه عن الكسائي وأبطله الفراء من وجه أبطله مكي فقال في كتابه الذي ضمنه معاني القرآن: قال الكسائي: ترفع الصابئون على اتباعه الإسم الذي في هادوا ويجعله من قوله: (إنَّا هدنا إليكَ) أي تبنا ولا يجعله من اليهودية. قال الفراء: وجاء التفسير بغير ذلك لأنه أراد بقوله (الذين آمنوا) الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ثم ذكر اليهود والنصارى والصابئين فقال: من آمن منهم فله كذا وكذا فجعلهم منافقين ويهودا ونصارى وصابئين. انتهى كلام الفراء. يعني أنه إذا صار معنى هادوا تابوا هم والصابئون بطل ذكر اليهود في الآية وأما الوجه الذي أبطل به مكي قول الكسائي وعزاه إلى الفراء فقوله: وقد قال الفراء في "الصابئون" هو عكف على المضمر في هادوا قال: وهذا غلط لأنه يوجب أن يكون الصابئون والنصارى يهودًا وأيضًا فإن العطف على المضمر المرفوع قبل أن يؤكد أو يفصل بينهما بما يقوم مقام التوكيد قبيح عند بعض النحويين ثم ذكر وجوها في رفع الصابئين.
[ ٥٥ ]
وأقول إنك إذا عطفت على اسم إن قبل الخبر لك يجز في المعطوف إلا النصب نحو: إن زيدًا وعمرًا منطلقان ولا يجوز أن ترفع المعطوف حملا على موضع إن واسمها لأن موضعهما رفع بالابتداء ومنطلقان خير عنه وعن اسم إن فقد أعملت في الخبر عاملين الابتداء وإن وغير جائز أن يعمل في اسم عاملان وإن لم تثن الخبر فقلت: إن زيدًا وعمرو منطلق ففي ذلك قولان: أحدهما أن يكون خبر إن محذوفًا دل عليه الخبر المذكور فالتقدير: إن زيدًا منطلق وعمرو منطلق وإلى هذا ذهب أبو الحسن الأخفش وأبو العباس المبرد. والآخر قول سيبويه: وهو أن يكون الخبر المذكور خبر إن وخبر المعطوف محذوفًا فالتقدير: إن زيدًا منطلق وعمرو كذلك فالتقدير في الآية على المذهب الأول: إن الذين آمنوا والذين هادوا من آمن بالله أي: من آمن منهم بالله واليوم الآخر وعمل صالحًا فلا خوف عليهم (والصابئون والنصارى من آمن منهم بالله واليوم الآخر وعمل (صالحًا) فلا خوف
[ ٥٦ ]
عليهم) فحذف الخبر الأول لدلالة الثاني عليه. وعلى المذهب الآخر وهو أن يكون الخبر المذكور خبر وإن وخبر الصابئين والنصارى محذوف كأنه قيل: والصابئون والنصارى كذلك.
[ ٥٧ ]