قال هذا: أظن دموعها سنن الفريد، يريد: أظن سنن دموعها.
وأخذهم على أبي الطيب أحمد بن الحسين:
أُحادٌ أم سُداسٌ في أُحادِ لُيَيْلَتُنا المَنُوطةُ بالتّنادِ
قالوا: فغلط في هذا البيت في وجوه منها: أنه صرف أحاد، والعرب لا تعربه، وإنما تجعله مبنيًا؛ كقول الشاعر:
. . . . . . . . . . . أُحادَ أُحادَ في الشّهر الحَرَامِ
وقال: سداس، والعرب لم تجاوز في العَدَد رُباع
[ ١٠٦ ]
وقال: لييلتنا، والعرب إذا صغرت ليلة قالت: لُيَيْلِيَة، فحذف هذا الياءَ من آخره.
فأما قوله: أحادٌ، فهو وجه الكلام هاهنا، ولا يكون غيرُه، وليس هو مما قال الشاعر في قوله:
. . . . . . . . . . . . أُحادَ أُحادَ في الشهر الحرام
وذلك أن العرب إذا قالت هذا، فكأن فيه معنى الموالاة، وكان ممنوعًا من الصرف؛ لأنه يجتمع فيه علّتان: إحداهما العَدْل، والأخرى أنه يؤدي عن معنى آخر؛ وذلك إذا قال: جاءني القوم مثنى مثنى كان معدولًا عن اثنين، يؤدي عن معنى: اثنين اثنين. ولما قال هذا الشاعر: أحاد كان معناه: واحد في ستة أم ستة في واحد، فهو معدول عن واحد يؤدي عن معنى واحد، فليس فيه إلا علة واحدة، فلذلك انصرف، كما أن طُوَالًا معدول عن طويل، وهو بمعنى طويل، فهو منصرف.
وأما قولهم: إن العرب لم تجاوز في العَدد رُباع، ادِّعاء منهم؛
[ ١٠٧ ]
لأن القياس لا يمنعه، وإنما جاء في القرآن إلى رُباع، فأما في الكلام فلا أرى مانعًا يمنعه. على أنه قد أتى في الشعر عُشار، وهو قول الكميت:
فلم يَستريثُوك حتى جَمَعْ تَ فوقَ الرِّجال خِصالًا عُشارَا
فإذا كان القياس يعطيه، وقد جاء في الشعر ما يجوز رُباع، دل على أن قوله: سداس جائز.
وأما قولهم: كان يلزمه أن يثبت في آخر ليلة الياء في التصغير، على ما يفعل العربُ، فهذا تشعيث؛ وذلك أن العرب لما قالت في جمع ليلة: ليالي، جاءوا بياء في الجمع لم يكن في الواحد، قالوا: كأنه جمع ليلاة،
[ ١٠٨ ]
فلما صغّروا جعلوا التصغير بمنزلة الجمع، لأنهما من واد واحد، والزيادة فيهما من مكان واحد، فزادوا الياء كأنهم صغروا ليلاةً، فقالوا: لُيَيْلِيَة، فإذا صغّره شاعر على اللفظ، كان حسنًا، بل لا يمتنع في الكلام فضلًا على الشعر.
والعرب تقول في تصغير رَجُل: رُجَيْل ورُوَيْجل، فمن صغّره رُجَيْلًا، صغره على لفظه، ومن قال: رُوَيْجِل قال: معنى رجل وراجل واحد، فصغّره على المعنى، فليس في هذا البيت على هذا مطعنٌ.
وأخذ عليه في قوله:
وا حَرَّ قَلباهُ ممّن قلبُه شَبِمُ ومَنْ بجسمي وحالي عنده سَقَمُ
قالوا: فالغلط في هذا البيت من وجهين:
أحدهما: أنه وصل المندوب، وحرَّك الهاء، وهي هاء إنما تدخل في الوقف، وهي ساكنة أبدًا إذا قلت: وا زيداهْ، وا عمراهْ فإذا وصلت أسقطت الهاء، فقلت: وا زيدَ بن عمرو.
[ ١٠٩ ]
والوجه الثاني: أنه أسقط الياء من المضاف إليه، وهو موضع لا تسقط فيه الياء؛ لأنه إذا قال: يا غلامِ أسقط الياء، فإذا قال: يا غلامَ غلامي لم يجُز إسقاطُها؛ فقوله: وَا حَرَّ قَلْبَاهُ بمنزلة: يا غُلامَ غُلامياه، فكما لا يجوز إسقاط الياء من الآخِر، كذا لا يجوز إسقاطها من القلب.
وهذا أيضًا يجوز في اتساع كلام العرب، أما إثبات الهاء في الوقف، ووصلها، فقد جاء في شعر العرب، وهو قول بعضهم:
وامَرْحَبَاهُ بحمار عَفراءْ
إذا أتى قدّمتُه لما شاءْ
من الشِّعِير والحشيشِ والماءْ
وكذلك قوله الآخر:
وا مَرْحبَاهُ بحمار ناجيَهْ
إذا أتى قدَّمتُه للسَّانِيهْ
[ ١١٠ ]
فَوصَل الهاءَ وحرَّك.
فأما حذف الياء، فقد أجازه بعض النحويين، واحتج بأن المضاف والمضاف إليه بمنزلة اسم واحد، فكما جاز حذف الياء من الأول، جاز حذفها من الثاني، ولا أرى هذا بالوجه، ولكن أراه جائزًا في مثل هذا البيت، وغير جائز في غيره؛ وذلك أن قول الشاعر: وا حَرَّ قلباهُ ليس بمنزلة: وا غلام غلامياه إلا في الإضافة، وبينهما فرق، وذلك أن هذا إنما التفجّع فيه
على الثاني، وليس الأول، فيه تفجُّع، فإذا قال: وا حَرَّ قلباهُ فكأنه قال: وا قلباه؛ لأنه هو معناه، فأجاز حذف الياء، كما يجيزها في قوله: وا قلباه وإذا قال: وا غلامَ غلامياه، فالتفجّع على الغلام الأول، فلذلك لم يجز حذف الياء من الثاني، وهذا بيّن إن شاء الله.
وأخذ عليه قوله:
هَذِي بَرَزْتِ فهجْتِ رَسِيسا ثم انصرفتِ وما شفيتِ نَسِيسا
قالوا: ولا يجوز إسقاط حرف النداء مع النكرة والمبهم؛ لا يجوز:
[ ١١١ ]
رَجُلُ، وأنت تريد: يا رَجُلُ. ولا: هذا وأنت تريد: يا هذا؛ لأنهم جعلوا يا عوضًا مما حذفوا، وأيضًا فإنه يلتبس بالخبر.
وهذا كله لا يلزم، قد أجاز حذفَ حرف النداء في هذا كله بعضُ البصريين، وأنشد في النكرة:
جارِيَ لا تستنكرِي عَذِيري
قالوا: يريد يا جارية.
وحكى في مَثل العرب: افْتَدِ مَخْنُوقُ وأْطرِقْ كَرَا؛ يريد يا مخنوقُ وياكَرَا؛ يعني الكروان.
[ ١١٢ ]
فأما احتجاجهم بأنها عِوَضٌ، فلو لَزِمَ ما حُذفت مع المعارف، إذا قلت: يا عَبْدَ الله وعَبْدَ الله لأنها عِوضٌ من الفِعْل.
فأما قولهم: يلتبس بالخبر، فإن جوابه يمنع من ذلك، ألا ترى أن البيت: هذِي برزتِ، فلو كان خبرًا لم يَجُز أن يكون الجواب هكذا، وكذا كل ما كان من هذا الباب.
وأخذ عليه قوله:
جَلَلًا كما بي فَلْيَكُ التَّبريحُ أغذاء ذا الرَّشَأ الأغنِّ الشِّيحُ
قالوا: إنما يقال: لم يَكُ زيدٌ عاقلًا ولم يَكُ في الدار زيدٌ، فإذا لقي الألف واللام، رجعت النون، فقلت: لم يكن الرجل.
وهذا كلام العرب، غير أن لها فيه اتساعًا، وهي أنها تمنع شيئًا لوجوه غيره، وربما اتسعت فجمعت بينهما؛ كما قال بعضهم: اللَّهُمَّ، ويا للَّهُمَّ، فأدخل الياء في النداء مع الميم، وهي ممتنعة معها، وقد جاء هذا في الشعر.
[ ١١٣ ]
وكذا تَمْنَعُ دخولَ (يا) مع الألف واللام إذا كانتا في الاسم، وقد جاء ذلك في الشعر.
وتَقلِبُ هذا المعنى، فتحذف شيئًا لعدم غيره، وربما حذفته وذلك محذوف أيضًا، كما كان أولًا؛ كقولهم: قاضٍ والقاضِي، فإذا دخلت الألف واللام، منعتِ التنوينَ، فعادت الياءُ، وإذا سقطتا دخل التنوين، فحذِفت الياءُ، فيقولون: هذا القاضِ والغازِ وأنشدوا:
فطِرْتُ بمُنْصُليِ في يَعْمَلاتٍ دَوَامِي الأيْدِ يخبِطْنَ السَّرِيحاَ
[ ١١٤ ]
فقال: الأيد، والوجه أن يقول: الأيدي، لأن الياء تثبت مع دخول الألف واللام، فلما اضطُرَّ حذف الياء مع وجودهما، وذلك أنه أدخلهما على محذوف، وأبقاهما على الحذف، فكذا هذا حذف النون كما تفعل العرب، فلما أتى بالألف واللام ترك ذلك الحذف، وهذا بيِّن في هذا البيت.
وأخذ عليه قوله:
ابْعَدْ بَعِدْتَ بياضًا لا بياضَ له لأنت أسودُ في عيني من الظُّلَمِ
قالوا: كيف قال هذا وهو في معنى التعجب؟ وأنت لا تقول: هذا أسود من هذا، إنما هو أشَدّ سوادًا من هذا، كما تقول: ما أشدّ سوادَه، لا تقول: ما أسوده.
وهذا أيضًا كما قالوا في أصول العربية، إلا أن الشاعر له أن يجريه مجرى الثلاثي من الأفعال، كما قال الأول:
أبيضُ من أخت بني إباضِ
جاريةٌ في رمضانَ الماضِي
[ ١١٥ ]
تقطِّع الحديثَ بالإيماضِ
فقال: أبيض من كذا، وهو مثل قول الشاعر: لأنت أسود في عيني. وأخذ عليه قوله:
بعثتُ إليه من لساني حديقةً سقاهَا الحِجَى سَقْيَ الرياضَ السحائبِ
قالوا: كيف يفرّق بين المضاف والمضاف إليه ثم يخفضه، وإنما كان الوجه أن يقول: سقْيَ السحائبِ الرياضَ أو سَقْي الرياضِ السحائبُ، كما تقول: عجبتُ من ضرب زيدٍ عمرًا ومن ضرب عمرٍو زيدٌ، إذا كان زيد في كل هذه فاعلًا، كما كانت السحائب فاعلة.
[ ١١٦ ]