فقالوا: رفع نون الجميع. وهذا قد ذكره النحويون أنه يجوز في اضطرار الشعر، وأن العرب تُجرى النُّون الزائدة مُجرى الأصلية، فتعربها، وتجعله بمنزلة كلمة واحدة.
وكأخذهم على أبي تمام:
من كلِّ أظمَى الثَّرى والأرضُ مُخْلِفَةٌ ومقشعرُّ الرُّبا والشمسُ في الحَمَلِ
قالوا: والوجه ظمآن الثرى؛ لأن الواحدة ظمأى، كعطشان وعَطْشَى.
وإن كان كما زعموا، فإن للشاعر أن يَرُدَّ مذكّر فَعْلَى إلى مذكّر فعلاء؛ إذ كان كل واحد منهما مقيسًا على صاحبه؛ وذلك أن فَعْلاَن هذا مضارع لفَعْلاء، فالألف والنون في آخره، كالهمزة والألف في آخر فَعلاء، وخالفوا بين مذكّره ومؤنثه، كما خالفوا بين مذكّر أفعل ومؤنثه في اللفظ. فلما اضطر أجرى مذكر فَعْلى مُجرى مذكر فَعلاء.
وأيضًا فإن العرب تقول: رُمْحٌ أظمَى، إذا كان أسمر، وقَناةٌ
[ ١٠٤ ]
ظميَاءُ، إذا كانت كذلك، فجوز أن يكون المعنى: من كل أسود الثرى والأرض مُخلفة، ألا تراه أسْوَدَ لِمَحْلِهِ، وذلك يدل على الجَدْب، فيكون هذا لا ضرورة فيه.
وأُخذ عليه قوله:
أظنُّ دموعَها سَنَنَ الفَريدِ وَهَي سِلْكاه من نَحْرٍ وجِيدِ
قالوا: فالسَّنَنُ الطريق، وأضاف إليها الفريد، وشبه الدموع بها. وكان الوجه أن يقول: أظن دموعها الفريد؛ لأنه هو الذي يشبه الدموع، لا طريقُه، وإنما أراد: أظن سَنَنَ دموعها سَنَنَ الفريد؛ يريد أن يشبّه تتابُعَ الدموع، وهو سَنَنَُه، بتتابع الفريد، إذا وهي سِلْكُه.
ومثل هذا في شعر العرب كثير، منه قول الشاعر:
وشرُّ المنايا مَيِّتٌ وَسْطَ أهلِه كُهلْك الفَتى قد أسْلَم الحَيَّ حاضِرُهْ
فقال: وشر المنايا ميّت، وإنما يريد: وشر المنايا منية ميت، كما
[ ١٠٥ ]